لماذا لم يصبح المغرب ولاية عثمانية؟ تفكيك أطروحة بهاء الأمير

تنبع أهمية "الدولة العثمانية والمغرب" من أنه يعيد طرح مسألة كثيرًا ما تُختزل في سؤال الانتماء: لماذا كان المغرب خارج السلطنة العثمانية، بينما أصبحت الجزائر جزءًا منها؟
تنبع أهمية "الدولة العثمانية والمغرب" من أنه يعيد طرح مسألة كثيرًا ما تُختزل في سؤال الانتماء: لماذا كان المغرب خارج السلطنة العثمانية، بينما أصبحت الجزائر جزءًا منها؟
شارك الخبر
بين سؤال الوحدة الإسلامية وإشكالية السيادة المغربية، يفتح كتاب "الدولة العثمانية والمغرب" بابًا لمراجعة واحدة من أكثر قضايا تاريخ المغرب الحديث إثارةً للجدل: لماذا انتهت تجربة الامتداد العثماني في شمال إفريقيا إلى الجزائر، بينما احتفظ المغرب الأقصى باستقلاله السياسي؟ لكن قيمة هذا السؤال لا تتحدد بالإجابة عنه وحدها، بل أيضًا بالمفاهيم التي نستخدمها في تفسيره، وبقدرتنا على التمييز بين الوقائع التاريخية والأحكام السياسية التي تُسقط عليها.

ليس التاريخ العثماني في المغرب العربي مجرد حكاية عن إمبراطورية توسعت في أقاليم إسلامية، ولا تاريخًا لصراع حدودي بين سلطات متجاورة. إنه، في جانب مهم منه، تاريخ تداخلت فيه اعتبارات الشرعية الدينية، ومصالح الدول، والتنافس على الموانئ والطرق التجارية، ومقاومة التوسع الأوروبي، وصعود الأسر الحاكمة، وتعدد تصورات السلطة داخل المجال الإسلامي نفسه.

ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الذي يحمل عنوان "الدولة العثمانية والمغرب" للدكتور بهاء الأمير. فالنص المتاح منه يتخذ سؤال عدم دخول المغرب الأقصى في الدولة العثمانية منطلقًا لتفسير العلاقة بين الطرفين، ويعرض تصورًا يرى في الدولة العثمانية قوةً جامعة للعالم الإسلامي، ويقرأ مسار الجزائر والمغرب في ضوء اختلاف الظروف السياسية والحكام والخيارات الاستراتيجية. غير أن هذه الأطروحة، على ما تنطوي عليه من إثارة لأسئلة تاريخية مشروعة، تستدعي مناقشة تتجاوز قبول نتائجها إلى فحص مقدماتها وطريقة بنائها.

من سؤال تاريخي إلى أطروحة سياسية

ينطلق الكتاب من سؤال يبدو بسيطًا: لماذا دخلت الجزائر في المجال السياسي العثماني، بينما بقي المغرب الأقصى خارج سلطته المباشرة؟

لكن هذا السؤال، في حقيقته، يتصل بإشكالية أوسع: هل كان الامتداد العثماني تعبيرًا عن مشروع لتوحيد المجال الإسلامي، أم أنه كان، في الوقت نفسه، توسعًا لدولة إمبراطورية تسعى إلى حماية حدودها ومصالحها وموقعها في ميزان القوى؟

لا يلزم أن تكون الإجابة إحدى الفكرتين دون الأخرى. فالدول التاريخية لا تتحرك عادةً بدافع واحد، كما أن الشعارات الدينية والاعتبارات الاستراتيجية لم تكن بالضرورة متعارضة في وعي الفاعلين السياسيين. وقد تتلاقى المصلحة الإمبراطورية مع أهداف دينية معلنة، فيما تؤدي المنافسة على السلطة إلى صراعات بين حكام ينتسبون إلى المجال الحضاري نفسه.

ليس التاريخ العثماني في المغرب العربي مجرد حكاية عن إمبراطورية توسعت في أقاليم إسلامية، ولا تاريخًا لصراع حدودي بين سلطات متجاورة. إنه، في جانب مهم منه، تاريخ تداخلت فيه اعتبارات الشرعية الدينية، ومصالح الدول، والتنافس على الموانئ والطرق التجارية، ومقاومة التوسع الأوروبي، وصعود الأسر الحاكمة، وتعدد تصورات السلطة داخل المجال الإسلامي نفسه.
ومن هنا فإن التفسير التاريخي الأكثر إقناعًا هو الذي لا يختزل الدولة العثمانية في صورة مشروع وحدوي منزّه عن المصالح، ولا يحصرها في صورة قوة توسعية لا تحكمها إلا اعتبارات السيطرة. بل يدرس كيف تفاعلت الشرعية الدينية مع مقتضيات الحكم، وكيف أثرت الجغرافيا والحرب والدبلوماسية في القرارات التي اتخذتها السلطة العثمانية وحكام المغرب.

إن قوة السؤال الذي يطرحه الكتاب تكمن في أنه يلفت النظر إلى مسار تاريخي مختلف داخل شمال إفريقيا. أما قوة الإجابة فتتوقف على قدرتها على تفسير هذا الاختلاف بأدوات تاريخية قابلة للفحص، لا بالاكتفاء بتقابل أخلاقي بين الوحدة والتفرق.

الجزائر والمغرب.. اختلاف المسارات لا يعني اختلاف الانتماء

يمنح التباين بين الجزائر والمغرب مدخلًا مهمًا لفهم التاريخ السياسي لشمال إفريقيا في القرن السادس عشر. غير أن هذا التباين يحتاج إلى وضعه في سياقه؛ فالجزائر لم تنتقل إلى السلطة العثمانية نتيجة قرار صادر من إسطنبول وحدها، وإنما تشكل ارتباطها بالعثمانيين عبر مسار تداخلت فيه مقاومة الوجود الإسباني، وصعود القوة البحرية للأخوين عروج وخير الدين بربروس، والتحالفات المحلية، وطلب الحماية العسكرية، ثم تثبيت الارتباط السياسي والإداري بالدولة العثمانية.

أما المغرب الأقصى، فقد عرف في الفترة نفسها انتقالات سياسية وصراعات داخلية، وانهيار الحكم الوطاسي، وصعود الدولة السعدية، ومواجهات مع القوى الأوروبية، فضلًا عن تنافسه مع العثمانيين على النفوذ في المناطق الشرقية من البلاد وفي غرب الجزائر.

ولا يمكن فهم هذه المسارات بمعزل عن خصوصية المجال المغربي، الذي امتلك تقاليد سلطانية ومؤسسات شرعية وروابط سياسية محلية، ولم يكن مجرد فراغ ينتظر قوة خارجية لملئه. كما أن صعود السعديين ارتبط بظروف داخلية، من بينها التعبئة ضد الوجود البرتغالي، وبناء سلطة جديدة استطاعت توحيد أجزاء واسعة من المغرب.

ومن ثم، فإن الفرق بين المسارين الجزائري والمغربي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دليلًا على أن أحدهما اختار الوحدة، بينما اختار الآخر الانفصال عنها. فهذه صياغة تجعل النتيجة التاريخية حكمًا أخلاقيًا على الفاعلين، وتغفل أن كل تجربة نشأت ضمن توازنات خاصة، وأن مفهوم الوحدة نفسه لم يكن منفصلًا عن سؤال من يحكم، وبأي شرعية، وتحت أي شروط.

لقد كانت الجزائر مجالًا تبلور فيه ارتباط سياسي عثماني طويل الأمد، بينما حافظ المغرب على استقلال سلطته السلطانية. وهذه حقيقة تاريخية لا تستلزم، في ذاتها، ترتيب التجربتين في سلم أخلاقي أو حضاري.

هل كان الانضمام إلى الدولة العثمانية وحدةً أم خضوعًا؟

تتوقف جوانب أساسية من أطروحة الكتاب على التمييز بين التوسع العثماني والاستعمار الأوروبي. ففي النص المتاح، يدافع المؤلف عن فكرة أن ضم الأقاليم إلى الدول الإسلامية الكبرى لم يكن احتلالًا أو استعمارًا بالمعنى الذي ينسبه إلى التوسع الغربي، ويستند في ذلك إلى طبيعة الولاء السياسي والإدارة المحلية واستمرار بعض المؤسسات والتقاليد.

لكن هذه المسألة تحتاج إلى تفكيك مفاهيمي. فالتوسع الإمبراطوري لا يُفهم بمجرد مقارنته بتجارب استعمارية أخرى، كما أن اختلاف أشكال السيطرة لا يعني غياب علاقات القوة أو تفاوت السيادة.

صحيح أن الدولة العثمانية لم تكن نسخة مطابقة من الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية الحديثة، وأن أشكال الحكم والارتباط بها تفاوتت من إقليم إلى آخر. غير أن ذلك لا يكفي لإعفاء التجربة العثمانية من الدراسة النقدية، ولا يجعل كل توسع عسكري لها فعلًا وحدويًا بالضرورة.

فالتاريخ يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات: اللغة التي تبرر بها السلطة فعلها، والمؤسسات التي تنظم بها حكمها، والتجربة الفعلية للسكان والفاعلين المحليين. وقد تتقاطع هذه المستويات، لكنها لا تتطابق دائمًا.

كذلك فإن استمرار المؤسسات المحلية لا ينفي تلقائيًا وجود علاقة تبعية سياسية، مثلما أن الخضوع السياسي لا يعني بالضرورة إلغاء كل خصوصية اجتماعية أو ثقافية. لذلك لا يصح حسم مسألة الاستعمار أو الوحدة استنادًا إلى تسمية واحدة، بل ينبغي دراسة طبيعة السلطة، وحدود استقلال الحكام المحليين، وآليات تحصيل الموارد، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وموقع السكان في هذه البنية.

ومن هنا تبدو المقارنة بين التجربتين العثمانية والأوروبية مفيدة حين تكشف اختلاف النظم وآليات السيطرة، لكنها تصبح أقل دقة حين تتحول إلى مقابلة مطلقة بين توسع مشروع وتوسع غير مشروع.

السعديون والعثمانيون.. صراع الشرعية والمصلحة

تحتل العلاقة بين الدولة السعدية والدولة العثمانية مكانًا أساسيًا في تفسير عدم اندماج المغرب في المجال العثماني. فقد تنافست الدولتان على النفوذ في شمال إفريقيا، وبرزت بينهما خلافات حول الشرعية السياسية، كما تداخل الصراع مع التحالفات المحلية ومواجهة القوى الأوروبية.

ويشير النص المتاح من الكتاب إلى أن الدولة السعدية لم تكن مجرد سلطة محلية تنتظر الانضمام إلى قوة أكبر، بل امتلكت مشروعًا سلطانيًا مستقلًا، واستندت إلى شرعية نسبية ودينية، وسعت إلى تثبيت نفوذها في المغرب وفي المناطق المجاورة. كما يتناول الكتاب صدامات عسكرية وتحالفات مع قوى أوروبية ضمن سياق هذا التنافس.

غير أن تحليل هذه الوقائع يستدعي الحذر من تحويل الخلاف بين الدولتين إلى مواجهة بين طرف يمثل وحدة المسلمين وطرف يمثل تفككهم. فالسلطة السعدية كانت تتحرك في إطار مصالحها السياسية والأمنية، مثلما كانت الدولة العثمانية تسعى إلى حماية نفوذها وتوسيع مجالها الاستراتيجي. ولم تكن الشرعية الدينية وحدها كافية لتفسير خيارات أي منهما.

إن استدعاء النسب الشريف، أو الخلاف حول شرعية الخلافة، أو التحالف مع قوة أوروبية، لا يكتسب معناه التاريخي الكامل إلا إذا وُضع ضمن شبكة المصالح والضغوط التي واجهها الحكام في زمانهم. فالتحالفات لم تكن دائمًا تعبيرًا عن تطابق حضاري أو عداء ديني، بل كانت أدوات في صراع سياسي متغير، وقد تُعقد لأسباب دفاعية أو هجومية أو تفاوضية.

ولا يعني ذلك التسوية بين جميع الخيارات أو تجاهل نتائجها، بل يعني أن الحكم عليها ينبغي أن يأتي بعد فهم دوافعها وسياقاتها، لا قبل ذلك. فالمؤرخ لا يكتفي بالسؤال عما إذا كان الحاكم قد تحالف مع هذه القوة أو تلك؛ بل يسأل أيضًا: ما البدائل التي كانت متاحة؟ وما التكاليف التي حاول تجنبها؟ وما النتائج التي ترتبت على قراره؟

بهذا المعنى، لا يعود صراع السعديين والعثمانيين مجرد دليل على فشل الوحدة، وإنما يصبح مدخلًا لفهم تعدد مراكز السلطة داخل المجال الإسلامي، وتنافسها على الشرعية والمجال والنفوذ.

الجغرافيا والسيادة.. لماذا لم يكن المغرب امتدادًا طبيعيًا للجزائر؟

من أبرز المسائل التي تستحق التوسع في مناقشتها دور الجغرافيا في تشكيل العلاقة بين الطرفين. فالمغرب الأقصى كان بعيدًا عن مركز القرار العثماني في إسطنبول، لكنه لم يكن بعيدًا بالمعنى الجغرافي وحده؛ فقد كانت له بنيته السياسية الخاصة، ومراكز حكمه، وموارده، وشبكات الولاء التي ساعدت على استمرار استقلاله.

تحتل العلاقة بين الدولة السعدية والدولة العثمانية مكانًا أساسيًا في تفسير عدم اندماج المغرب في المجال العثماني. فقد تنافست الدولتان على النفوذ في شمال إفريقيا، وبرزت بينهما خلافات حول الشرعية السياسية، كما تداخل الصراع مع التحالفات المحلية ومواجهة القوى الأوروبية.
ولا تكفي المسافة وحدها لتفسير هذا الاستقلال، لكنها تصبح ذات معنى حين تقترن بقوة السلطة المحلية، وقدرتها على التعبئة، وبطبيعة التوازنات العسكرية والبحرية في غرب المتوسط، وبالانشغال العثماني بجبهات أخرى.

كما أن الجزائر والمغرب لم يكونا مجرد منطقتين متجاورتين تنتظر إحداهما أن تلحق بالأخرى. فالعلاقة بينهما تشكلت داخل فضاء إقليمي عرف تداخلًا بين المنافسة والتعاون، ولم تكن الحدود السياسية فيه مطابقة دائمًا للحدود الثقافية أو الدينية.

ومن المهم هنا تجنب إسقاط مفهوم الدولة القومية الحديثة على القرن السادس عشر؛ فمفاهيم السيادة والولاء والانتماء السياسي كانت تعمل آنذاك ضمن أطر مختلفة، تتداخل فيها شرعية السلطان، والبيعة، والعلاقات المحلية، والتحالفات العسكرية، والمكانة الدينية.

لكن هذا التحفظ لا يعني إنكار استقلال المغرب أو التقليل من أهميته. فالاستقلال السياسي للمغرب لم يكن مجرد غياب للسيطرة العثمانية، بل كان أيضًا نتيجة قدرة الدولة المغربية على بناء سلطة مستقلة والحفاظ عليها في بيئة إقليمية مضطربة.

ومن ثم، فإن السؤال الأدق ليس فقط: لماذا لم يضم العثمانيون المغرب؟ بل كذلك: كيف استطاعت السلطة المغربية أن تحافظ على استقلالها، وما العوامل التي جعلت هذا الاستقلال قابلًا للاستمرار رغم التنافس العسكري والسياسي؟

إشكالية المنهج.. متى تتحول قراءة التاريخ إلى محاكمة للماضي؟

لعل أكثر جوانب هذا الموضوع حساسية هو انتقال الخطاب من تفسير الوقائع إلى إصدار أحكام على الحكام والدول. ففي بعض القراءات التاريخية ذات المنحى الأيديولوجي، تصبح الوحدة قيمةً حاكمة يُقاس بها الماضي كله، ويُفسر الاختلاف السياسي بوصفه تفككًا، بينما يُنظر إلى التوسع باعتباره استعادة لوحدة مفترضة.

غير أن هذا المنهج يواجه مشكلة أساسية: إنه قد يجعل النتيجة التي يفضلها المؤلف معيارًا لتفسير كل ما سبقها. فإذا كانت الوحدة هي الغاية المقررة سلفًا، أمكن تأويل التحالفات والحروب والبيعات في ضوئها وحدها، حتى عندما تكشف الوقائع عن دوافع متعددة ومتناقضة.

والمنهج التاريخي الأكثر صلابة يبدأ من سؤال مختلف: ما الذي كان الفاعلون التاريخيون يريدونه فعلًا؟ وما الأدوات التي امتلكوها؟ وما التصورات التي حكمت قراراتهم؟ وكيف اختلفت مصالحهم عن المصالح التي ينسبها إليهم المؤرخون اللاحقون؟

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الوثيقة والتأويل. فالمراسلات السلطانية، والمعاهدات، والروايات المعاصرة، وسجلات الإدارة، والمصادر المحلية، لا تؤدي وظيفة واحدة، ولا تحمل الدرجة نفسها من الحياد أو الدقة. ولذلك لا يكفي الاستشهاد بواقعة أو رسالة لإثبات تفسير شامل، بل ينبغي اختبارها في ضوء مصادر أخرى، والنظر في ظروف إنتاجها والجهة التي كتبتها والغاية التي خدمتها.

كما أن دراسة العلاقات المغربية العثمانية تستفيد من تعدد زوايا النظر: الأرشيف العثماني، والمصادر المغربية، والمصادر الأوروبية، والدراسات الحديثة المتخصصة في تاريخ المغرب والجزائر والبحر المتوسط. ولا ينبغي أن تكون هذه المصادر متساوية في قيمتها لمجرد اختلاف أصولها؛ وإنما تُقوّم بحسب قربها من الحدث، وطبيعتها، ومدى إمكان مقارنتها بغيرها.

وبهذا المعيار، فإن قوة أي كتاب في التاريخ لا تُقاس بمدى انسجامه مع موقف سياسي أو حضاري معين، بل بقدرته على بناء تفسير يمكن للقارئ أن يختبره، وأن يراجع أدلته، وأن يناقش استنتاجاته.

ما الذي يضيفه الكتاب إلى النقاش؟

تنبع أهمية "الدولة العثمانية والمغرب" من أنه يعيد طرح مسألة كثيرًا ما تُختزل في سؤال الانتماء: لماذا كان المغرب خارج السلطنة العثمانية، بينما أصبحت الجزائر جزءًا منها؟

غير أن الإجابة الأكثر إنتاجًا ليست تلك التي تنتهي إلى تفضيل سياسي نهائي، بل التي تفتح مجالًا لفهم تاريخي أوسع. فالكتاب يضع الوحدة الإسلامية والشرعية السياسية والتنافس مع القوى الأوروبية في صلب تفسيره، وهي موضوعات تستحق البحث والمناقشة. لكن قيمتها تزداد حين تُقرأ في سياق التعدد الفعلي للمصالح والسلطات، وحين يُفصل بين وصف الوقائع وتقييمها.

كما أن الموضوع يذكّرنا بأن التاريخ المغاربي لا يمكن اختزاله في تاريخ كل بلد على حدة، ولا في تاريخ إمبراطورية واحدة. إنه تاريخ مجال متصل، تحركت فيه الجيوش والتجار والعلماء والرسل، وتقاطعت فيه مشاريع الدول، وتكونت فيه أنماط مختلفة من الحكم والاستقلال والتحالف.

ومن هنا فإن إعادة قراءة العلاقة بين المغرب والدولة العثمانية ليست تمرينًا في استعادة أمجاد الماضي أو إدانة خياراته، وإنما فرصة لفهم كيف تشكلت الدول في شمال إفريقيا، وكيف تعاملت مع التهديدات الخارجية، وكيف وظفت الشرعية الدينية في بناء السلطة، وكيف تفاوضت مع واقع لا يتيح دائمًا التوفيق بين الوحدة والاستقلال والمصلحة.

التاريخ أوسع من ثنائية الوحدة والانفصال

يطرح كتاب بهاء الأمير سؤالًا مشروعًا ومهمًا عن اختلاف المسار السياسي للمغرب عن الجزائر في العصر العثماني. لكن الإجابة عنه لا ينبغي أن تتحول إلى امتحان أخلاقي للدولتين، ولا إلى افتراض أن التاريخ كان يسير نحو نتيجة واحدة ينبغي أن تتحقق.

لقد كان المجال المغاربي جزءًا من عالم إسلامي واسع، لكنه لم يكن مجالًا سياسيًا موحدًا بصورة دائمة. وكانت الدولة العثمانية قوة كبرى ذات مشروع ديني وإمبراطوري، فيما امتلك المغرب سلطته وتقاليده السياسية ومصالحه الخاصة. وقد تفاعلت هذه العناصر في ظروف متغيرة، أنتجت تحالفات وصراعات ونتائج لم تكن حتمية سلفًا.

إن القراءة النقدية للتاريخ لا تنتقص من فكرة التضامن بين المجتمعات، ولا تنكر قيمة مقاومة التوسع الأوروبي؛ لكنها ترفض أن تتحول هذه القيم إلى أدوات لإلغاء تعقيد الماضي أو مصادرة حق الشعوب في امتلاك تجارب سياسية مختلفة.

وإذا كان درس العلاقات المغربية العثمانية يستحق أن يُستعاد اليوم، فلعل أهم ما فيه أن الوحدة لا تُفهم بالشعارات وحدها، وأن الاستقلال لا يُختزل في الانفصال، وأن الشرعية لا تعفي السلطة من المساءلة. أما التاريخ، فلا ينصفه تمجيد الإمبراطوريات ولا إدانتها بالجملة، وإنما ينصفه تفسير الوقائع في سياقاتها، ومقارنة الروايات، والتمييز بين ما حدث فعلًا وما نرغب في أن يكون قد حدث.

بهذا المعنى، فإن السؤال عن المغرب والدولة العثمانية يظل مفتوحًا، لا لأن الوقائع عاجزة عن تقديم إجابات، بل لأن الإجابات الجادة تقتضي دائمًا أكثر من رواية واحدة، وأكثر من معيار واحد للحكم على الماضي.
التعليقات (0)

خبر عاجل