الأقصى في أعين قادة الحركة الإسلامية.. من مركزية فلسطين إلى سؤال الأمة والهوية

حين ننظر إلى ما قاله تسعة من أبرز قادة ومفكري الحركة الإسلامية في العالم العربي عن الأقصى، فإننا نرى، في الحقيقة، انعكاسا لمشاريعهم الفكرية والسياسية.
حين ننظر إلى ما قاله تسعة من أبرز قادة ومفكري الحركة الإسلامية في العالم العربي عن الأقصى، فإننا نرى، في الحقيقة، انعكاسا لمشاريعهم الفكرية والسياسية.
شارك الخبر
لم يكن المسجد الأقصى في الوعي الإسلامي المعاصر مجرد قضية تتصل بمدينة محتلة أو نزاع سياسي على الأرض والحدود، بل ظل، منذ النكبة الفلسطينية وما تلاها من حروب وتحولات، واحدا من أكثر الرموز قدرة على استدعاء أسئلة الدين والهوية والعدالة والكرامة والتحرر. وفي تجربة الحركة الإسلامية العربية، تحديدا، اكتسب الأقصى موقعا يتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، ليصبح جزءا من تصور أوسع عن علاقة المسلم بقضايا أمته، وعن معنى الاحتلال والمقاومة، وعن حدود التضامن الديني والسياسي مع فلسطين.

لكن النظر في مواقف عدد من أبرز قادة ومفكري الحركة الإسلامية في تونس والجزائر والسودان ومصر وسورية والأردن وليبيا وموريتانيا يكشف أن الأقصى لم يكن حاضرا بالطريقة نفسها لدى الجميع؛ فقد حمل عند بعضهم معنى عقديا وروحيا، وعند آخرين عنوانا للتحرر الوطني، أو مقياسا لعلاقة الأمة بقضاياها المركزية، أو مدخلا إلى نقد اختلال موازين القوى العربية والإسلامية. وبين هذه المستويات المختلفة تشكلت صورة مركبة للأقصى في الفكر الإسلامي الحركي.

الغنوشي.. الأقصى بوصفه سؤالا عن ترتيب الأولويات


في التجربة التونسية، ارتبط اسم راشد الغنوشي بفلسطين منذ وقت مبكر، ليس فقط باعتبارها قضية سياسية، وإنما باعتبارها قضية كاشفة عن طريقة تفكير الحركة الإسلامية في ترتيب أولوياتها.

ربما يمكن فهم استمرار الأقصى في قلب الخطاب الإسلامي: ليس لأنه مجرد رمز يجري استدعاؤه كلما اشتد الصراع، وإنما لأنه يضع أمام الفكر الإسلامي سؤالا أكثر صعوبة: كيف يتحول الإيمان بمكان مقدس إلى موقف من الاحتلال، وكيف يتحول الموقف إلى عمل، من دون أن يفقد المكان معناه الديني أو يتحول الإنسان الذي يعيش فيه إلى مجرد تفصيل في خطاب سياسي؟
وفي شهادة عن علاقته بالقضية الفلسطينية، استعيد موقفا للغنوشي يعود إلى مطلع الثمانينيات، حين أثار قرار الاحتلال إعلان القدس عاصمة له نقاشا واسعا في العالم العربي. وقد ذهب الغنوشي، في ذلك السياق، إلى أن المشكلة ليست في إعلان القدس عاصمة للاحتلال فحسب، وإنما في أن فلسطين كلها واقعة تحت الاحتلال، داعيا إلى تجاوز الانفعال بالجزء إلى إدراك طبيعة القضية في كليتها.

وهنا تظهر إحدى السمات الفكرية اللافتة في مقاربة الغنوشي: فلسطين ليست مناسبة موسمية لاستعادة الخطاب الديني، بل اختبار لقدرة المسلم على ترتيب القضايا وفهم العلاقة بين الرمز والأصل. ولذلك بدت القدس عنده أكثر من مدينة؛ إنها نقطة تتقاطع عندها قضية الاحتلال مع سؤال الوعي السياسي للأمة.

ومع تطور مشروعه الفكري من الإسلام الحركي إلى الانخراط في المجال الديمقراطي، ظلت فلسطين حاضرة ضمن تصور أوسع عن العدالة والحرية وحق الشعوب، وإن تغيرت الأدوات السياسية التي يقارب بها القضية. وقد رأت قراءات لتجربته أن أحد جوانب مشروعه تمثل في نقل الإسلام السياسي من منطق الجماعة المغلقة إلى أفق المشاركة السياسية والديمقراطية.

عباسي مدني.. فلسطين في ظل أولوية القضية الجزائرية


أما عباسي مدني، أحد أبرز مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، فتبدو علاقته بفلسطين محكومة إلى حد كبير بالتجربة الجزائرية ذاتها. فقد نشأ الرجل في بيئة وطنية ودينية تشكلت في ظل الاستعمار الفرنسي، وخاض في شبابه تجربة النضال ضد الاستعمار قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أبرز وجوه التيار الإسلامي السياسي الجزائري.

وهذا السياق مهم لفهم موقع فلسطين في تجربته؛ إذ لم يكن عباسي مدني ينتمي إلى تنظيم عابر للحدود بالمعنى التنظيمي للإخوان المسلمين، بل أكد في مقابلة تلفزيونية أنه اختار أن يبقى مرتبطا بالقضية الجزائرية التي كرّس لها حياته، رغم التواصل الذي جرى معه من جانب الحركة.

ومن هنا يمكن قراءة الأقصى في التجربة الجزائرية ضمن مفهوم أوسع للتحرر من الاستعمار، حيث تتقاطع فلسطين مع الذاكرة الجزائرية نفسها: ذاكرة مقاومة الاحتلال، واستعادة السيادة، وربط التحرر الوطني بقيم العدالة والكرامة.

ولعل هذه الزاوية تفسر لماذا كانت فلسطين حاضرة بقوة في المخيال الإسلامي الجزائري، من دون أن يعني ذلك أن كل قادة الحركة الإسلامية الجزائرية صاغوا القضية بالطريقة نفسها أو جعلوها بديلا عن سؤال الجزائر الوطني.

الترابي.. فلسطين في أفق "الأمة" وإعادة تعريف السياسة الإسلامية


مع حسن الترابي، تأخذ المسألة بعدا مختلفا. فقد كان الرجل من أكثر مفكري الحركة الإسلامية العربية انشغالا بإعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة والدولة والأمة، وانتقل من موقع المفكر والمنظر إلى موقع الفاعل السياسي الذي كان له تأثير مباشر في مسار الحكم السوداني.

وكان الترابي جزءا من شبكة أوسع للحركة الإسلامية العابرة للحدود؛ ففي عام 1991 انعقد في الخرطوم المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، الذي جمع شخصيات إسلامية من بلدان متعددة، وكان من بينها راشد الغنوشي وعباسي مدني وعلي بلحاج وغيرهم.

وفي خطاب الترابي الأوسع، كانت فلسطين واحدة من القضايا التي يصعب فصلها عن مفهوم الأمة، غير أن تجربته تطرح سؤالا أكثر تعقيدا: ماذا يحدث حين تنتقل القضية من مجال التضامن والهوية إلى مجال الدولة والسلطة والمصالح الإقليمية؟

هذه المفارقة تجعل قراءة موقف الترابي من الأقصى مختلفة عن قراءة موقف عالم أو داعية بعيد عن السلطة. فالرجل اختبر بنفسه المسافة بين الفكرة والممارسة، وبين الخطاب الإسلامي والسياسة الدولية، وبين مفهوم الأمة ومتطلبات الدولة. ولذلك لا تكفي قراءة مواقفه من فلسطين خارج سياق مشروعه الفكري والسياسي الأشمل.

القرضاوي.. من قداسة المكان إلى فقه الموقف


مع يوسف القرضاوي، يأخذ الأقصى بعدا فقهيا واضحا. فالرجل لم ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد ملف سياسي، بل تناولها في إطار الأحكام الشرعية المتعلقة بالقدس والاحتلال والمقاومة والتطبيع وزيارة المسجد الأقصى.

وفي فتوى منشورة على موقعه، رفض القرضاوي زيارة غير الفلسطينيين للمسجد الأقصى في ظل الاحتلال، معتبرا أن الزيارة في تلك الظروف لا تنفصل عن الوضع السياسي الذي يعيشه المسجد، ومؤكدا أن الموقف من القدس يجب أن يأخذ في الاعتبار واقع الاحتلال.

مع يوسف القرضاوي، يأخذ الأقصى بعدا فقهيا واضحا. فالرجل لم ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد ملف سياسي، بل تناولها في إطار الأحكام الشرعية المتعلقة بالقدس والاحتلال والمقاومة والتطبيع وزيارة المسجد الأقصى.
وهنا يتحول الأقصى من رمز ديني إلى سؤال فقهي: هل تكون الزيارة دعما للمقدسات أم اعترافا ضمنيا بسلطة الاحتلال؟ وهل يمكن فصل العبادة عن السياسة حين يكون المكان نفسه واقعا تحت السيطرة العسكرية؟

هذه الأسئلة جعلت القرضاوي واحدا من أكثر العلماء الذين ربطوا بين البعد الشرعي والبعد السياسي للقضية الفلسطينية، وهو ما ظهر أيضا في حديثه عن الترابي، حين عدّ قضية فلسطين قضية أصلية لا يجوز التهاون فيها، وربط الدفاع عنها بمفهوم أوسع للحرية ورفض الظلم.

البيانوني.. فلسطين في ذاكرة الإخوان السوريين


في التجربة السورية، ارتبطت القضية الفلسطينية بتاريخ جماعة الإخوان المسلمين نفسها. ويشير علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام الأسبق للجماعة، في دراسة نشرها عام 2001، إلى أن الإخوان المسلمين في سورية ارتبطوا منذ تأسيسهم بالقضية الفلسطينية، وأن هذا الارتباط يعود إلى المراحل المبكرة من تاريخ الجماعة.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة؛ لأن فلسطين في التجربة السورية لم تكن قضية خارجية بعيدة، بل كانت جزءا من التكوين السياسي والاجتماعي للحركة الإسلامية، قبل أن تتداخل لاحقا مع قضية الجولان والصراع مع النظام السوري.

ومع مرور الزمن، تطورت رؤية البيانوني نفسه باتجاه التأكيد على الحوار وقبول الآخر والتعايش والمواطنة والدولة المدنية الديمقراطية، وهي عناصر تبرز في قراءته المتأخرة لتجربة الحركة الإسلامية السورية.

وبذلك يصبح الأقصى في التجربة البيانونية جزءا من معادلة أوسع: الدفاع عن فلسطين من جهة، وإعادة التفكير في موقع الإسلاميين داخل الدولة والمجتمع من جهة أخرى. فلا تعود القضية الفلسطينية منفصلة عن أسئلة الحرية والمواطنة والتعددية التي شغلت الرجل في مراحل لاحقة من تجربته.

إسحق الفرحان.. الأقصى من فلسطين إلى التربية والذاكرة


ربما تبدو تجربة إسحق الفرحان مختلفة عن التجارب السابقة؛ فالرجل لم يكن مجرد سياسي أو قيادي إسلامي، بل جمع بين الأكاديمية والتربية والعمل العام والسياسة، وتولى وزارة التربية والتعليم والأوقاف في الأردن، وأسهم في تطوير المناهج التعليمية، كما كان من مؤسسي جبهة العمل الإسلامي.

ومن هنا جاءت علاقته بالقدس والأقصى مرتبطة بصورة واضحة بفكرة التربية على فلسطين. فقد حمل أحد كتبه عنوان "البعد الإسلامي للقدس والقضية الفلسطينية"، كما ترأس ملتقى القدس الثقافي الذي انخرط في فعاليات متعددة حول القدس والمسجد الأقصى.

وفي عام 2012، اتخذ الفرحان موقفا رافضا لزيارة القدس تحت الاحتلال، معتبرا إياها تطبيعا غير مقبول، ومستندا في ذلك إلى الموقف الفقهي الذي تبناه القرضاوي وهيئة علماء المسلمين آنذاك.

لكن الأهم في تجربة الفرحان أن القدس لم تكن عنده مجرد ملف سياسي؛ فقد تعامل معها بوصفها ذاكرة ينبغي نقلها إلى الأجيال، وهو ما يفسر انخراطه في مبادرات ثقافية وتربوية هدفت إلى إبقاء المدينة حاضرة في الوعي الأردني والعربي.

الصلابي.. الأقصى بوصفه تاريخا وعقيدة وذاكرة حضارية


في الحالة الليبية، يمثل علي الصلابي نموذجا يجمع بين المؤرخ والفقيه والفاعل السياسي. وقد خصص الرجل كتابات ودراسات متعددة للمسجد الأقصى، من بينها سلسلة تناولت تاريخه، وكتاباته عن مكانته الدينية والحضارية.

وفي دراسة له عن الأقصى، وصف المسجد بأنه القبلة الأولى ومسرى النبي، وربط الاعتداءات التي يتعرض لها بالسياق التاريخي للصراع على القدس.

وبعد أحداث أكتوبر 2023، ذهب الصلابي في كتاباته إلى قراءة ما جرى في فلسطين ضمن إطار أوسع من مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، كما وجّه رسائل مفتوحة إلى شخصيات دينية وسياسية دولية حول الحرب في غزة.

وفي السنوات الأخيرة، استمر حضوره في ملف الأقصى؛ ففي أغسطس/آب 2025 حذر من الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد ودعا المؤسسات الإسلامية والحكومات العربية والإسلامية والمجتمع الدولي إلى التحرك للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمسجد.

وبذلك تبدو القدس عند الصلابي جزءا من مشروعه التاريخي نفسه: قراءة الماضي الإسلامي، واستحضار رموزه، وربط الذاكرة التاريخية بالصراع السياسي الراهن.

ولد الددو.. الأقصى أمانة دينية عابرة للحدود


وفي موريتانيا، يبرز الشيخ محمد الحسن ولد الددو بوصفه أحد العلماء الذين حافظوا على حضور القضية الفلسطينية في خطابهم الديني.

ففي حديث له حول الأقصى، قدم المسجد باعتباره القبلة الأولى وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وربط مكانته الدينية بمسؤولية المسلمين تجاهه.

ولم يتوقف هذا الخطاب عند الجانب الرمزي؛ ففي سبتمبر/أيلول 2026 دعا الددو إلى نصرة المسجد الأقصى والمرابطين في فلسطين، مؤكدا أن نصرة الأقصى واجب على الأمة.

وتكشف هذه المقاربة عن حضور واضح للبعد الفقهي والعقدي في الخطاب الموريتاني الإسلامي، حيث لا تُقرأ القدس فقط من زاوية السياسة الدولية، وإنما بوصفها أمانة دينية تتجاوز الحدود الوطنية.

الريسوني.. الأقصى بين المقاصد والفقه والسياسة


في التجربة المغربية، يضيف أحمد الريسوني بعدا مختلفا إلى هذه الخريطة؛ فهو عالم في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وشخصية بارزة في الحركة الإسلامية المغربية، كما ترأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بين 2018 و2022.

ومن هذا المدخل، لم يتعامل الريسوني مع القدس باعتبارها قضية رمزية منفصلة عن واقع الاحتلال، بل ربط مكانتها الدينية بمسؤولية المسلمين تجاهها، وبالسياق السياسي الذي تتحرك فيه المواقف المتعلقة بها.

وفي تصريحات صحفية له، أكد الريسوني مركزية القدس في الوعي الإسلامي، واعتبر أن تراجع الاهتمام الشعبي بها لا يعني بالضرورة تراجع مكانتها في الوجدان الإسلامي.

لكن أبرز ما يميز مقاربته هو المنهج المقاصدي. ففي النقاش حول زيارة المسجد الأقصى تحت الاحتلال، لم يكتف الريسوني بالسؤال عن مشروعية الزيارة من الناحية الفقهية المجردة، وإنما طرح سؤال المصلحة والمفسدة: ماذا تعني زيارة تتم بتأشيرة إسرائيلية وتحت رعاية الاحتلال؟ وهل يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية أم تمنح الاحتلال، في المقابل، صورة من صور القبول والاندماج؟

وفي حديث تلفزيوني، رأى أن هذه المسألة تحتاج إلى دراسة جماعية تجمع مختلف الآراء، لكنه أشار إلى أن حصول الزيارة عبر تأشيرة الاحتلال وتحت رعايته يثير إشكالا سياسيا وشرعيا يتعلق بالتطبيع.

في النقاش حول زيارة المسجد الأقصى تحت الاحتلال، لم يكتف الريسوني بالسؤال عن مشروعية الزيارة من الناحية الفقهية المجردة، وإنما طرح سؤال المصلحة والمفسدة: ماذا تعني زيارة تتم بتأشيرة إسرائيلية وتحت رعاية الاحتلال؟ وهل يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية أم تمنح الاحتلال، في المقابل، صورة من صور القبول والاندماج؟
ومع مرور الوقت، أصبح موقفه من التطبيع أكثر صراحة؛ ففي 2018 قال إن التطبيع مع الاحتلال لا يمكن قبوله، واعتبره دعما للاحتلال والعدوان، كما انتقد عام 2020 اتفاقات التطبيع التي أبرمتها الإمارات والبحرين مع إسرائيل.

وهنا تبرز خصوصية الريسوني: فالأقصى عنده ليس مجرد رمز يحتاج إلى خطاب تعبوي، وإنما مجال لاختبار أدوات الفقه المقاصدي نفسه.

ماذا تعني المصلحة حين يكون المكان محتلا؟ ومتى تتحول الزيارة إلى دعم للصمود، ومتى تتحول إلى تطبيع؟ وكيف يوازن الفقيه بين العبادة والسياق السياسي؟

إن هذه الأسئلة تجعل تجربة الريسوني إضافة ضرورية إلى أي قراءة في حضور القدس داخل الفكر الإسلامي المغربي.

تسعة رجال.. وتسع زوايا للأقصى


حين توضع هذه التجارب جنبا إلى جنب، يصبح من الصعب الحديث عن "رؤية إسلامية واحدة" للأقصى.

فالغنوشي ينظر إلى القدس من زاوية الوعي السياسي والصراع على السيادة؛ وعباسي مدني يحمل القضية ضمن ذاكرة التحرر الوطني الجزائرية؛ بينما يدخل الترابي بها إلى فضاء مفهوم الأمة وعلاقة الحركات الإسلامية بالدولة.

أما القرضاوي فيجعل الأقصى موضوعا فقهيا يتصل بالاحتلال والتطبيع والزيارة، في حين تكشف تجربة البيانوني عن ارتباط فلسطين بالذاكرة السياسية السورية.

ويمنح الفرحان القدس بعدا تربويا وثقافيا، بينما يضعها الصلابي في قلب التاريخ الإسلامي والذاكرة الحضارية. وفي خطاب ولد الددو تتحول إلى أمانة شرعية تتجاوز الحدود، فيما يقدم الريسوني قراءة مقاصدية تسأل عن المصلحة والمفسدة وعن حدود العلاقة بين المقدس والسياسة.

وهذه الاختلافات ليست تفصيلا ثانويا؛ فهي تكشف أن الحركة الإسلامية نفسها لم تكن كتلة فكرية واحدة، حتى حين اجتمعت حول مركزية فلسطين.

فقد اختلفت التجارب بحسب البيئة السياسية والاجتماعية، وبحسب موقع كل قائد بين الدعوة والحزب والدولة والمعارضة والمنفى والعمل الأكاديمي. كما اختلفت الأدوات: فهناك من جعل فلسطين قضية تحرر، ومن جعلها قضية فقه، ومن جعلها قضية ذاكرة، ومن جعلها قضية تربية، ومن قرأها باعتبارها جزءا من مشروع الأمة.

من المسجد إلى المجتمع.. كيف تحول الأقصى إلى فكرة؟


ولعل أهم ما تكشفه هذه التجارب أن الأقصى لم يبق في الخطاب الإسلامي مجرد مسجد. لقد تحول إلى فكرة سياسية عند بعضهم، وإلى مسألة فقهية عند آخرين، وإلى ذاكرة وطنية لدى فريق ثالث، وإلى مشروع تربوي وثقافي عند آخرين.

ففي تجربة الفرحان، يصبح السؤال: كيف نحافظ على القدس في وعي الطفل والطالب؟ وفي تجربة القرضاوي والريسوني: كيف يتصرف المسلم تجاه مقدس تحت الاحتلال من دون أن يتحول الفعل الديني نفسه إلى اعتراف بالاحتلال؟ وفي تجربة الغنوشي: كيف تبقى فلسطين قضية حرية وعدالة في ظل التحولات السياسية؟ وفي تجربة الترابي: كيف تتعامل الحركات الإسلامية مع قضية الأمة حين تصبح في مواجهة الدولة ومصالحها؟ وفي تجربة البيانوني: كيف تتداخل فلسطين مع الذاكرة الوطنية السورية؟

أما عند الصلابي، فالسؤال يصبح: كيف يستخدم التاريخ في إعادة بناء الوعي بالحاضر؟ بينما يختصر ولد الددو جانبا من المسألة في مفهوم الأمانة؛ فالمكان البعيد جغرافيا يظل قريبا دينيا ووجدانيا.

من فلسطين إلى سؤال الإنسان


وثمة خيط آخر يجمع بين هذه التجارب، وإن اختلفت لغاتها: وهو أن قضية الأقصى لم تكن، في أغلب هذه القراءات، منفصلة عن قضية الفلسطيني نفسه. فالمقدس لا يعيش في الفراغ؛ هناك بشر يسكنون المكان، ويواجهون الاحتلال، ويحاولون الحفاظ على وجودهم وذاكرتهم.

وهنا تبدو أهمية الانتقال من الحديث عن الأقصى باعتباره "رمزا" إلى الحديث عنه باعتباره مكانا حيا، يعيش فيه الإنسان الفلسطيني ويقاوم فيه محاولات اقتلاع هويته. وهذا البعد حاضر بصورة خاصة في المقاربات التي تربط بين القدس والعدالة؛ فالقدس ليست مجرد مبنى يمكن الدفاع عنه، وإنما مدينة ومجتمع وذاكرة وحقوق.

ولذلك فإن الدفاع عن الأقصى، في هذه القراءات، لا ينفصل عن الدفاع عن حق الفلسطينيين في الوجود والحرية والكرامة.

الأقصى مرآة للحركة الإسلامية


ربما تكمن أهمية هذه المقارنة في أنها تكشف شيئا يتجاوز فلسطين نفسها. فحين ننظر إلى ما قاله تسعة من أبرز قادة ومفكري الحركة الإسلامية في العالم العربي عن الأقصى، فإننا نرى، في الحقيقة، انعكاسا لمشاريعهم الفكرية والسياسية.

الغنوشي يمثل سؤال النهضة والديمقراطية، والريسوني سؤال المقاصد والفقه، وعباسي مدني سؤال التحرر الوطني، والترابي سؤال الأمة والدولة، والقرضاوي سؤال الفقه والتعبئة، والبيانوني سؤال فلسطين والهوية السورية، والفرحان سؤال التربية والذاكرة، والصلابي سؤال التاريخ والعقيدة، والددو سؤال الأمانة الشرعية.

ومن هنا، فإن الأقصى لم يكن موضوعا هامشيا في الفكر الإسلامي المعاصر، وإنما كان في كثير من الأحيان مرآة تكشف طريقة فهم الإسلاميين لأنفسهم وللعالم.

ففيه اجتمعت أسئلة الدين والسياسة، والهوية والتحرر، والذاكرة والتاريخ، والفقه والمصلحة، والمقدس والواقع. ولهذا بقيت القدس حاضرة، رغم اختلاف الأزمنة والبلدان والتجارب، لأنها لا تقدم سؤالا واحدا يمكن إغلاقه بإجابة واحدة. إنها مسجد وقضية، ومكان وذاكرة، ورمز سياسي وديني، لكنها قبل ذلك كله اختبار دائم لعلاقة الفكرة بالفعل.

ومن هنا ربما يمكن فهم استمرار الأقصى في قلب الخطاب الإسلامي: ليس لأنه مجرد رمز يجري استدعاؤه كلما اشتد الصراع، وإنما لأنه يضع أمام الفكر الإسلامي سؤالا أكثر صعوبة: كيف يتحول الإيمان بمكان مقدس إلى موقف من الاحتلال، وكيف يتحول الموقف إلى عمل، من دون أن يفقد المكان معناه الديني أو يتحول الإنسان الذي يعيش فيه إلى مجرد تفصيل في خطاب سياسي؟

وبين هذه الأسئلة، تتعدد وجوه الأقصى في أعين قادة الحركة الإسلامية؛ لكن تعددها لا يلغي مركزية القضية، بل يكشف عمقها واتساعها، ويظهر أن المسجد الذي بقي حاضرا في الوجدان الإسلامي لعقود لم يكن مجرد عنوان لفلسطين، وإنما كان أيضا عنوانا لصراع طويل حول الهوية والحرية والذاكرة والعدالة وموقع الدين في مواجهة واقع الاحتلال.
التعليقات (0)