من ثقافة الانسحاب إلى ثقافة الفعل.. في معنى المشاركة السياسية

إن الانتخابات ليست امتحانا للأحزاب وحدها، وإنما هي امتحان للثقافة السياسية للمجتمع أيضا، ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد الذهاب إلى الصندوق، ولكن تنمية الوعي لدى مواطن سياسي يفهم ويختار وينتقد ويراقب وينظم..
إن الانتخابات ليست امتحانا للأحزاب وحدها، وإنما هي امتحان للثقافة السياسية للمجتمع أيضا، ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد الذهاب إلى الصندوق، ولكن تنمية الوعي لدى مواطن سياسي يفهم ويختار وينتقد ويراقب وينظم..
شارك الخبر
يعيش المغرب على إيقاع الحملة الانتخابية الممهدة للانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها يوم 23 شتنبر الجاري. وفي كل استحقاق انتخابي يتجدد النقاش حول جدلية المشاركة والمقاطعة في النظام السياسي المغربي وأيهما أكثر فعالية لخدمة فكرة الإصلاح.

والحقيقة أن المشاركة الانتخابية ليست مجرد وضع ورقة في صندوق، كما أن المقاطعة ليست مجرد عدم الذهاب إلى مكتب التصويت، فكلاهما تعبير عن موقف من الدولة والمؤسسات والأحزاب وموقع المواطن في عملية الإصلاح.

لذلك، فإن النقاش حول المشاركة والمقاطعة ينبغي ألا يحصر في جدوى التصويت من عدمها، وإنما ينبغي أن يمتد إلى سؤال الثقافة السياسية التي تؤطر السلوك السياسي لكلا الاختيارين.
الثقافة هي التي تصنع سلوكنا السياسي..

الثقافة ليست مجرد معرفة ومعلومات، وإنما هي، كما يعبر عن ذلك مالك بن نبي رحمه الله، منظومة من القيم والتصورات التي تؤثر في سلوك الإنسان وفي قدرته على الاندماج الفاعل في عملية البناء الاجتماعي والحضاري. وهذا مهم في فهم المشاركة السياسية، فالمواطن لا يذهب إلى صندوق الاقتراع فقط لأنه يمارس حقه في التصويت، وإنما لأنه يحمل تصورا معينا عن السياسة والدولة والإصلاح.

الثقافة ليست مجرد معرفة ومعلومات، وإنما هي، كما يعبر عن ذلك مالك بن نبي رحمه الله، منظومة من القيم والتصورات التي تؤثر في سلوك الإنسان وفي قدرته على الاندماج الفاعل في عملية البناء الاجتماعي والحضاري. وهذا مهم في فهم المشاركة السياسية، فالمواطن لا يذهب إلى صندوق الاقتراع فقط لأنه يمارس حقه في التصويت، وإنما لأنه يحمل تصورا معينا عن السياسة والدولة والإصلاح.
وهنا يسمح لنا عبد الوهاب المسيري بتجاوز التفسيرات المادية والآلية للسلوك السياسي، فالإنسان لا يتحرك وفق حساب المصلحة وحده، وإنما داخل منظومة من القيم والمعاني والتصورات، وهو ما يحيل على سؤال: كيف يفهم المواطن السياسة وكيف يتصورها؟

فالمواطن الذي يرى السياسة شأنا عاما يختلف عن الذي يعتبرها مجالا خاصا بالنخب السياسية، والذي يرى في الدولة فضاء للمواطنة يختلف عن الذي ينظر إليها باعتبارها جهازا بعيدا عنه، ومن يؤمن بإمكان التغيير التدريجي يختلف عن الذي استقر في وعيه أن "لا شيء يتغير".

ومن هنا، فإن المشاركة والمقاطعة ليستا مجرد خيارين انتخابيين، بل هما انعكاس لثقافة سياسية معينة.

وفي أدبيات الثقافة السياسية، خصوصا عند غابرييل ألموند، ترتبط الثقافة السياسية بالاتجاهات والمواقف التي يحملها المواطنون تجاه النظام السياسي ومؤسساته وأدوارهم داخله.

وقد بلور ألموند هذا الطرح في نموذج تصنيفي ثلاثي أصبح مرجعا كلاسيكيا في حقل الثقافة السياسية المقارنة، يميز فيه بين ثقافة محلية ضيقة ينعدم فيها وعي المواطن بالنظام السياسي ككل ويقتصر أفقه على المجال المحلي، وثقافة الخضوع التي يعي فيها المواطن وجود السلطة ويتفاعل مع مخرجاتها (خدمات، قرارات) دون أن يشعر بقدرته على التأثير في مدخلاتها، وثقافة المشاركة التي يرى فيها المواطن نفسه فاعلا في صنع القرار لا مجرد متلق له.

والمفيد في هذا النموذج أنه لا يفترض وجود نمط واحد في أي مجتمع، بل مزيجا متفاوت النسب من الأنماط الثلاثة..

وقياسا على الحالة المغربية، يمكن القول إن المجال السياسي الوطني يجمع اليوم بين بقايا ثقافة خضوع تقليدية في علاقة جزء من المواطنين بمؤسسات الوساطة، وثقافة مشاركة صاعدة لدى فئات حضرية وشابة أكثر تعلما واتصالا بالفضاء الرقمي، وثقافة محلية لا تزال حاضرة في بعض الهوامش القروية. وهذا المزيج غير المتجانس هو ما يجعل الحديث عن "ثقافة سياسية مغربية واحدة" أمرا إشكاليا..

فالشاب الذي يناقش السياسة يوميا في المنصات الرقمية، وينتقد المؤسسات والأحزاب، ليس بالضرورة مواطنا غير سياسي لمجرد أنه لا يذهب إلى صندوق الاقتراع، وقد يكون شديد الاهتمام بالسياسة، لكنه فقد الثقة في بعض قنوات الوساطة التقليدية.

إننا، ربما، أمام تحول في شكل المشاركة أكثر من كوننا أمام موت المشاركة.

مجتمع مركب وثقافة سياسية متعددة..

كما قلت سابقا، يصعب الحديث عن "ثقافة سياسية مغربية" واحدة ومتجانسة، وهنا تظل أطروحة بول باسكون حول "المجتمع المركب" ذات قيمة تفسيرية، لأن المجتمع المغربي يجمع بين التقليدي والحديث، الحضري والقروي، المحلي والوطني، الرسمي وغير الرسمي، الواقعي والرقمي.

لذلك فالمشاركة نفسها ليست واحدة: هناك مشاركة واعية، ومشاركة زبونية، وأخرى قد تتأثر بشبكات القرابة والمصلحة والوجاهة المحلية. وبالمقابل، هناك مقاطعة احتجاجية واعية، ومقاطعة ناتجة عن فقدان الثقة، وأخرى تعكس اللامبالاة.

وهذا يعني أن رقم المشاركة، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده للحكم على مستوى الوعي السياسي للمجتمع.

وفي الوقت الذي أصبح فيه المجال السياسي أكثر رقمية، ما تزال أنماط من الوساطة التقليدية حاضرة في أجزاء من المجتمع، خصوصا في العالم القروي وهوامش المدن. وهنا يمكن استحضار أعمال ريمي لوفو(الفلاح المغربي المدافع عن العرش)  لفهم بعض أشكال العلاقة بين الدولة والنخب المحلية، مع الحذر من تحويلها إلى صورة نمطية عن العالم القروي.

إنها، مرة أخرى، مفارقة المجتمع المركب: سياسة وطنية تتجه نحو الرقمنة، وسلوك انتخابي ما تزال بعض جوانبه محكومة بعلاقات اجتماعية ومحلية.

ومن جهة أخرى، تبرز فكرة المقاطعة كسلوك يحتاج إلى تفسير دقيق لا يتحمل بعض التعميمات البسيطة.

المقاطعة سلوك مشروع لكنها ليست تعبيرا عن مشروع سياسي..

من الضروري هنا التمييز بين حق المواطن في المقاطعة وبين تحويل المقاطعة إلى مشروع سياسي. فالمقاطعة حق شخصي لكل مواطن، ويمكن لأي مواطن أن يختار عدم المشاركة لأي سبب من الأسباب. وليس من حق أحد أن يصادر هذا الاختيار أو يشكك في وطنية صاحبه.

ينطلق منطق المقاطعة من الاحتجاج على قواعد اللعبة، وهذا الفعل الاحتجاجي يعتقد أن الانتخابات لا توفر إمكانية حقيقية للتأثير، وبالتالي فإن المقاطعة تحمل رسالة سياسية معينة، وهي أن الأمر لا يتعلق برفض السياسة، وإنما برفض هذه الطريقة في ممارسة السياسة، ومن هذه الزاوية تصبح المقاطعة وسيلة ضغط.

إنها محاولة لتحويل الامتناع عن التصويت إلى رسالة سياسية تدفع النظام السياسي إلى مراجعة قواعد اللعبة. لكن المقاطعة تواجه مشكلة أساسية وهي: من يملك القدرة على تحويل المقاطعة إلى قوة تفاوضية؟

فإذا لم توجد قيادة أو حركة اجتماعية أو مشروع سياسي قادر على ترجمة المقاطعة إلى مطالب منظمة، فقد تتحول المقاطعة من أداة ضغط إلى مجرد انسحاب، وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في أطروحة المقاطعة.

كما ينبغي الحذر من اعتبار كل من لا يشارك في العملية الانتخابية هو يمارس موقفا واعيا، فهناك مقاطعة احتجاجية واعية، وهناك مقاطعة ناتجة عن فقدان الثقة، وأخرى تعكس اللامبالاة وعدم الاهتمام.

إن بعض أطروحات المقاطعة، تنظر إلى المجال السياسي من زاوية العلاقة بين المواطن والسلطة فقط، وتغفل البعد المجتمعي، فالمشكلة السياسية ليست دائما في السلطة وحدها، فهناك أيضا ضعف الوعي السياسي المجتمعي وهناك ضعف الثقافة الديمقراطية بما فيها داخل التنظيمات السياسية نفسها التي تدعو للمقاطعة، وهناك ضعف النقاش العمومي وتراجع الثقة في العمل الجماعي، وهشاشة المشاركة المدنية عموما.

إن الانتخابات ليست امتحانا للأحزاب وحدها، وإنما هي امتحان للثقافة السياسية للمجتمع أيضا، ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد الذهاب إلى الصندوق، ولكن تنمية الوعي لدى مواطن سياسي يفهم ويختار وينتقد ويراقب وينظم، ويحتج حين يلزم، ويشارك حين تكون المشاركة هي الأداة الأكثر قدرة على التأثير.
ولذلك، فإن القول بأن المشكلة كلها تكمن في "قواعد اللعبة" هو اختزال كبير.. صحيح أن العملية السياسية تحتاج إلى إصلاح، ولكن المجتمع الذي يمارس هذه العملية يحتاج بدوره إلى إصلاح ثقافي وسياسي.

لكن انتقاد منطق المقاطعة هل يعني بأن المشاركة الانتخابية هي الحل السحري لمشاكل الدولة والمجتمع؟

المشاركة الانتخابية ليست هي عصا موسى..

إن الدفاع عن المشاركة لا يعني، في المقابل، أن المشاركة هي عصا موسى التي ستحل جميع مشاكل السياسة المغربية.

المشاركة الانتخابية لا تمنح الأحزاب شيكا على بياض، بل إن المشاركة التي تتحرك داخل شبكات الزبونية والمصالح الضيقة، قد تعيد إنتاج الأعطاب نفسها، بل إنها حولت عددا من الأحزاب إلى "كارتيلات" لتبادل المنافع وتضارب المصالح..

لكن مع ذلك، فإن المشاركة تظل هي الخيار الممكن والمنتج والفعال في حدود.

إنها تتيح للمواطن أن يبقى داخل المجال الذي تتخذ فيه القرارات، وأن يختار ويؤثر ويراقب ويغير.  إنها تعبير عن استراتيجية تراكمية تراهن على الزمن وتغير النخب وموازين القوى وتطور المجتمع.

إن الرهان الحقيقي هو على المشاركة الواعية والنقدية التي لا تتخلى عن حقها في الفعل، ولا تتنازل عن حقها في النقد. كما أن المشاركة ليست وعدا بأن كل شيء سيتغير، وإنما هي رفض لأن يقرر الآخرون كل شيء في غيابنا.

والخلاصة:

إن الانتخابات ليست امتحانا للأحزاب وحدها، وإنما هي امتحان للثقافة السياسية للمجتمع أيضا، ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد الذهاب إلى الصندوق، ولكن تنمية الوعي لدى مواطن سياسي يفهم ويختار وينتقد ويراقب وينظم، ويحتج حين يلزم، ويشارك حين تكون المشاركة هي الأداة الأكثر قدرة على التأثير.

إن المعركة الحقيقية، هي بين ثقافة الانسحاب وثقافة الفعل، وإذا كان البعض يعتقد بأن المشاركة لا تضمن الإصلاح، فإن المقاطعة لا تضمنه أيضا. لكن هناك فرق كبير بين خيار ينتظر تغييرا "فجائيا" في موازين القوى القائمة، وبين خيار يبقي المواطن داخل مجال الفعل السياسي ويشتبك مع هموم الناس من داخل المؤسسات، وهو ما يجعل المشاركة، رغم عوائقها ومحدوديتها، هي الخيار الممكن والمنتج والفعال في حدود معينة، وهي أفضل بكثير من الانتظارية القاتلة المؤدية إلى المجهول.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم