أعاد الدكتور كمال الجندي، الأكاديمي بجامعة
الإسكندرية، فتح النقاش بشأن علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالولايات المتحدة
وبريطانيا وإسرائيل، من خلال
قراءة تحليلية نشرها على صفحته في موقع "فيسبوك"
لكتاب "الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والاشتباك" (The Muslim Brotherhood and the West: A
History of Enmity and Engagement)، للمؤرخ البريطاني مارتن فرامبتون، الصادر
عن مطبعة جامعة هارفارد عام 2018.
وتنطلق قراءة الجندي من سؤال يتجاوز تاريخ
العلاقة بين الجماعة والعواصم
الغربية إلى طبيعة الانقسامات السياسية التي عرفتها
مصر ودول عربية أخرى خلال العقود الماضية: هل تشكل شيطنة الخصوم السياسيين نتيجة
طبيعية للصراعات المحلية، أم أن القوى الخارجية تستطيع توظيف هذه الصراعات
وتغذيتها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية؟
ويتبنى الجندي، في عرضه للكتاب، أطروحة
نقدية ترى أن الخطاب الذي يحول الإسلاميين إلى "عدو وجودي" لا يمكن فصله
عن حسابات القوى الغربية والإسرائيلية إزاء التوازنات الداخلية في المنطقة، ولا
سيما ما يتصل بمكانة القضية الفلسطينية، ومستقبل التطبيع، وطبيعة الأنظمة
السياسية، وقدرة المجتمعات العربية على بناء توافقات وطنية مستقلة.
لكن هذه الأطروحة تظل، في صيغتها التي
يقدمها الجندي، قراءة سياسية للوقائع التاريخية التي يناقشها
الكتاب، ولا يصح
التعامل معها باعتبارها خلاصة مثبتة للكتاب بأكمله من دون مراجعة نصه الأصلي
والوثائق التي يستند إليها.
من الخلاف السياسي إلى العداء الوجودي
يضع الجندي الانقسام الداخلي في صدارة
المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية، ويميز بين الاختلاف السياسي والفكري، الذي
يعده أمرا طبيعيا في المجتمعات الحية، وبين تحول الخلاف إلى خطاب إقصائي ينزع عن
الخصم صفته الوطنية ويصوره باعتباره عدوا لا يمكن التعايش معه.
وفي هذا السياق، يرى أن الأزمة لا تكمن في
وجود خلافات بين التيارات الإسلامية والعلمانية أو بين جماعة الإخوان المسلمين
وخصومها السياسيين، بل في إغلاق المجال أمام النقاش والمراجعة والمحاسبة، واستبدال
الاحتكام إلى السياسة والقانون بمنطق التخوين والاستئصال.
وتستند هذه المقاربة إلى التمييز بين نقد
تجربة الإخوان السياسية والتنظيمية، بما تتضمنه من مواقف وقرارات قابلة للتقييم،
وبين تعميم الأحكام على كل المنتمين إلى التيار الإسلامي أو إخراجهم من دائرة
المواطنة. فالمواطنون، وفق هذه الرؤية، لا يفقدون حقوقهم السياسية والمدنية لمجرد
انتمائهم الفكري أو اختلافهم مع السلطة أو القوى الاجتماعية الأخرى.
الأزمة لا تكمن في وجود خلافات بين التيارات الإسلامية والعلمانية أو بين جماعة الإخوان المسلمين وخصومها السياسيين، بل في إغلاق المجال أمام النقاش والمراجعة والمحاسبة، واستبدال الاحتكام إلى السياسة والقانون بمنطق التخوين والاستئصال.
غير أن هذا الطرح لا يعني إعفاء الجماعة من
مسؤولية مراجعة تجربتها، أو تجاهل الأخطاء والصراعات التي أسهمت في تعميق
الاستقطاب المصري. بل إن القيمة السياسية لأي مراجعة جادة تتوقف على قدرتها على
الجمع بين مساءلة القوى المختلفة عن خياراتها، ورفض تحويل الخصومة السياسية إلى
مبرر للإقصاء الجماعي.
ومن هنا، يربط الجندي بين تفكك المجال
الوطني وبين قدرة السلطات على إدارة المجتمع من خلال الانقسامات، إذ يرى أن الصراع
الصفري بين مكوناته يستنزف الطاقات التي كان يمكن توجيهها نحو التنمية والاستقلال
السياسي ومواجهة التحديات الإقليمية.
ماذا يكشف كتاب فرامبتون عن حسابات الغرب؟
يمثل كتاب مارتن فرامبتون، في قراءة الجندي،
مدخلا لفهم التحولات التي طرأت على مواقف الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه جماعة
الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام 1928 وحتى السنوات الأولى من العقد الثاني للقرن
الحادي والعشرين.
وتنبع أهمية هذا المدخل من أن العلاقة بين
الغرب والجماعة لم تتخذ شكلا واحدا ومستقرا عبر التاريخ؛ فقد تداخلت فيها المخاوف
الأمنية، والحسابات الدبلوماسية، والتحولات الإقليمية، والنقاشات بشأن الإسلام
السياسي وموقعه في الأنظمة السياسية العربية.
ويتيح هذا المسار التاريخي، من حيث المبدأ،
مساءلة التصورات التي تختزل السياسة الغربية في موقف ثابت من الجماعة، سواء
باعتبارها عدوا مطلقا في جميع الظروف، أو باعتبارها حركة جرى استهدافها حصرا بسبب
مواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
فالعلاقات الدولية لا تقوم عادة على
الاعتبارات الأيديولوجية وحدها، بل تتشكل أيضا بفعل المصالح والتحالفات وموازين
القوى. وقد تتعامل الدولة مع حركة سياسية في مرحلة باعتبارها طرفا يمكن التواصل
معه، ثم تنظر إليها لاحقا باعتبارها مصدر تهديد، أو تعيد تقييمها استجابة لتغيرات
داخلية وإقليمية.
وهنا تبرز الفكرة المركزية التي يستخلصها
الجندي من قراءته: أن فهم العداء الغربي للإخوان لا يكتمل من دون دراسة السياقات
التي تحكمه، والتمييز بين التقييم الأمني والسياسي للجماعة وبين توظيف صورتها في
الصراعات الإقليمية.
لكن إثبات أن المواقف الغربية تغيرت تبعا
للمصالح لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة موحدة ومستمرة صاغتها واشنطن وتل أبيب
لتفكيك المجتمعات العربية عبر شيطنة الجماعة. فهذه النتيجة الأوسع تحتاج إلى أدلة
مباشرة، وتحديد للجهات التي اتخذت القرارات، والآليات التي استخدمتها، ومدى
تأثيرها الفعلي في الخطاب والسياسات داخل الدول العربية.
بين التوظيف السياسي والاحتواء الأمني
تمنح قراءة الجندي أهمية خاصة لفكرة
ازدواجية التعامل الغربي مع الإسلام السياسي، أي إمكان الانتقال بين التواصل
والاحتواء والمواجهة وفقا لطبيعة المرحلة.
فخلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة
وبريطانيا تنظران إلى المنطقة من زاوية التنافس مع الاتحاد السوفيتي، وصعود
القومية العربية، وحماية المصالح الاستراتيجية الغربية. وفي مثل هذه البيئة، كان
من الممكن أن تلتقي حسابات بعض القوى الغربية مع قوى إسلامية في معارضة خصوم
مشتركين، من دون أن يعني ذلك تطابق المشاريع السياسية أو وجود تحالف ثابت.
يمثل كتاب مارتن فرامبتون، في قراءة الجندي، مدخلا لفهم التحولات التي طرأت على مواقف الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام 1928 وحتى السنوات الأولى من العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين.
وفي المقابل، ظلت الحركات الإسلامية موضع
قلق لدى دوائر غربية بسبب طبيعة برامجها السياسية، ومواقفها من النظام الإقليمي،
وعلاقتها بقضايا مثل إسرائيل وفلسطين، فضلا عن الاختلافات الكبيرة بين فروعها
وتياراتها بشأن العمل السياسي والعنف والتغيير.
ومن هذا المنظور، لا يتعلق السؤال فقط بما
إذا كانت جهات غربية قد سعت إلى التواصل مع الإخوان أو احتوائهم، وإنما أيضا
بالظروف التي دفعتها إلى ذلك، والحدود التي رسمتها لهذا التواصل، والأسباب التي
أدت إلى تحوله في مراحل أخرى إلى مواجهة أو تضييق.
وتحذر قراءة الجندي من التعامل مع السياسات
الغربية باعتبارها منظومة أخلاقية متماسكة، وترى أن المصالح الاستراتيجية قد تتقدم
على الخطاب المعلن عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن اختبار هذه الفرضية يقتضي
النظر في كل مرحلة على حدة، بدلا من افتراض أن جميع المؤسسات الغربية أو
الإسرائيلية تصرفت دائما وفق إرادة واحدة أو هدف موحد.
11 سبتمبر وصعود مقاربة "الحرب
على الإرهاب"
يشكل التحول الذي أعقب هجمات 11
سبتمبر/أيلول 2001 محطة مهمة في النقاش حول علاقة الغرب بالحركات الإسلامية. فقد
أعادت «الحرب على الإرهاب» تشكيل أولويات السياسة الأمنية الأمريكية، ووسعت
النقاشات بشأن العلاقة بين الإسلام السياسي والتطرف العنيف.
وتثير هذه المرحلة مسألة أساسية تتعلق بحدود
التصنيف الأمني: هل يمكن وضع الحركات الإسلامية المختلفة في فئة واحدة، بصرف النظر
عن بنيتها التنظيمية وممارساتها ومواقفها من العنف والعمل السياسي؟
تدعو القراءة التي يقدمها الجندي إلى رفض
التعميم الذي يساوي تلقائيا بين كل أشكال الإسلام السياسي والتنظيمات المسلحة.
فالتعامل التحليلي مع هذه الحركات يقتضي التمييز بين الأيديولوجيا والتنظيم
والممارسة، وبين المشاركة السياسية والعمل المسلح، مع إخضاع الادعاءات المتعلقة
بكل جماعة للأدلة المتاحة.
لكن هذا التمييز لا يعفي أي حركة من
المساءلة عن ممارساتها أو مواقفها، كما لا يجعل الانتساب إلى العمل السياسي السلمي
دليلا كافيا بمفرده على الاعتدال في جميع القضايا. فالمعيار الأهم هو فحص السلوك
الفعلي والبرامج السياسية والعلاقة بحقوق الآخرين وقواعد النظام القانوني.
وفي هذا الإطار، يكتسب النقاش بشأن تصنيف
الإخوان أهمية تتجاوز الجماعة نفسها، لأنه يمس قدرة الدول على وضع سياسات أمنية
تستند إلى أدلة محددة، بدلا من التصنيفات الواسعة التي قد تخلط بين تيارات مختلفة
وتغلق مساحات العمل السياسي المشروع.
الربيع العربي واختبار العلاقة بين
الديمقراطية والمصالح
تكتسب السنوات الممتدة من ثورات عام 2011
إلى إطاحة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عام 2013 مكانة محورية في قراءة الجندي،
لأنها كشفت، وفق أطروحته، حجم التوتر بين نتائج التحولات السياسية في المنطقة وبين
حسابات القوى الإقليمية والدولية.
فقد أوجدت الثورات العربية واقعا جديدا
اضطرت معه العواصم الغربية إلى التعامل مع قوى سياسية لم تكن تمسك بالسلطة من قبل،
أو لم تكن جزءا من ترتيبات الحكم القائمة. وفي مصر، وصل الإخوان المسلمون إلى
السلطة عبر انتخابات عام 2012، قبل أن تنتهي التجربة بإطاحة مرسي في يوليو/تموز
2013، وسط استقطاب داخلي واسع وصراع سياسي حاد.
وتقرأ أطروحة الجندي هذا المسار في سياق
المخاوف الإسرائيلية والغربية من احتمالات تغير السياسة المصرية تجاه القضية
الفلسطينية، أو من انعكاسات صعود الإسلاميين على ترتيبات الأمن الإقليمي واتفاقية
السلام المصرية الإسرائيلية.
تدعو القراءة التي يقدمها الجندي إلى رفض التعميم الذي يساوي تلقائيا بين كل أشكال الإسلام السياسي والتنظيمات المسلحة. فالتعامل التحليلي مع هذه الحركات يقتضي التمييز بين الأيديولوجيا والتنظيم والممارسة، وبين المشاركة السياسية والعمل المسلح، مع إخضاع الادعاءات المتعلقة بكل جماعة للأدلة المتاحة.
لكن تفسير ما جرى لا يمكن أن يستند إلى
العامل الخارجي وحده؛ إذ ينبغي أن يشمل أيضا أداء الحكم، وطبيعة العلاقة بين
الرئاسة ومؤسسات الدولة، وأزمة التوافق مع القوى السياسية الأخرى، والاحتجاجات
الشعبية، ومواقف المؤسسة العسكرية، فضلا عن خيارات المعارضة والإخوان أنفسهم.
ويظل التمييز ضروريا بين توثيق اتصالات
خارجية أو رصد مخاوف لدى حكومات من صعود تيار سياسي، وبين إثبات أن تلك الحكومات
خططت بصورة مباشرة لإسقاط تجربة سياسية أو هندست الانقسام الداخلي الذي رافقها.
فلكل ادعاء من هذا النوع متطلبات إثبات مختلفة، ولا تكفي المصالح المحتملة وحدها
لإثبات المسؤولية عن الأحداث.
ومع ذلك، يفتح هذا المسار بابا مهما للنقاش
بشأن مدى اتساق الخطاب الغربي المؤيد للديمقراطية مع السياسات العملية حين تأتي
نتائج الانتخابات بقوى تختلف معها بعض الحكومات في رؤيتها الإقليمية. وهو سؤال لا
يقتصر على الحالة المصرية، بل يرتبط بمشكلة أوسع في
العلاقات الدولية: حدود قبول
القوى الكبرى بنتائج التنافس السياسي عندما تتعارض مع مصالحها.
بريطانيا والتصنيف.. أين تنتهي المراجعة
الأمنية ويبدأ القرار السياسي؟
تتصل إحدى المحطات التي تستحضرها القراءة
بمراجعة الحكومة البريطانية نشاط جماعة الإخوان المسلمين، التي أطلقها رئيس
الوزراء ديفيد كاميرون عام 2014، وأعلنت خلاصاتها عام 2015.
وتكتسب هذه الحالة أهميتها من أنها تتيح فحص
العلاقة بين التقييم الأمني والتصنيف السياسي، وبين الأدلة المتصلة بسلوك تنظيم
معين والضغوط التي قد تمارسها أطراف إقليمية ودولية لتبني موقف أكثر تشددا منه.
وفي قراءة الجندي، تكشف المناقشات الغربية
حول الجماعة عن خلافات داخل دوائر صنع القرار بشأن جدوى الحظر الشامل، ومدى دقته
القانونية، وانعكاساته على المصالح الدبلوماسية والأمنية. فوجود تيارات تطالب
بتوسيع التصنيف الأمني لا يعني بالضرورة أن جميع مؤسسات الدولة تتبنى التوجه نفسه،
كما أن عدم تبني الحظر الشامل لا يعني أن المؤسسات المعنية تمنح الجماعة تأييدا
سياسيا.
والدرس الأوسع هنا هو ضرورة التمييز بين
الرأي السياسي والتقييم الاستخباراتي والقرار القانوني. فالتصنيفات المتعلقة
بالإرهاب يفترض أن تستند إلى معايير محددة وأدلة قابلة للفحص، لا إلى مجرد الخصومة
الأيديولوجية أو الخلاف بشأن السياسات الإقليمية.
كما أن مراجعة المواقف الغربية لا ينبغي أن
تتوقف عند السؤال عما إذا كانت الجماعة قد حُظرت أو لم تُحظر، بل تتناول طبيعة
الأدلة المقدمة، وحدود التعميم بين فروعها، والآثار التي تترتب على القرارات
المتخذة بحق الأفراد والمؤسسات المرتبطة بها.
إسرائيل وفلسطين في قلب الحسابات الإقليمية
تحتل القضية الفلسطينية موقعا أساسيا في
أطروحة الجندي، الذي يرى أن موقف جماعة الإخوان المسلمين من إسرائيل والمقاومة
الفلسطينية يمثل أحد المفاتيح لفهم أسباب التوجس الإسرائيلي من نفوذها السياسي
والاجتماعي.
فمن وجهة نظره، لا ينحصر أثر الحضور
الإسلامي في المنافسة على السلطة داخل الدول العربية، بل يمتد إلى قدرته على
التأثير في الرأي العام بشأن التطبيع والعلاقات مع إسرائيل، وفي المواقف الشعبية
من القضية الفلسطينية.
وتستند هذه الفكرة إلى حقيقة أوسع مفادها أن
السياسات الخارجية للدول لا تتشكل فقط داخل المؤسسات الرسمية، بل تتأثر أيضا
بالاتجاهات المجتمعية والقوى السياسية المنظمة. وقد تصبح المواقف الشعبية من
فلسطين عاملا ضاغطا على الحكومات التي تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها الإقليمية أو
تطويرها.
غير أن ربط كل أشكال العداء للإخوان بالموقف
الإسرائيلي من فلسطين يحتاج إلى تمييز بين مستويات متعددة: المخاوف الأمنية
الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية، ومواقف الحكومات الغربية، والصراعات المحلية،
والاعتبارات الخاصة بكل دولة عربية. ولا يمكن افتراض أن هذه العوامل تتطابق في
دوافعها أو نتائجها.
كما أن الموقف من إسرائيل لا يلغي ضرورة فحص
سياسات الإخوان أنفسهم، ولا يثبت بمفرده أن جميع الإجراءات المتخذة ضد الجماعة
تستهدف حماية إسرائيل. فالتحليل السياسي المتماسك يختبر الفرضيات في ضوء الأدلة،
ولا يستبدل تفسيرا أحاديا بآخر.
هل تُضعف شيطنة الخصوم الدولة الوطنية؟
تصل قراءة الجندي إلى استنتاج سياسي يتجاوز
الحالة الخاصة بالإخوان المسلمين، وهو أن تحويل الاختلاف الفكري إلى عداوة وجودية
قد يؤدي إلى إضعاف المجال الوطني، بصرف النظر عن الجهة التي تستفيد من هذا الوضع.
فحين يصبح الخصم السياسي خارجا عن الجماعة
الوطنية في الخطاب العام، تتراجع فرص الحوار، ويزداد الميل إلى تبرير الإقصاء،
ويصعب بناء قواعد مشتركة لإدارة الخلاف. وفي هذه البيئة، قد تتحول المؤسسات
السياسية والإعلامية إلى أدوات لتكريس الاستقطاب، بدلا من أن تكون ساحات للمنافسة
السلمية وتداول الأفكار.
ويرى الجندي أن هذا الوضع يبدد موارد
المجتمعات في صراعات داخلية، ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية
والاستراتيجية، ويحد من فرص بناء سياسات مستقلة تجاه القضايا الإقليمية، وفي
مقدمتها فلسطين.
غير أن استعادة التماسك الوطني لا تتحقق
بمجرد الدعوة إلى المصالحة، ولا بافتراض أن أحد أطراف الصراع يمتلك وحده الحقيقة
أو يمثل المجتمع كله. إنها تتطلب الاعتراف بتعدد الاتجاهات السياسية، ووجود ضمانات
قانونية متساوية، وإتاحة المجال للمحاسبة والنقد، ورفض العنف والإقصاء، والاحتكام
إلى مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف من دون تحويله إلى صراع على حق الآخرين في
الوجود السياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن مساءلة خطاب شيطنة
الإخوان ينبغي أن تقترن أيضا بمساءلة خطابات الإقصاء التي قد تصدر عن الجماعة أو
خصومها، لأن المواطنة لا تستقيم إذا كانت الحماية من الإقصاء حقا لفريق دون آخر.
من قراءة التاريخ إلى بناء التوافق
تكمن القيمة الفكرية لقراءة الجندي في أنها
تطرح سؤالا عن العلاقة بين الصراعات الداخلية وموازين القوى الخارجية، وتدعو إلى
عدم التعامل مع الخطاب السياسي والأمني بوصفه انعكاسا محايدا للوقائع دائما.
فالتصنيفات والصور النمطية قد تؤثر في الرأي العام، وقد تُستخدم لتبرير سياسات
معينة، كما يمكن أن تتحول إلى أدوات لإغلاق المجال أمام الخصوم.
لكن قوة هذه القراءة تظل مرتبطة بمدى دقة
الإسناد التاريخي، وبالقدرة على التمييز بين الوقائع الموثقة والاستنتاجات التي
يبنيها صاحب القراءة عليها. فالكتاب الأكاديمي لا يصبح دليلا على كل أطروحة تُنسب
إليه لمجرد أن مؤلفه استخدم وثائق غربية أو درس مواقف الحكومات الغربية. ويتطلب
الأمر العودة إلى النص الأصلي، وتحديد ما يقوله فرامبتون بالفعل، وما يتركه مفتوحا
للتفسير، وما يضيفه الجندي من استنتاج سياسي.
في المحصلة، لا ينحصر السؤال الذي تطرحه هذه
القراءة في طبيعة العلاقة بين الغرب والإخوان المسلمين، بل يمتد إلى قدرة
المجتمعات العربية على حماية خلافاتها السياسية من التحول إلى صراعات استئصالية.
فالتاريخ لا يقدم ضمانة بأن المصالح الخارجية هي السبب الوحيد في الانقسام، كما لا
يسمح بتجاهل أثر التدخلات والتحالفات الدولية في تشكيل البيئة السياسية.
وبين هذين المستويين، تبرز الحاجة إلى
مقاربة تجمع بين النقد التاريخي والمساءلة السياسية، وتفصل بين الاختلاف المشروع
والعداء الذي ينزع عن الخصم حقوقه، وتضع المواطنة ودولة القانون في أساس أي مشروع
للتوافق الوطني. فالتماسك الداخلي لا يعني إلغاء التعدد، وإنما بناء قواعد تسمح
بإدارته، فيما لا تُصان الاستقلالية الوطنية بمجرد تحديد خصم خارجي، بل أيضا بوجود
مؤسسات ومجتمع قادرين على معالجة خلافاتهم من دون الارتهان لمنطق الكراهية
والاستئصال.