"الأسير" لمحمد دحو.. من زنزانة مالطا إلى ذاكرة الأسرى الفلسطينيين

محمد دحو يخوض مغامرة سردية في منطقة صعبة: يريد أن يجعل التاريخ مرآة للحاضر، وأن يجعل الفن وسيلة لفهم الأسر، وأن يحول شخصية تاريخية منسية إلى سؤال معاصر.
محمد دحو يخوض مغامرة سردية في منطقة صعبة: يريد أن يجعل التاريخ مرآة للحاضر، وأن يجعل الفن وسيلة لفهم الأسر، وأن يحول شخصية تاريخية منسية إلى سؤال معاصر.
شارك الخبر

ذاكرة تعود إلى ربع قرن


هناك، قبل أن أقرأ "الأسير" بوصفها رواية، حكاية شخصية لي مع صاحبها محمد دحو، تجعل قراءتي مختلفة بعض الشيء. فأنا لا ألتقي دحو للمرة الأولى في صفحات هذه الرواية، ولا أتعرف إليه من خلال اسمه على الغلاف؛ لقد سبق أن عرفته إعلامياً قبل أن تجمعنا الصداقة، وقبل أن تتقاطع طرقنا في أكثر من مدينة وبلد.

أذكر أنني تعرفت إلى محمد دحو للمرة الأولى من خلال قناة الشارقة الإماراتية عام 1997، وكنت يومها في دمشق. كان زمن الفضائيات لا يزال في بداياته، وكان الوصول إلى القنوات العربية أشبه باكتشاف نافذة جديدة في جدار عربي طويل. كانت أطباق التقاط البث الفضائي قد بدأت تنتشر، وكان المشاهد ينتقل بين القنوات بشيء من الدهشة، كأنه يكتشف للمرة الأولى أن العالم أوسع من شاشة التلفزيون الرسمي.

في ذلك الزمن، استوقفني دحو في حوار أدبي نادر مع الفنان السوداني الراحل عبد الكريم الكابلي. لم يكن الحوار من النوع الذي يمر سريعاً ثم ينساه المشاهد؛ فقد كان وراءه تاريخ من الشعر والموسيقى والذاكرة العربية والأفريقية، وكان الكابلي يستعيد قصته مع قصيدة "إفريقيا وآسيا" التي أنشدها للمرة الأولى أثناء زيارة الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى الخرطوم.

كان دحو في ذلك الحوار أكثر من محاور تلفزيوني. كان يبدو كأنه يعرف كيف يقترب من الفنان من الداخل، لا من بوابة السؤال الصحفي وحدها. وهذه، ربما، كانت أول مرة ألمح فيها ذلك الجانب الذي ستكشفه لي السنوات لاحقاً بصورة أوضح: رهافة الأديب المختبئة خلف مهنية الإعلامي.

ثم شاءت الأقدار أن تنتقل العلاقة من الشاشة إلى الحياة. التقيت دحو وجهاً لوجه في الدوحة، ثم في طرابلس، ثم في كوبنهاغن، ومع تتابع اللقاءات توطدت العلاقة وتحولت المعرفة الإعلامية إلى صداقة. وفي كل لقاء كان يتأكد لدي أن وراء الصحفي الذي يشتغل على الخبر والحوار والأسئلة العاجلة، روحاً أدبية شديدة الحساسية، وأن دحو يحمل الأشياء بطريقة مختلفة؛ يلتقط ما قد لا يلتقطه الصحفي العابر، ويصغي إلى ما بين الكلمات، وربما لهذا السبب لا تبدو الكتابة بالنسبة إليه مجرد مهنة، وإنما طريقة في النظر إلى العالم.

ومن هنا فإنني حين أقرأ "الأسير" لا أستطيع أن أفصل تماماً بين الكاتب الذي أعرفه والروائي الذي أقرأه. غير أن هذه المعرفة الشخصية لا ينبغي أن تتحول إلى حجاب يحول دون النقد؛ بل لعلها تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا فعل الأديب الذي عرفته في الإعلام حين دخل إلى الرواية؟

وهناك سبب آخر جعل عنوان الرواية يستوقفني منذ اللحظة الأولى.


أنا، بحكم عملي الإعلامي، أتابع منذ أكثر من ربع قرن حكايات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. عرفت قصصهم عبر الأخبار والتقارير والشهادات والمقابلات، وعشت، مثل كثيرين من أبناء هذه المهنة، ذلك التراكم الثقيل لحكايات الاعتقال والتحقيق والزنازين والإضراب عن الطعام والانتظار الطويل خلف القضبان. ولذلك فإن كلمة "الأسير" لم تكن بالنسبة إليّ عنواناً أدبياً محايداً.

كان وراءها أرشيف كامل من الوجوه والأسماء والحكايات. ربما لهذا السبب تحديداً شعرت بأنني مدفوع إلى قراءة الرواية، حتى وأنا أحاول، ما استطعت، أن أبتعد في قراءاتي وحياتي اليومية عن الأحزان. فالواحد منا، خصوصاً إذا كان يعمل في الصحافة، يحمل من أخبار العالم ما يكفيه من الوجع. يكفي أن يفتح هاتفه صباحاً حتى يجد أمامه حرباً أو سجناً أو جنازة أو طفلاً يبحث عن بيت لم يعد موجوداً. وقد يصبح الابتعاد عن الحزن أحياناً نوعاً من الدفاع عن النفس، لا هروباً من الواقع.

لكن رواية عنوانها "الأسير" لم تترك لي فرصة كبيرة لهذا الابتعاد. دخلت إليها وأنا أحمل معي أسئلة الأسرى الذين عرفت حكاياتهم على امتداد ربع قرن، فإذا بالرواية تأخذني إلى أسر آخر، وإلى زمن آخر، وإلى إنسان آخر. وهنا كانت المفاجأة الأدبية الأولى: الأسير في الرواية ليس بالضرورة ذلك الذي خلف القضبان فقط.

وهذا ما جعل العنوان يتسع أمامي شيئاً فشيئاً. فالأسير الفلسطيني الذي تلاحقه الذاكرة في الأخبار، والأسير الجزائري في التاريخ، والفنان الذي تحاصره شروط واقعه، والإنسان الذي يعيش أسير ذاكرته أو خوفه أو عجزه عن التعبير؛ كل هؤلاء يمكن أن يلتقوا في كلمة واحدة.

ولعل أجمل ما في العنوان أنه لا يغلق الرواية على معنى واحد، بل يفتحها على أسئلة متوالدة: من هو الأسير؟ ومن هو السجّان؟ وهل تنتهي الأسرية بانتهاء الزنزانة؟ وهل يمكن للإنسان أن يخرج من السجن بينما يظل السجن مقيماً في داخله؟

هنا تحديداً التقت علاقتي القديمة بمحمد دحو مع علاقتي الأقدم بحكايات الأسرى. دخلت الرواية إليها من باب الصداقة، لكنني وجدت نفسي أقرأها من باب آخر تماماً: باب الإنسان الذي طالما شاهدت قصته من خلف شاشة، ثم وجدت الأدب يطلب مني أن أراها من الداخل.

وهذا، في النهاية، هو الفارق بين الخبر والرواية: الخبر يخبرك بأن هناك أسيراً؛ أما الرواية فتحاول أن تجعلك تعيش دقيقة واحدة من حياة الأسير.

ليست رواية "الأسير" مجرد حكاية عن رجل وقع في الأسر، ولا استعادةً تاريخية لشخصية جزائرية غاب اسمها في طبقات النسيان؛ إنها محاولة لفتح سؤال أوسع: متى يصبح الإنسان أسيراً، ومن الذي يملك حق تحديد حدود حريته؟

من هذه الزاوية تحديداً تتأسس قيمة الرواية، الصادرة عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية في الجزائر عام 2025، والتي تمزج بين حاضر جزائري مثقل بالذاكرة وماضٍ يعود إلى القرن السابع عشر، من خلال شخصية الخطاط والورّاق الجزائري علي بن يحيى الزواوي الذي يقع أسيراً في مالطا، وشخصية الفنان التشكيلي المعاصر يوسف بوذراع الذي يعيش بدوره أشكالاً أخرى من الأسر النفسي والاجتماعي والثقافي. وقد حضرت الرواية في النقاشات النقدية العربية خلال 2026، كما أُدرجت ضمن القائمة الطويلة لجائزة الطاهر وطار للرواية الجزائرية، وكذلك ضمن الأعمال المدرجة في الدورة الثامنة من جائزة آسيا جبار.

لكن أهمية "الأسير" لا تكمن في موضوعها وحده، وإنما في محاولة الكاتب نقل مفهوم الأسر من معناه المباشر إلى فضاء وجودي أكثر اتساعاً.

من الأسر التاريخي إلى الأسر المعاصر


يبدو علي بن يحيى الزواوي في الرواية كأنه يأتي من طبقة بعيدة من التاريخ، لكنه سرعان ما يتحول من شخصية تاريخية إلى مرآة للحاضر. فالرجل الذي أُخذ أسيراً في مالطا وأُجبر على الكتابة والخط في ظروف لا يملك التحكم فيها، يصبح نظيراً فنياً ووجودياً ليوسف، الفنان الذي يعيش في زمن مختلف، لكنه يجد نفسه محاصراً بأشكال أخرى من القهر.

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية إثارة: قد تتغير السجون، لكن آليات الأسر قد تبقى. فالزنزانة ليست بالضرورة جدراناً وأقفالاً. يمكن أن تكون مؤسسة، أو ذاكرة، أو مجتمعاً، أو سلطة، أو تاريخاً، أو حتى صورة مفروضة عن الإنسان لا يستطيع الفكاك منها.

يوسف.. المثقف حين يصبح الفن وسيلة للنجاة


يوسف بوذراع ليس بطلاً تقليدياً يبحث عن الانتصار في نهاية الرحلة. إنه فنان مأزوم، تتداخل في وعيه الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجماعية، ويصبح البحث عن الزواوي بحثاً عن شيء مفقود في ذاته.

وهنا تكتسب الكتابة والرسم والموسيقى أهمية خاصة داخل الرواية؛ فالفن لا يظهر باعتباره زينة جمالية للأحداث، وإنما باعتباره محاولة لإنقاذ الذات من التلاشي.

وهذه من النقاط التي تمنح "الأسير" بعداً إنسانياً يتجاوز الجغرافيا الجزائرية. فالفنان الذي يفقد قدرته على أن يكون حراً في التعبير يتحول، بصورة ما، إلى أسير، حتى لو لم يكن وراء القضبان.

وتتحول الكتابة والرسم والموسيقى في النهاية إلى أدوات للمقاومة الداخلية واستعادة الذاكرة، كما أن حضور الموسيقى، ومنها الفوندو، يفتح الرواية على تعدد ثقافي وتاريخي يتجاوز الحكاية المباشرة.

التاريخ ليس خلفية محايدة


من أبرز ما تفعله الرواية أنها لا تستخدم التاريخ بوصفه ديكوراً روائياً. التاريخ هنا شخصية أخرى. فالعودة إلى علي بن يحيى الزواوي ومالطا والأسرى المسلمين والصراع البحري بين ضفتي المتوسط تفتح جرحاً قديماً، لكنها في الوقت نفسه تستدعي أسئلة الحاضر حول علاقة الشرق بالغرب، والاحتلال، والهيمنة، والذاكرة.

وهذا يجعل الرواية تتحرك على خط زمني غير مستقيم؛ الماضي لا ينتهي حين ينتهي زمنه، وإنما يستمر في الحاضر من خلال الذاكرة. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل "الأسير" أقرب إلى رواية عن تكرار آليات القهر منها إلى رواية تاريخية بالمعنى التقليدي. فالزواوي لا يعود إلينا لكي يخبرنا بما حدث له فقط، وإنما لكي يسأل يوسف، ويسأل القارئ معه: ماذا بقي من ذلك الأسر فينا؟

الجزائر حاضرة.. ولكنها ليست سجناً للرواية


تستفيد الرواية كذلك من ذاكرة الجزائر الحديثة، بما فيها سنوات العنف التي تُعرف بـ"العشرية السوداء". وهذا حضور حساس، لأن الأدب الجزائري المعاصر ظل يعود مراراً إلى تلك المرحلة بوصفها جرحاً لم يُغلق تماماً. لكن محمد دحو لا يجعل العشرية السوداء موضوع الرواية الوحيد. فهي تدخل ضمن شبكة أوسع من الأسئلة المتعلقة بالعنف والسلطة والذاكرة والهوية.

وفي حديث له عن الرواية، قال دحو إنها كُتبت خلال الحرب على غزة، وإنه أهداها إلى الأسرى الفلسطينيين وإلى "المعذبين في الأرض"، رابطاً بين الذاكرة الجزائرية وأسئلة الحرية والمنفى والاحتلال.

وقد صدّر دحو روايته بهذا الإهداء: "إلى أسرى فلسطين وغزة .. وإلى كل الأصوات المبحوحة  بلا شفاه من المعذبين في الأرض".

ولا يبدو هذا الإهداء تفصيلاً خارجياً بالنسبة إلى الرواية، بل يمكن النظر إليه بوصفه واحداً من مفاتيح قراءتها. فحين يضع دحو "أسرى فلسطين وغزة" في صدر عمل يستعيد فيه سيرة أسير جزائري من القرن السابع عشر، فإنه يقيم جسراً واضحاً بين أزمنة الأسر المختلفة، ويجعل الذاكرة التاريخية وسيلة لاستحضار مأساة لا تزال حاضرة أمامنا.

هنا يتسع معنى الأسير مرة أخرى: الزواوي الأسير في مالطا، والأسير الفلسطيني خلف القضبان، والفنان المعاصر، والإنسان الذي تُصادر حريته أو صوته أو حقه في رواية حكايته. أما عبارة "الأصوات المبحوحة بلا شفاه" فتمنح الإهداء بعداً أكثر قسوة؛ إذ لا يتعلق الأمر بمن مُنع من الكلام فحسب، وإنما بمن سُلبت منه حتى القدرة على امتلاك صوته.

ومن هذه الزاوية، يصبح الإهداء عتبة تأويلية للرواية كلها. إنه يقول للقارئ، منذ البداية، إن الحكاية التي بين يديه لا تخص أسيراً واحداً ولا زمناً واحداً، وإن الذاكرة حين تستعيد أسيراً من الماضي إنما تبحث، في الوقت نفسه، عن أصوات الأسرى والمقهورين في الحاضر.

وهنا يصبح العنوان نفسه مفتوحاً على أكثر من قراءة: الأسير هو الجزائري القديم، والفنان المعاصر، والأسير الفلسطيني، وربما الإنسان الذي يجد نفسه عاجزاً عن امتلاك مصيره.

قوة الرواية.. ومأزقها السردي


غير أن قوة "الأسير" الفكرية لا تعني بالضرورة أن البناء الروائي يخلو من المآخذ. فأحد أبرز الأسئلة النقدية التي يمكن طرحها يتعلق بهيمنة الفكرة على حساب الشخصية.

الرواية تحمل أفكاراً كثيرة: الأسر، الحرية، الفن، التاريخ، الجزائر، العنف، فلسطين، الذاكرة، الهوية، علاقة الشرق بالغرب، ودور المثقف. وهذه الكثافة الفكرية تمنح العمل عمقاً، لكنها قد تتحول أحياناً إلى عبء على السرد، عندما يشعر القارئ أن الشخصيات تتحرك لخدمة الفكرة أكثر مما تتحرك وفق منطقها الداخلي.

وقد ذهب نقد سابق للرواية إلى أن اعتماد السرد بدرجة كبيرة على صوت يوسف، بحيث يصبح صوتاً لعدد واسع من الشخصيات والمضطهدين، قلّل من فرص نمو الشخصيات الأخرى واستقلالها الدرامي.

وهذه ملاحظة تستحق التوقف عندها. فالرواية التي تريد الحديث عن تعدد الأسرى تحتاج، إلى تعدد الأصوات. كان يمكن للشخصيات الثانوية أن تمتلك مساحات أوسع من الاستقلال، وأن تختلف في رؤيتها للأسر والحرية والتاريخ، لا أن تظل في بعض المواضع امتدادات لرؤية البطل. ذلك أن الاختلاف بين الشخصيات ليس مجرد تقنية سردية؛ إنه جزء من المعنى نفسه.

بين الشعرية والسرد


يميل محمد دحو إلى لغة مكثفة، قصيرة، ذات نبرة شعرية واضحة. وهو أمر مفهوم بالنظر إلى خلفيته الإعلامية والثقافية، وإلى علاقته الطويلة بالكلمة. وقد وصف في حديثه عن الكتابة القصة القصيرة بأنها قد تكون "لحظة وانفجاراً وجملة مكثفة"، وهو تصور يفسر جانباً من الاقتصاد اللغوي والصور المكثفة في تجربته الأدبية.

لكن اللغة الشعرية في الرواية سلاح ذو حدين. حين تأتي الصورة في مكانها، فإنها تمنح المشهد كثافة وإيحاء، وتجعل الألم قابلاً للرؤية لا مجرد فكرة. أما حين تتقدم اللغة على الحدث والشخصية، فقد يشعر القارئ بأن الرواية تتوقف لكي تقول شيئاً، بدلاً من أن تدع الشيء يحدث أمامه.

وهنا تحديداً يمكن تسجيل واحدة من المفارقات الجميلة في تجربة "الأسير"، الرواية التي تدافع عن حرية الفن تحتاج هي نفسها إلى تحرير شخصياتها من سلطة الفكرة.

لماذا يظل "الأسير" مهماً؟


مع ذلك، فإن قيمة الرواية لا تُقاس فقط بمدى إحكام الحبكة التقليدية. فمحمد دحو يخوض مغامرة سردية في منطقة صعبة: يريد أن يجعل التاريخ مرآة للحاضر، وأن يجعل الفن وسيلة لفهم الأسر، وأن يحول شخصية تاريخية منسية إلى سؤال معاصر. وهذه مغامرة تستحق التقدير حتى في المواضع التي يمكن مناقشتها نقدياً.

الأهم أن الرواية لا تقدم الحرية باعتبارها باباً يفتح في النهاية وينتهي كل شيء. الحرية هنا عملية داخلية شاقة، تبدأ حين يستعيد الإنسان حقه في إنتاج المعنى. ولهذا فإن الأسير الحقيقي في الرواية ليس بالضرورة من أُغلقت عليه الأبواب، وإنما قد يكون من صودرت قدرته على أن يروي حكايته بنفسه.

ومن هنا يمكن قراءة "الأسير" بوصفها رواية عن الكتابة نفسها: من يكتب التاريخ؟ من يملك الذاكرة؟ من يحدد من هو الضحية؟ ومن يستطيع أن يحول الألم إلى معنى؟

إن محمد دحو لا يكتب رواية أسر بالمعنى الضيق، بل يضع القارئ أمام سؤال أكثر قسوة: إذا كان التاريخ قادراً على أسر الإنسان قروناً بعد انتهاء السجن، فهل تكون الكتابة هي محاولة تحريره الأخيرة؟

وربما لهذا السبب تحديداً لا تنتهي الرواية عند حدود الزواوي ولا عند حدود يوسف؛ فهما مجرد نافذتين على عالم أوسع، عالم يبدو فيه الإنسان حراً في الظاهر، لكنه يكتشف، كلما حاول أن يكتب أو يرسم أو يتذكر، أن هناك سجناً آخر لا تُرى قضبانه بسهولة. وهنا تكمن قوة "الأسير" الأساسية: إنها لا تسأل فقط من هو الأسير، بل تسألنا: من الذي يملك مفاتيح السجن؟ ومن الذي يملك حق تسمية الحرية؟
التعليقات (0)