كيف تحوّلت ديمقراطية تونس الكسيحة إلى شعبوية تُعيد إنتاج الاستبداد؟ كتاب

 إن السياسة حكر على الزعيم الذي يعبر وحده عن إردة الشعب. من هنا نفهم "اللاهوت" الذي تخفيه الشعبوية.
إن السياسة حكر على الزعيم الذي يعبر وحده عن إردة الشعب. من هنا نفهم "اللاهوت" الذي تخفيه الشعبوية.
شارك الخبر
الكتاب من تاليف الاستاذ والمؤرخ عدنان المنصر ومنشورات "ستوميديا"، الطبعة الأولى لسنة  2023  ويقع في 492 صفحة.يُقسّمُ المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام حيث يخصص الأول إلى الانتخابات التشريعية لسنة 2019 وما أنتجته من برلمان منقسم وعنيف وعاجز، وهو ما هيّأ الأمر، حسب الكاتب، إلى ظهور الزعيم الشعبوي. في القسم الثاني يغوص الكاتب في منابت "السديم الشعبوي" في تونس والذي تغذى واستثمر في الكارثة التي انتهى إليها الانتقال الديمقراطي. في القسم الثالث يفكك المؤلف "مسار25 تموز / يوليو 2021" الذي بدأ إنقاذا وانتهى ، حسب الكاتب، انقضاضا على السلطة مؤسسا لحكم مطلق وعمودي وزبوني.

يعتبِرُ النُّقّادُ الكتابَ من أهم المؤلفات التي وضّحت خطايا الانتقال الديمقراطي في تونس تلك التي تربى في جوفها وتغذى منها وحش الشعبوية الذي سوف يبتلع الجميع: الديمقراطية والحريات والدستور والأحزاب والدولة أيضا.

الخطيئة الأولى

يعتبرُ الكاتبُ أن قانون المصالحة الإدارية الذي أجازه البرلمان في 13 ايلول 2017 هو الخطيئة التي شكلت منعرجا حاسما في السياسة التونسية وهو من أهم الأسباب التي أدت إلى الصورة التي أصبحت عليها الديمقراطية وتردّى فيها "مسار الانتقال الديمقراطي".

الكتلة التاريخية هي أساس لمشروع وطني شامل وجامع دوره هو تخليص الدولة من مركزية الحكم والقرار، ومن تسلط النخب المحترفة القديمة منها والجديدة وذلك باعادة بناء المشروع السياسي للدولة على قاعدة تقاسم السلطات الأصلية بين المحليات والجهات والمركز.
يتمثل هذا القانون في العفو عن رجال الأعمال والموظفين العموميين الذين قاموا بأفعال مخالفة للتراتيب الإدارية. قوبل هذا القانون بمعارضة واسعة من طرف منظمات المجتمع المدني ومن القوى الشبابية ومن طيف واسع من المعارضة. يرى الكاتب أن هذا القانون هو ثمرة التوافق بين الغنوشي والباجي قايد السبسي وسيكون أحد أهم الأسباب في الحكم الأخلاقي والسياسي على "الانتقال الديمقراطي" بكونه تقاسما لا أخلاقيا وبراغماتيا للسلطة بين الحزبين الرئيسيين: النهضة والنداء.

لقد ضحى بالعدالة من أجل المصالحة مع رجال الأعمال وكذلك الموظفين الذين قاموا بانتهاكات في مجال حقوق الإنسان. لقد أدى هذا القانون إلى ظهور حركة شبابية احتجاجية هي "مانيش مسامح" ـ لن أسامح ـ والتي قامت بعشرات الوقفات الاحتجاجية ضد هذا القانون. يعتبر الكاتب أن هذه الحركة هي آخر المحاولات لإنقاذ الديمقراطية قبل أن تتحول إلى حركة يأس شاملة، وهو يأس سيمهّدُ لما حدث في 25 يوليو 2021.

السّديم الشعبوي

يرسم لنا الكاتب في القسم الثاني السّديم الأول الذي خرج منه الرئيس الحالي قيس سعيد، ويتبع مساره وخُطاه وطبيعة خطابه وكذلك المزاج العام الذي أتى به إلى السلطة. لرسم هذا الخيط يبدأ الكاتبُ برصد التكتيك الاتصالي لقيس سعيد طيلة الفترة الممتدة من 2011 حتى الانتخابات الرئاسية في 2019. يمكن وصف هذا التكتيك بالصمت الاستراتيجي، وإن شئنا استخدام لغة المذاهب السرية سنقول "تقية".

لقد كان تكتيكا مقصودا ومُفكّرا فيه، ويتمثل في عدم دخوله في نقاشات مع الخصوم والمنافسين، وذلك لكي يضمن أن يبدو دوما رجلا جامعا، فتلتقي حوله الكثير من الأضداد في الوقت نفسه. لقد كان أمرا مُخططا له بروية. أما أفكاره التي سيُعلنها بعد انتخابه ففيها تطابق كبير مع مُدونة "قوى تونس الحرة"، وهو فصيل يساري صغير خرج عن الوطنيين الديمقراطيين في فترات لا يمكن تحديدها بدقة. يرى هذا الفصيل أن الثورة قد وقعت خيانتها، وأن أبناءها قد وقعت إزاحتهم من طرف النخب القديمة التي ثار الشعب ضدها، ومن نخب جديدة متحالفة معها، تحت غطاء انتقال ديمقراطي مزعوم  ومُزيّف للإرادة الشعبية.

إن جوهر المسألة لدى قيس سعيد ورفاقه من "قوى تونس الحرة" هو التالي: ضرورة القطع مع المسار  الديمقراطي واستعادة "المسار الثوري"، وهذا يمرُّ بالضرورة باستبعاد، ودون استثناء، كل القوى التي ساهمت في "خديعة" الانتقال الديمقراطي، الذين حكموا والذين عارضوا على حد السواء. إن هذا يفسر لنا التجريف الحاصل الآن والذي لا يستثني احدا. في كلمة: لابد من استئناف الثورة واسكات النخبة واعادة الكلمة "للشعب".

إن هذا يعني أن الأحزاب والمنظمات والنقابات وحتى المجموعات غير المنتظمة هي  مجرد "نخب مُتحيّلة"، في مقابل نقاء وطهورية "الشعب" و"الزعيم". بماذا سيُعوَّضُ المجتمع المدني ذلك "المسخ الذي أصبح جثة"؟ يجيبنا السيد رضا شهاب المكي، وهو أهم منظري "قوى تونس الحرة": تعوضه الكتلة التاريخية التي يرى أنها" تتشكل من الفئات والقوى والطبقات الاجتماعية الأكثر تضررا في النسيج الاجتماعي الراهن. إنها تتشكل من فئات الشباب العاطلين عن العمل ومن أصحاب الشهائد العليا  ومن العمال وعمال المناولة ومن المزارعين الفقراء وكذلك التجار الذين يعجزون عن تلبية الحد الأدنى للعيش الكريم". كيف يمكن إخراج هذه الكتلة من حالة الهيولى إلى حالة الفعل؟ عبر قلب هرم السلطة أي البناء الأفقي الذي يبدأ فيه القرار من المجالس  المحلية إلى أن يصل مجلس الجهات والأقاليم.

ما هي مميزات هذه الكتلة التاريخية حسب السيد رضا شهاب المكي؟

أولا هي استجابة لفشل الانتقال الديمقراطي في التعبير عن مصالح الطبقات المتضررة والواسعة من الشعب التونسي. يُميز السيد المكي بين الانتقال الديمقراطي، الذي لا يعدو أن يكون عملية "تحيّل" قامت بها النخب القديمة، وبين "الانتقال  الثوري" بما هو حراك شعبي لا يحتاج إلى ذلك الجدل والضجيج الأيديولوجي حول الهوية والحداثة واليمين واليسار.

إن دعاة اليسارية والحداثة الذين ساندوا مسار قيس سعيد هربا من الدولة الدينية التي تريد النهضة حسب زعمهم تأسيسها لم يتفطنوا للدولة اللاهوتية الموجودة في الدستور الذي كتبه قيس سعيد والذي لا يُقيّد الرئيس بأي قانون أو هيأة رقابية ولا يجعل بينه وبين الشعب أية واسطة ولا يحتوي على أي تقسيم للسلطة.
ثانيا الكتلة التاريخية هي أساس لمشروع وطني شامل وجامع دوره هو تخليص الدولة من مركزية الحكم والقرار، ومن تسلط النخب المحترفة  القديمة منها  والجديدة وذلك باعادة بناء المشروع السياسي للدولة على قاعدة تقاسم السلطات الأصلية بين المحليات والجهات والمركز.

ثالثا يقتضي هذا الانتقال الثوري الحيلولة دون مواصلة الهياكل والتكتلات الحزبية والنقابية القديمة قيادة التحول الاجتماعي. إن هذا يفسر لنا إلى حد كبير رفض قيس سعيد لأي تعاون أو حتى حوار مع كل قوى المجتمع المدني في تونس.

إن هذه الكتلة التاريخية التي ستقود الانتقال الثوري نحو البناء الجديد ستُخلص المجتمع من خطرين رئيسيين: استمرار النخب القديمة في قيادة البلاد، وبالتالي استمرار التقسيم المصطنع للشعب عبر تزييف المعارك واحتكار الارادة الشعبية، وتحصين الشعب وارادته من سيطرة مراكز النفوذ  الداخلية التي لا تمثل  الا وجها من وجوه مراكز النفوذ الراسمالية الخارجية.

إن هذا يعني ما يلي:

 إنكار أي دور للنخب "القديمة" في الحياة السياسية. إن هذا يعني، من وجهة نظر علم الاجتماع السياسي، إن السياسة بما هي بحث عن السلطة أو ممارستها أو إنتاج للمعايير أو الخطاب الذي يوجه الرأي العام، لم يعد مسموح بأن تمارسها الأحزاب أو النوّاب أو الجمعيات والنقابات أو حتى الحركات الاجتماعية والمواطنية ولا حتى الأفراد غير المنتظمين. إن السياسة حكر على الزعيم الذي يعبر وحده عن إردة الشعب. من هنا نفهم "اللاهوت" الذي تخفيه الشعبوية. إن دعاة اليسارية والحداثة الذين ساندوا مسار قيس سعيد هربا من الدولة الدينية التي تريد النهضة حسب زعمهم تأسيسها لم يتفطنوا للدولة اللاهوتية الموجودة في الدستور الذي كتبه قيس سعيد والذي لا يُقيّد الرئيس بأي قانون أو هيأة رقابية ولا يجعل بينه وبين الشعب أية واسطة ولا يحتوي على أي تقسيم للسلطة.
التعليقات (0)