من حلم الثورة إلى أفق الديمقراطية.. رحلة نجيب الشابي السياسية.. كتاب (1)

من بين أكثر الشخصيات السياسية التاريخية المنخرطة في النضال الوطني و الديمقراطي بتونس، طيلة الخمسين سنة الماضية، تبرز قامة الأستاذ أحمد نجيب الشابي..
من بين أكثر الشخصيات السياسية التاريخية المنخرطة في النضال الوطني و الديمقراطي بتونس، طيلة الخمسين سنة الماضية، تبرز قامة الأستاذ أحمد نجيب الشابي..
شارك الخبر
الكتاب: المسيرة والمسار- ماجرى و ما أرى
الكاتب: أحمد نجيب الشابي
الناشر:كلمات عابرة-منشورات جمعية نشاز-تونس، الطبعة الأولى 2022.
(عدد الصفحات  416 من القطع الكبير).


من بين أكثر الشخصيات السياسية التاريخية المنخرطة في النضال الوطني و الديمقراطي بتونس، طيلة الخمسين سنة الماضية، تبرز قامة الأستاذ أحمد نجيب الشابي، الذي لم يؤهله مساره النضالي لكي يضرب موعدًا مع التاريخ ويقود مسيرة إعادة بناء الدولة الوطنية التونسية. فقد عاش  الشابي حياة التَّرْحَالِ الأيديولوجيِّ و السياسيِّ خلال حياته النضالية، فتنقل من البعث إلى اعتناق الماركسية اللينينية في المراحل الأولى من نضاله السياسي، مرورًا بتبنيه أيديولوجية الاشتراكية الديمقراطية التي كانت سائدة في أوروبا الغربية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وأخيرًا تبنيه أيديولوجية الليبرالية الأمريكية في زمن  انتشار الديمقراطية الليبرالية على مستوى العالم في عقد التسعينيات، إبان انهيار الاتحاد السوفييتي.

في هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي: "المسيرة والمسار ـ ما جرى وما أرى ـ" والمتكون من جزأين، جزء أول يُعنى بمسيرته  السياسية، وجزء ثان يعنى بمساره الفكري، يقدم الأستاذ أحمد نجيب الشابي سردية تاريخية تتعلق بحياته النضالية منذ اخراطه  في العشرين من عمره في الحياة العامة سنة 1965 وهي لا تزال مستمرة حتى اليوم، حيث عرض الوقائع كما عاشها  حسب تسلسلها الزمني دون تعديل أو تزويق هي عرض الأحداث ونشاطات ومحن السجن، فالمنفى، فالعمل السري فالانخراط في العمل السياسي الشرعي حالما لاحت إمكانيته سنة 1981.

أما الجزء الثاني فقد خصصه المراجعات الفكرية و السياسية في الحقبة التاريخية التي عاشها وينقسم هذا الجزء إلى أربعة فصول: الأول عن بورقيبة، والثاني حول المسألة العربية، والثالث عن الإسلام السياسي، أما الرابع فخصصه لنظرته إلى المستقبل.في هذا الفصل المتعلق بالمستقبل انطلق الأستاذ نجيب الشابي من تحليل العناصر الهيكلية للواقع السياسي والاقتصادي الراهن للخلوص إلى إصلاحات ومقترحات ضمن برنامج مرحلي يندرج في أفق رؤية متوسطة وبعيدة المدى. غير أنَّ هذا العمل توقف عند ربيع 2021 ولم يأخذ بعين الاعتبار أحداث 25 تموز / يوليو، التي يمكن فهمها في سياق أطوار الأزمة التي تعود إلى عشر سنين خلت وتعمقت بعد انتخابات سنة 2019.

المحطة الباريسية

حلَّ الأستاذ نجيب الشابي  بباريس في 30 سبتمبر 1964،ويقول في بداية رحلته السياسية: "التقيت بأحد الأصدقاء من زملاء الدراسة بمعهد الآباء البيض، (نوري ميمون) وسألته عن الأوضاع السياسية بباريس فأخبرني بأن عامة الطلبة منضوون تحت راية الشيوعية أو الماركسية. لم أكن مهيأ لقبول هذه الأيديولوجيا التي كنت أجهلها وكنت في تلك الفترة تحت تأثير الناصرية. اتفقت وإياه على أن نبدأ بالاطلاع على هذه الأيديولوجية لنقرر موقفنا منها. تحوّلنا فوراً إلى مكتبة واقتنينا كتابين، الأول لفرنسوا بيرو عن الرأسمالية، والثاني لهنري لوفابر عن الماركسية.

اخترت البدء بهذا الكتاب الثاني لأني كنت أجهل كل شيء عن هذه الأيدلوجيا. لم يشف الكتاب غليلي وأثار في نفسي أسئلة أكثر مما أجاب عن تساؤلاتي كانت في ذلك الوقت مكتبة بالحي اللاتيني، مكتبة فرنسوا ماسبيرو، تمثّل نقطة إشعاع للثقافة الاشتراكية والتقدمية عامة، تتولى طبع الكتب عن الفكر الاشتراكي وقضايا العالم الثالث. أخذت أنهل من أدبياتها: كتب تشي غيفارا، وفيدال كاسترو، وريجيس دوبري، وكتب فرانز فانون عن الجزائر وبريوبراجنسكي عن "أبجد الشيوعية"، وكتب عبد الله العروي (أنثروبولوجيا القومية العربية) وغيرها من الأدبيات. مثلت هذه الكتب مصدر ثقافتي السياسية الأولى والتي يمكنني أن أصفها "بالثقافة التقدمية" دون أن أعتنق الفكر الماركسي في تلك المرحلة الأولى"(ص21).

كانت البلاد التونسية خلال النصف الأول من عقد الستينيات تعيش تحت وطأة أحداث فارقة حرب بنزرت لسنة 1961، واغتيال الزعيم القومي صالح بن يوسف في نفس تلك السنة، وتوجه البلاد إلى الاقتصاد المسير، والمحاولة الانقلابية لعام 1962 وتداعياتها على ما تبقى من حريات، ثم مؤتمر الحزب الدستوري بمدينة بنزرت (مؤتمر الانطلاق لسنة 1964) الذي قرر اعتماد "الاشتراكية الدستورية" عقيدة رسمية للحزب وشدّد من تداخل هياكل الحزب الحاكم بأجهزة الدولة ومن إخضاع المنظمات الوطنية لهيمنته حتى أجبرتها على التنصيص ضمن مواثيقها على هذه العلاقة العضوية (اتحاد الشغل، واتحاد الطلبة، واتحاد الفلاحين والاتحاد الوطني للمرأة).

وكان الطلبة التونسيون بباريس ينقسمون إلى أربع مجموعات الشيوعيون والترتسكيون، والاشتراكيون العرب، واليساريون المستقلون، واجتمعت كلمتهم على تخليص الاتحاد العام لطلبة تونس من هيمنة الحزب الدّستوري. وتمكّنوا فعلاً من الفوز بأغلبية الأصوات أثناء مؤتمر فرع باريس للاتحاد في ديسمبر 1961، لكن لم تمض أشهر قليلة حتى قررت قيادة الاتحاد حل فرع باريس (فيفري 1962).

وعاود الطلبة المعارضون معركتهم وتمكنوا مرة أخرى (مارس 1963) من افتكاك هيئة فرع باريس، كما فازوا بكامل مقاعد مندوبي الفروع بالمهجر إلى المؤتمر الحادي عشر للاتحاد (الكاف 1963). وإزاء هذا الإصرار، أبت قيادة المنظمة الطلابية إلا أن تحل فرع باريس وتطرد المعارضين من صفوفه. وأمام هذا الانغلاق اجتمع عدد من الطلبة اليساريين بباريس وقرّروا الانتظام داخل "تجمع للدراسات والعمل"، يسعى إلى توحيد عموم اليسار التونسي حول صحيفة أطلقوا عليها اسم "آفاق تونسية". وفيما التحق الاشتراكيون العرب بالتجمع الجديد حافظ الشيوعيون والتروتسكيون على وجودهم المستقل. كانت أصداء هذه التحركات تصل إلى تونس غامضة، لكنها مثلت بارقة أمل بعد أن صودر ما تبقى من هامش حرية التعبير إثر المحاولة الانقلابية لعام 1962 وانسد أفق كل عمل سياسي مستقل.

الانتماء  لحزب البعث

في باريس حضر الأستاذ نجيب الشابي  عددًا من حلقات "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي" وكانت تتطور نحو اعتناق الماركسية، غير أنَّه لما اقتنع بفكرة حزب البعث انقطع عن حضورها وانصرف للعمل كلياً في صفوف هذا الحزب.

يقول  الشابي:"تعرفت على حزب البعث بواسطة ذات الصديق الذي التقيته فور وصولي إلى باريس والذي عرفني على مجموعة من الطلبة المشارقة فلسطينيين وسوريين وأردنيين تدين بالولاء لحزب البعث. أثارت هذه المجموعة استغرابي: كيف يمكن لمثقفين متخصصين في مختلف الشعب الجامعية (فلسفة، تاريخ، الخ.) أن يناصروا دكتاتورية عسكرية؟ ذلك أن معلوماتي عن البعث كانت تقتصر على ما كانت تبثه إذاعة "صوت العرب" في إطار الصراع بين عبد الناصر والبعث، وكانت تقدم النظام البعثي كدكتاتورية عسكرية متشدّدة. كانت مصادر ثقافتي السياسية قبل حلولي بباريس تقتصر على الإذاعات، إذ لم تكن في ذلك الوقت حرية للصحافة ولا حرية للنشر. وكنت في تلك الفترة ناصرياً "نقدياً"، لم تستقر في ذهني التحولات المتقلبة لسياسة عبد الناصر(ص22).

تمكنت المجموعة البعثية من اقناع الطالب نجيب الشابي بفكرة وحيدة كان عبد الناصر يحرض الجماهير العربية دون تأطيرها، أما البعث فهو حزب منتشر على مستوى الدول العربية ينظم شعوبها حتى تكون صانعة مستقبلها أو هكذا كان مفترضاً أن يكون. اقتنعت إذن بأن تنظيماً حزبياً له فروعه على مستوى مختلف الدول العربية يمكن أن يقدم لشعوبها أداة لتحقيق أحلامها في "الوحدة والحرية والاشتراكية"..
لم تكن إيديولوجية البعث لتثير لديه اعتراضات، فهي ذات الأيديولوجيا الناصرية التي تعلن ثلاثة أهداف: الوحدة والحرية والاشتراكية، ولو بترتيب مختلف. وكان الطموح إلى إقامة وحدة بين الدول العربية يرمي جذوره عميقاً في الثقافة الوطنية ويندرج ضمن حقبة تصفية الاستعمار، أما الحرية فلم تكن تعني حرية المواطن وتحرّره من الاستبداد السياسي بقدر ما كانت ترمز إلى تحرر الأمة من علاقات الاستعمار والهيمنة. وأما الاشتراكية فكانت تعني الانحياز إلى العدل الاجتماعي في ظروف كانت الشعوب تعاني فيها من الفقر، والأمية، والبطالة والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وقد برز عجز القطاع الخاص على النهوض بمهام التنمية.

تمكنت المجموعة البعثية من اقناع الطالب نجيب الشابي  بفكرة وحيدة كان عبد الناصر يحرض الجماهير العربية دون تأطيرها، أما البعث فهو حزب منتشر على مستوى الدول العربية ينظم شعوبها حتى تكون صانعة مستقبلها أو هكذا كان مفترضاً أن يكون. اقتنعت إذن بأن تنظيماً حزبياً له فروعه على مستوى مختلف الدول العربية يمكن أن يقدم لشعوبها أداة لتحقيق أحلامها في "الوحدة والحرية والاشتراكية"..

مع  انخراط نجيب الشابي تدريجيا في صفوف حزب البعث، انعقد المؤتمر السادس للحزب والذي تخلى فيه البعث عن "الاشتراكية العربية" وعوضها بـ"الاشتراكية العلمية"، عقيدة رسمية للحزب. وَرَدَ هذا التوجه الجديد ضمن كتيب "المنطلقات النظرية" الذي حرّره ياسين الحافظ (بعثي سابق، لكنه اعتنق لاحقا الفكر الماركسي ويعدُّ من بين المفكرين العرب الذين نادوا بإنجاز ثورة ديمقراطية في كل العالم العربي،وهو صاحب كتاب: الهزيمة والإيديولوجية المهزومة عن دار الطليعة في بيروت 1978). والاشتراكية العلمية هي تلك التي تعتمد المادية الجدلية فلسفة والمادية التاريخية منهجاً في التحليل وتنيط بالطبقة العاملة دوراً طلائعيا في تحرير الإنسانية من ربقة استغلال الإنسان للإنسان وهي التي تعتبر الدولة أداة للاضطهاد الطبقي، الخ.

وفي العام 1966، حصل انقلاب قاده اللواء صلاح جديد البعثي العسكري الراديكالي على القيادة القومية المدنية التي يتزعمها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وحاولت القيادة السورية تقديم الصراع بينها وبين القيادة القومية على أنه صراع بين اليسار واليمين داخل الحزب. وكانت قناعات نجيب الشابي  اهتزت جرّاء حرب الأيام الستة ونتيجة تأملاته في السجن السجنية، كان دفاعه عن العث من باب الوفاء لعهد قطعته على نفسه ولم تكن المحاكمة مناسبة للتعبير عن مراجعات فكرية فتُؤوّل على أنّها ضعف أو تخاذل في وجه آلة القمع. لم تهتز قناعات الشابي  بالقضية العربية التي تظل قضيّة عادلة وتقدمية، ولكن اهتزت قناعاته بالبعث فكراً وإطاراً لتحقيق تلك المثل الكبرى. وفي عام 1970 تخلى الشابي عن حزب البعث بعد خمس سنوات من النضال كلفته  السجن الحضوري لأحد عشر سنة.

الانتماء إلى تنظيم آفاق

تأسس هذا التنظيم في باريس صيف العام 1963، بعد نقاشات طويلة بين الأعضاء المؤسسين له، الذين ينتمون إلى تيارات عدة ماركسية، وتروتسكية. وناصرية ثورية، وأعضاء فرع الاتحاد العام لطلبة تونس. وعندما تأسس تنظيم "آفاق" لم يكن في نية المؤسسين تكوين حزب سياسي أو السعي للاستيلاء على الحكم بل الغاية الأولى هي الاهتمام ببعض القطاعات الجوهرية التي تهم مستقبل تونس وإعداد الدراسات الضرورية .

وكان هذا التجمع تلتقي فيه هذه التيارات وتتناقش بحرية على الرغم من تعددها واختلافاتها وتفاوت تجارب أعضائها ورموزها، نخص بالذكر منهم: نور الدين بن خضر باحث اقتصادي ويعمل الآن مديراً للنشر بدار سيراس للنشر ،ومحمد الشرفي، الذي تولى رئاسة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من سنة 1988 ولغاية 1989، وتولى منصب وزير التربية والعلوم من سنة 1989 ولغاية 1994، وارتبط بما عرف ببرنامج الإصلاح التربوي، وأحمد السماوي، وإبراهيم رزق الله، الذي يعمل طبيباً الآن في تونس، وأحمد بن عثمان المقيم في باريس الآن، وهو يعمل رئيساً للمنظمة العالمية للإصلاح الجنائي، ومحمد عزيز كريشان المقيم في فرنسا منذ عام 1995، وتاج الدين بالرحال الذي يعمل محامياً بتونس العاصمة، ونائباً بمجلس النواب ممثلاً عن التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، ومنذر القرقوري القادم من المجموعة التروتسكية التي التحقت بآفاق، وجلبار نقاش عضو سابق في الحزب الشيوعي التونسي، وهو تروتسكي انضم للمجموعة بتونس ويعمل كمهندس فلاحي، وحفناوي عمايرية عضو سابق في حزب البعث العربي الاشتراكي .

وكان التجمع يعتبر نفسه متموقعاً على يسار الحزب الشيوعي التونسي، حيث بدأ ينشط تنظيمياً في أوساط الاتحاد العام لطلبة تونس، والاتحاد العام التونسي للشغل، بهدف توسيع قوة ونفوذ "تجمع الدراسات "، الذي اشتهر باسم مجلته "آفاق" وأسهم التجمع إسهاماً كبيراً في خوض النضال الوطني الديمقراطي في تونس طيلة مرحلة الستينات، التي كرست الاحتكار السياسي الأعمى للسلطة من جانب الحزب الاشتراكي الدستوري، الذي غير اسمه في مؤتمر المصير العام 1964.

لقد خاض التجمع أولى معاركه ضد النظام، عقب هزيمة حزيران العام 1967، حين أسهم في قيادة التظاهرات الشعبية العامة في تونس رداً على العدوان الصهيوني الإمبريالي على الدول العربية، حيث قام المتظاهرون في العاصمة بالإعلان عن استنكارهم للسياسة التونسية الخارجية التي يحكمها نهج التبعية في فلك الاستعمار الجديد، الإمبريالية الأميركية، وعن مواقف الرئيس بورقيبة الذي وافق على مشروع أيزنهاور لسد الفراغ في الشرق الأوسط أي محاربة الحركة القومية العربية والشيوعية، والدفاع عن "العالم الحر"، وبسبب موقفه من القضية الفلسطينية المعروف حين ألقى خطابه الشهير في مدينة أريحا بفلسطين العام 1965، وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بقرار التقسيم 181.

" آفاق" والموقف من القضية القومية عامة، والقضية الفلسطينية خاصة

تباينت آراء ومواقف تنظيم "آفاق" من القضية القومية العربية، والقضية الفلسطينية، والنضال السياسي المطروح على الأمة العربية في مواجهة الإمبريالية العالمية، والحركة الصهيونية، والكيان الصهيوني، والأنظمة والقوى الرجعية العربية، بحسب تباين المشارب الفكرية والسياسية لمؤسسيها، على رغم أن التنظيم أصبح يتبنى الأيديولوجية الواحدة الماركسية اللينينية. فبقدر ما نجد مواقف تؤيد حركة الثورة العربية من أجل تحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية، نجد مواقف داخل التجمع تتبنى مواقف أيديولوجية متناقضة مع ذلك كله.

ويمكن استعراض هذه المواقف المتناقضة ضمن سياق فترتين زمنيتين، ولكن متداخلتين ومتصلتين: الأولى: قبل هزيمة حزيران 1967، حيث يقول الأستاذ نور الدين بن خضر، أحد مؤسسي "آفاق" "إن قضية فلسطين لم تعننا إلا ابتداء من أواخر سنة 1966، وكانت قضية فيتنام هي التي ملأت الدنيا وشغلت الناس... وكان الأخوان البعثيون والقوميون يعيبون علينا بشدة تقاعسنا نحو هذه القضية... وفي الواقع أنا مقتنع الآن أننا كنا نحمل فعلا بعض النقائص في مجال اهتمامنا بالقضايا العربية والفكر العربي عامة".

أما الأستاذ احمد نجيب الشابي (كان أحد مناضلي "آفاق"، ثم منظمة العامل التونسي، فيقول: "الفكر الماركسي في نزعته الأممية البروليتارية وفي ترجمته التونسية لم يكن ليولي قضية الهوية أهميتها بل انتقصها وحقر منها معتقداً بأن الأخوة العمالية الكونية فوق الفوارق القومية، وفيها الحل للتناقضات القومية، فلم يحسن فهم حركة التحرر الوطني، وانعزل عنها قبل الاستقطاب، وناصب العداء للقومية العربية، باعتبارها من الترهات الرجعية التي تقوم على أخوة الدم والعرق و الدين ".

وأصدر " تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي " التونسي كراساً باللغة الفرنسية، تحت عنوان: "خصائص المرحلة الحالية للتطورات وأدوات الثورة العربية" كان من المفروض أن تساهم به المجموعة وتلقيه في ندوة الجزائر حول "الاشتراكية في العالم العربي "، التي عقدت في 22 أيار 1967، أي قبل الهزيمة بحوالي شهر. وقد تضمن الكراس أطروحات متقدمة حول المسالة القومية، تتماثل مع الخط الذي تبناه التروتسكيون العرب من قضايا الثورة العربية. واعتبرت «آفاق» الكراس أن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الوحدة العربية: "ليس فقط لأن الوحدة تشكل طموحاً مشتركاً لشعوبنا نظراً لوحدة اللغة والدين والتاريخ ولكن لأن الوحدة هي الوسيلة الوحيدة التي يتسنى لأقطارنا ومن خلالها تشييد الاشتراكية الحقة".

ونشرت مجلة "آفاق" في عددها الصادر بتاريخ 14 حزيران 1967، مقالاً بعنوان "اليسار التونسي والثورة العربية "، أكد عروبة تونس وشعبها الذي يرزح تحت كلكل زعامة متغربة تحاول قطعه عن جذوره وعن محيطه العربي... وأن الإيمان بعروبة تونس لا يدخل في إطار الحلم ولكنه اعتقاد راسخ وثابت.

الثانية بعيد هزيمة حزيران 1967، إذ أصدر "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي " كراساً تحت عنوان: "المسألة الفلسطينية في علاقاتها بتطور النضال الثوري في تونس "، وهو الكراس الثاني للمجموعة، وعرف بالكراس الأصفر نسبة للون غلاف الكراس. وقد انتهى إلى "أن تونس أمة بحالها وبلغتها، وبشخصيتها المميزة، وأن القومية العربية هي إحدى الترهات التي تقوم على أُخُوة الدين والعرق والدم.... وأن الشعب الفلسطيني  أحد رعايا دولة إسرائيل التي يشكل أقلية فيها".

ضمن هذا السياق يقول نجيب الشابي:" أثارات خلافات داخل منظمة "آفاق"(برسبكتيف باللغة الفرنسية)، منذ صدور ما عرف "بالكتيب الأصفر" في صائفة 1967. صدر هذا الكتيب إثر حرب الأيام الستة لشهر حزيران/يونيو1967. رفض الكتيب فكرة وجود "أمة عربية" واعتبر أنَّ السياق التاريخي أدى إلى تطور لغات مختلفة وإلى تشكل قوميات مختلفة، أدى إلى بروز عدد من الأمم بمنطقة الشرق الأوسط، منها الأمة اليهودية بإسرائيل ونادى على هذا الأساس بالاعتراف بدولتين في فلسطين عربية وإسرائيلية ودحض فكرة الحقوق التاريخية للفلسطينيين على فلسطين، واعتبر أن تحرير الشعب الفلسطيني لن يتأتى إلا من خلال وحدة الطبقة العاملة الإسرائيلية والفلسطينية"(ص58).

أثار الكتيب قبل تبنيه رسمياً استقالات من صفوف الحركة بتونس وباريس. وطالب عدد من قيادي الحركة بباريس بمراجعة هذا الموقف، ما حدا بالقيادة إلى إصدار تعديل جزئي في أبريل 1969، ضمن مقال صدر بالعدد 20 من مجلة برسبكتيف تحت عنوان "الرؤيا النظرية التي يجب أن تقود ممارستنا الثورية"، أكدت فيه القيادة على "أن الوحدة العربية تظل الإطار الأوحد لتحقيق الاشتراكية" مقترحة على الماركسيين العرب تشكيل "أممية إقليمية" تراعي استقلالية مكوناتها وتعمل على تحويل أحد الأقطار العربية إلى قاعدة للاشتراكية". لم يحل هذا المقال الخلاف حول القضية الفلسطينية والعربية عامة وأخذ يتعمق تحت تأثير أحداث تاريخية كحرب أكتوبر 1973 وحرب البترول التي عقبتها ليشمل القيادات بالداخل والخارج.

إذا كانت هزيمة حزيران قد فجرت التناقضات الأيديولوجية والسياسية في صفوف "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس "، فإنَّ حملات الاعتقال والمطاردة المتوالية التي تعرضت لها كادرات وقيادات التجمع بهدف تصفيته في إطار سياسة الاستبداد، التي أغلقت كل محاولات الحرية، وتصفية كل صوت معارض، ومصادرة أشكال التعبير والممارسة، وتقديم معتقلي "التجمع" أمام محاكم أمن الدولة، وصدور أحكام قاسية وصل بعضها إلى السجن عشرين عاماً مع الأشغال الشاقة، هذه الضربات أسهمت في تحطيم البنية التنظيمية للتجمع، وشل فعاليته السياسية، وإنهاء وجوده التنظيمي في الجامعة والشارع التونسي.

انتهت الأزمة إلى قطيعة بين مكوني الحركة. فغادرنجيب الشابي  جماعة" آفاق "، وفتح حوارًا حول طرق مواصلة العمل المشترك، فعرض عليه عبد العزيز كريشان أن ينضم ورفاق آخرين بتونس إلى صفوف منظمة العامل التونسي، وكان من أبرز قيادييها. انتهى الحوار إلى الاتفاق بينهما على أن يتم الانصهار صلب منظمة العامل التونسي.

تجربة الشابي في منظمة العامل التونسي

مع تجذر الحركة الطلابية في النضال الديمقراطي في آخر الستينات، وعجز تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي، الذي كان تعبيراً راديكالياً عن اتجاه داخل الحركة اليسارية التونسية، عن تقديم مشروع فكري وسياسي يقدم أجوبة واقعية للمعضلات التي يعاني منها المجتمع التونسي، بادر عدد من أعضائه السابقين في باريس ممن كانوا على خلاف فكري وسياسي مع "الكراس الأصفر" حول القضية الفلسطينية، الذي كان سبباً ودافعاً لخروج العديد من المناضلين من "التجمع "، إلى تأسيس منظمة جديدة سميت بمنظمة العامل التونسي، عرفت باسم مجلتها "العامل التونسي" التي تحرر باللهجة التونسية المحلية، وذلك من سنة 1969 إلى سنة 1973، وقد عوضت نشرة "آفاق " وأصبحت لسان حال المنظمة.

كانت منظمة العامل التونسي متأثرة بمناخ الحركات اليسارية الماوية والتروتسكية التي سجلت حضوراً قوياً في الساحة الأوروبية، وبأطروحتها، خاصة حول ما يتعلق بالصراع الأيديولوجي بين قطبي الحركة الشيوعية العالمية الصين والاتحاد السوفياتي. وكانت الحركة الطلابية التونسية التواقة إلى التغيير الثوري والجذري، والتي تعبر في الوقت عينه عن حاجة وطنية عميقة في التخلص من هيمنة الحزب الواحد، تستجيب وتتفاعل مع هذه الأطروحات العالمية.
يقول الأستاذ نجيب الشابي عن تجربته بمنظمة العامل التونسي الماركسية اللينينية، الممتدة  من 1971 إلى حدود 1980، ما يلي: كانت "اللجنة التنظيمية المؤقتة" تتشكل من أعضاء قياديين من منظمة "آفاق" التجأوا إلى فرنسا بعد إخلاء سبيلهم من سجن برج الرومي، سنة 1970، من بينهما عبد العزيز كريشان وابراهيم رزق الله ومحمد بن جنات، ودليلة بن عثمان وعبد الوهاب المجدوب، ورضا السماوي، ومن قياديين مقيمين بالمهجر من مثل محمد الصدام والطيب القطاري. وتمثلت مهام اللجنة التنظيمية المؤقتة في الإشراف على الأنشطة السياسية بالمهجر، كتنظيم الاجتماعات العامة والمهرجانات والمظاهرات أو بعث فروع للتنظيم بمختلف مدن المهجر (فرنسا والبلدان الأوربية أساساً). ومن مهامها الرئيسية أيضاً، التواصل مع قيادة الداخل بواسطة المراسلات السرية، أو عن طريق تبادل الوفود وتقديم الدعم إليها. إلى جانب ذلك كانت اللجنة التنظيمية المؤقتة تتولى الإشراف على إصدار جريدة العامل التونسي وطبعها ثم إيصالها إلى الداخل بالطرق السرية طبعاً(ص60).

كانت منظمة العامل التونسي متأثرة بمناخ الحركات اليسارية الماوية والتروتسكية التي سجلت حضوراً قوياً في الساحة الأوروبية، وبأطروحتها، خاصة حول ما يتعلق بالصراع الأيديولوجي بين قطبي الحركة الشيوعية العالمية الصين والاتحاد السوفياتي. وكانت الحركة الطلابية التونسية التواقة إلى التغيير الثوري والجذري، والتي تعبر في الوقت عينه عن حاجة وطنية عميقة في التخلص من هيمنة الحزب الواحد، تستجيب وتتفاعل مع هذه الأطروحات العالمية.

غير أنَّ منظمة العامل التونسي ظلت متلقنة لأطروحات المدارس الفكرية العالمية، من دون أن تحسم التناقضات الفكرية والسياسية التي كانت قائمة في تجربة "آفاق "، " الأمر الذي وضعها من جديد على أرضية الصراعات الداخلية على الرغم من الاتفاق التام والمعلن حول الموقف من النظام وضرورة مواجهته بشكل شمولي، عبر إيجاد وعاء تنظيمي - سياسي، يتبنى الماركسية صيغة عامة، وينظم نضالات قطاعات شعبية في المعركة مع النظام".

المسألة الفكرية التي تصدت لها مجموعة من منظمة العامل التونسي في تلك المرحلة، هي تلك التي تحلقت حول مجلة "النضال " التي عرفها أصحابها بأنها "لسان حال الثورة العربية في تونس"، وهي مجموعة تروتسكية، أصدرت كراساً بعنوان: "المسألة الفلسطينية: من القومية إلى الماركسية" خصص للردِّ على موقف "آفاق " ومعالجة نظرية حول الطبيعة الطبقية للصراع العربي الصهيوني، ودراسة حول المنهج والماركسية الدوغمائية. وانتهى الكراس، إلى اعتبار الأمة العربية: "حقيقة تاريخية وواقعية، وأن وجودها لا يمكن إلا أن يكون نقطة انطلاق مسار الثورة العربية، في حين أن عدم وجودها لا يغير شيئا من الاتجاهات الوحدوية الموضوعية والذاتية لهذه الثورة. كما أنَّ الوحدة العربية تهيئ لنا أساسين لاستراتيجية التنمية في المستقبل، فهي تسمح بتجميع الثروات الطبيعية والقدرات البشرية والاستثمارات (البشرية) وتضع حدا لعقبة مهمة، إلا وهي ضيق السوق الداخلية، كما أن النضال ضد الإمبريالية مستحيل في إطار دول مجزاة".

تخلى الأستاذ نجيب الشابي  عام 1970 عن حزب البعث بعد خمس سنوات من النضال كلفه السجن الحضوري لأحد عشر سنة. وفي عام 1981 غادر منظمة العامل التونسي بعد عشر سنوات من النضال كلفه أحكاماً بالسجن الغيابي لمدة 22 سنة، وأربع سنوات من العمل السري الشاق.
التعليقات (0)