هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
في الأدب العراقي، لا يأتي الحزن دائماً بوصفه انفعالاً عابراً أو موضوعاً سردياً، بل يتحول أحياناً إلى ذاكرة كاملة تستعيد من خلالها الجماعة تاريخها وأمكنتها وأصوات موتاها؛ ومن هذه المنطقة تحديداً يمكن الاقتراب من تجربة القاص والروائي عبد الستار البيضاني، أحد أصوات جيل الثمانينيات، الذي راكم خلال عقود تجربة قصصية وروائية منشغلة بالإنسان العراقي في علاقته بالتاريخ والفقد والذاكرة والتحولات الاجتماعية. ومن «أصوات عالية» و«مأتم تنكرية» إلى رواياته ومنها «عطش على ضفاف الدانوب» وصولاً إلى «نوائح سومر»، الصادرة حديثاً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ظل البيضاني يحول التفاصيل المحلية والوقائع اليومية والموروث الشفهي إلى مادة سردية تتجاوز حدود التوثيق نحو مساءلة معنى الذاكرة نفسها. وفي هذا السياق، جاء احتفاء منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية في الاتحاد بتجربته، في جلسة «الثقافة والرواية/شهادة حيّة»، مناسبة لاستعادة مسار كاتب جعل من السرد وسيلة لفحص الجرح العراقي، ومن الرواية فضاءً لإنقاذ أصوات وتجارب مهددة بأن يبتلعها النسيان.
تدخل الرواية الجزائرية موسمها التنافسي الثامن مع إعلان القائمة الطويلة للجائزة الكبرى "آسيا جبار للرواية" لعام 2026، التي اختارت 26 عملا من أصل 155 رواية تقدمت بها 53 دار نشر، في قائمة تكشف أكثر من مجرد أسماء مرشحة للتتويج؛ فهي ترسم صورة لمشهد روائي تتجاور فيه العربية والفرنسية والأمازيغية، وتتساوى فيه الروايات العربية والفرنسية في عدد الأعمال المتأهلة، بواقع عشر روايات لكل منهما مقابل ست بالأمازيغية. وبينما تعكس الأرقام اتساع حركة النشر وتنوع الأصوات السردية في الجزائر، تفتح القائمة أيضا أسئلة تتجاوز المنافسة الأدبية نفسها: ما الذي تقوله هذه التوازنات عن موقع اللغات في الثقافة الجزائرية؟ ولماذا تغيب الإنجليزية عن جائزة تنظم في بلد يشهد نقاشا متصاعدا حول الانتقال من الفرنسية إلى الإنجليزية في مجالات التعليم والانفتاح الثقافي؟ وفي قلب هذه الأسئلة يحضر اسم آسيا جبار، الكاتبة التي اختارت الفرنسية لغة للكتابة دون أن تتخلى عن الجزائر بوصفها موضوعا وذاكرة وهوية، لتمنح الجائزة التي تحمل اسمها مفارقة ثقافية تجعل من سباق الرواية مناسبة لإعادة التفكير في علاقة الأدب الجزائري بلغاته الثلاث، وفي اللغة التي قد تحمل صوته إلى المستقبل.
في مراجعة نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية في 18 أغسطس/آب 2026، تقرأ الكاتبة والناقدة نينا ألان رواية "شروق الشمس" للكاتبة تيّا أوبريت بوصفها عملاً يتجاوز حكاية الغرب الأمريكي وأساطيره إلى مساءلة الطريقة التي تُصنع بها الذاكرة الجماعية، ومن يملك حق رواية التاريخ وتحديد ما يبقى منه حقيقة وما يتحول إلى أسطورة.
تأتي تجربة الروائي الليبي جمال أبو زيد من تقاطع خاص بين السيرة والتاريخ والمنفى؛ فهو ضابط سابق في الدفاع الجوي، انشق عن النظام الليبي، وتنقّل في بلدان عربية قبل أن يستقر في لندن، حيث اتجه إلى القراءة والكتابة، محوّلًا جانبًا من تجربة المنفى وذاكرة الاستبداد إلى خيال روائي. وفي "الشام بين فكي الوحش" و"سقوط الطاغية" تتبلور ملامح مشروعه بوضوح: من تشريح منظومة الاستبداد السوري وآليات تغوّلها، إلى سرد لحظة انهيارها أمام الثورة؛ أي من تفكيك الوحش إلى رواية سقوطه. وبين العملين، يحاول أبو زيد أن ينحت لنفسه مسارًا خاصًا عند تخوم الرواية والتاريخ والتوثيق، وأن يضيف صوتًا ليبيًا إلى الرواية العربية التي جعلت من الأدب مساحة لمساءلة السلطة واستعادة الذاكرة.
منذ أن وضع دانيال ديفو "روبنسون كروزو" عام 1719، قطعت الرواية البريطانية رحلة طويلة من التحولات الفنية والفكرية، وصولا إلى تجارب زادي سميث في مطلع الألفية، وهي الرحلة التي يحاول الروائي والناقد البريطاني فيليب هينشر إعادة قراءتها في كتابه "تاريخ الرواية في بريطانيا". وفي نحو 600 صفحة، لا يقدم هينشر مجرد تسلسل تاريخي للأعمال والكتاب، بل يرسم شبكة من التأثيرات والمواجهات والتجارب التي أسهمت في تشكيل الرواية الحديثة، مستفيدا من خبرته كروائي في قراءة تقنيات السرد وبناء الشخصيات والأصوات. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة من منظور عربي، إذ كانت الرواية البريطانية، عبر الترجمة والتعليم والصحافة والاحتكاك الثقافي، إحدى القنوات التي وصلت من خلالها إلى الرواية العربية الحديثة أشكال وتقنيات جديدة في بناء الحكاية والشخصية والزمن، قبل أن يعيد الروائيون العرب توظيفها ضمن أسئلتهم الخاصة حول الاستعمار والهوية والمجتمع والطبقة والسلطة. ومن هنا لا يصبح تاريخ الرواية البريطانية تاريخا لأدب أجنبي فحسب، بل مدخلا أيضا لفهم جانب من مسار تشكل الرواية العربية وتحولاتها.
تستعيد رواية "جاكاراندا" للكاتب والمغني الفرنسي ـ الرواندي غايل فاي جراح الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994، من خلال حكاية أجيال تتوارث آثار المأساة وأسئلتها المفتوحة، في عمل روائي يتجاوز سرد وقائع المجزرة إلى تفكيك ما تركته من ندوب في الذاكرة والعائلة والهوية؛ فبين رحلة ميلان، الفتى المولود في فرنسا لأب فرنسي وأم رواندية، وعودته إلى بلد والدته، تتكشف طبقات من الأسرار والصمت، ويصبح البحث عن الحقيقة مواجهة مع ماضٍ لا ينتهي بانتهاء الحرب، فيما تضع الرواية مفهوم المصالحة أمام امتحانه الأصعب: هل يمكن للغفران أن يكون ممكناً بعد الإبادة، وهل تستطيع المجتمعات أن تتصالح مع ماضيها من دون أن تواجه الحقيقة كاملة؟ ومن خلال هذا السؤال، يحوّل فاي المأساة الرواندية من واقعة تاريخية إلى تجربة إنسانية تتصل بذاكرة الحروب والإبادات في العالم، وتطرح الأدب بوصفه مساحة لاستعادة أصوات الضحايا ومقاومة النسيان.
لا يقتصر أدب المناخ على الروايات التي تتناول الكوارث البيئية مباشرة، بل يشمل أيضاً الأعمال التي تستحضر ما يسميه النقاد "الزمن العميق"؛ أي النظر إلى تاريخ الأرض بوصفه إطاراً لفهم الحاضر، وهو ما يجعل رواية "الفم الأحمر" تنتمي إلى هذا الاتجاه من خلال ربطها بين المستنقعات الأيرلندية والذاكرة الجيولوجية وأسئلة الهوية والبيئة.
لا تكمن قوة بعض الروايات في الحكاية التي ترويها فقط، بل في الأسئلة التي تتركها معلقة بعد إغلاق صفحاتها. وهذا ما تفعله رواية "Trouble Was" للكاتبة البريطانية شارلوت إدواردز، التي تنقل القارئ إلى صيف عام 1976 عبر عين طفل صغير يراقب عالم الكبار وهو يتداعى من حوله، لا بسبب مأساة استثنائية مفاجئة، بل بفعل تراكم الإهمال والصمت والعجز اليومي. غير أن هذه القراءة لا تتوقف عند حدود الأسرة المنهارة أو مسؤولية الآباء، بل تفتح أفقًا أوسع للنظر في البنية الاجتماعية والاقتصادية التي صنعت إنسانًا مثقلًا بالكدح، وأسرة فقدت كثيرًا من قدرتها على الحماية، ودولة تراجعت أدوارها أمام منطق السوق والفردانية. ومن هنا تتحول الرواية من قصة عن طفولة مجروحة إلى تأمل في أزمة الإنسان المعاصر، وفي قدرة القيم الروحية والاجتماعية، في الغرب كما في العالم العربي والإسلامي، على مواجهة التحولات التي تعيد تشكيل معنى الأسرة والرحمة والمسؤولية.
في عمل أدبي جديد ينسج خيوطه من الأمومة والفقد والذاكرة، تبدو الحرب على غزة حاضرة بوصفها ظلاً إنسانياً يخيّم على الصفحات، رغم أنها لا تُذكر بالاسم. هكذا قرأت صحيفة الغارديان البريطانية رواية "Long Wave" (الموجة الطويلة) للكاتبة ديزي جونسون، معتبرة أنها أكثر أعمالها نضجاً وقوة، إذ تستكشف مصائر ثلاث نساء عبر ثلاثة أجيال، بينما تستدعي، من خلال حكايات الانفصال والغياب والأمهات الباحثات عن أطفالهن، أصداء المأساة الفلسطينية، في مؤشر على اتساع حضور غزة في المخيال الأدبي العالمي بوصفها رمزاً للفقد الإنساني.
تواصل الرواية المكتوبة بالإنجليزية على أيدي كتّاب ينتمون إلى أصول عربية وإسلامية وأفغانية ترسيخ حضورها في المشهد الأدبي العالمي، متجاوزة سرديات الحرب والإرهاب واللجوء نحو مساءلة أكثر عمقاً لقضايا الهوية والانتماء والمنفى والحرية. وفي هذا السياق، تبرز رواية "لا إله إلا نحن" (No God But Us) للكاتب الأفغاني الأمريكي بوبق سيد بوصفها نموذجاً لهذا التحول، إذ تمزج بين التجربة الشخصية والتحولات السياسية الكبرى، وتعيد طرح أسئلة العلاقة بين الفرد والتاريخ، والوطن والمنفى، والدين والهوية، في عمل يفتح نافذة على مسار الأدب الأفغاني الحديث وتطور الكتابة الإنجليزية عن العالمين العربي والإسلامي، في وقت باتت فيه هذه الأعمال تشكل أحد أبرز ميادين الحوار الثقافي وإعادة تشكيل صورة المسلمين في الأدب العالمي.
رائدة حمره يكتب: "وحده من يقلع العاقول" ليست مجرد رواية ممتعة، بل ضرورة فكرية وأدبية ملحة للإنسان المعاصر. ففي زمن أصبح فيه كل شيء سريعاً ومختصراً؛ التعليقات تُكتب في كلمات قليلة، والإعجابات تُمنح بضغطة زر، ومقاطع الفيديو تُختزل في ثوانٍ، وحتى المحتوى الإعلامي بات يخضع لمنطق السرعة والاختزال، تأتي هذه الرواية لتدعو القارئ إلى التمهل، والتفكير، والتشكيك الإيجابي، وإعادة اكتشاف قيمة السؤال قبل التسليم بالإجابة. إنها تذكّرنا بأن الحقيقة لا تُختزل في عنوان، ولا تُقاس بعدد المشاهدات، وأن فهم الواقع يحتاج إلى عقل ناقد أكثر من حاجته إلى خبر عاجل
لا تبدو رواية "كارثة طبيعية" للكاتبة البريطانية ليزا أوينز مجرد عمل أدبي يتناول يوميات أم منهكة في نهاية إجازة الأمومة، بقدر ما تمثل نافذة على واحد من أكثر الأسئلة إلحاحا في الثقافة الغربية المعاصرة: العلاقة الملتبسة بين الأمومة والهوية النسوية، وبين الأسرة ومشروع الحداثة الذي جعل من تحرير الفرد، رجلا كان أو امرأة، أحد مرتكزاته الأساسية. ومن خلال مراجعة نشرتها الروائية البريطانية ديانا إيفانز في صحيفة "الغارديان"، تعود هذه الرواية لفتح نقاش يتجاوز حدود الأدب إلى الفلسفة والاجتماع، حول ما إذا كانت المرأة الغربية قد نجحت في التوفيق بين تحقيق ذاتها ومتطلبات الأسرة، أم أن هذا التوتر ما يزال أحد أبرز وجوه الأزمة الحضارية التي يعيشها الغرب المعاصر.
غالبت توقعاتي بقراءة الرواية الجزائرية الفائزة هذا العام وأنا أقرأ ما قاله رئيس لجنة تحكيم الجائزة الناقد التونسي محمد القاضي عنها من أنها "رحلة آسرة عكس مجرى التاريخ تتسلل بسلاسة في إرهاصات ما حدث في الجزائر قبيل العشرية السوداء.. إنها رواية تُلتَهَمُ بشهية، ولكنّها تترك انطباعاً مريراً عن عالَم نعرفه، غير أننا نكتشف أنه مثقَل بنوازع مبهمة".
حصلت رواية الكاتب المصري شادي لويس "على خط غرينتش" على جائزة "جيمس تايت بلاك" للرواية التي تقدمها من جامعة إدنبرة البريطانية.
في زمن تتصاعد فيه النقاشات حول حقوق النساء وحدود السلطة والحرية، تعود الروايات والأعمال الأدبية إلى ابتكار عوالم متخيلة تمنح النساء أدواراً تتجاوز الواقع المألوف وتعيد صياغة موازين القوة داخل المجتمع. فمن المجتمعات الدينية المغلقة إلى المدن التي تحكمها النساء، ومن الإضرابات الرمزية إلى أشكال العصيان الفردي والجماعي، برز الأدب النسوي بوصفه مساحة لتخيل إمكانيات أخرى للحياة والعدالة. وفي هذا السياق، تستعرض الروائية البريطانية من أصول بنغلادشية تحميمة أنام كيف تحولت تجربة إنسانية قاسية عاشتها نساء جزيرة معزولة في بنغلادش إلى مشروع روائي يبحث عن معنى المقاومة والأمل وإعادة تصور الحرية.
لم يعد الأدب المعاصر مجرد مساحة لسرد الحكايات، بل أصبح أداة نقدية تكشف هشاشة البنى الاجتماعية والسياسية التي يعيش داخلها الإنسان الحديث. ومن هذا المنطلق، تأتي رواية "الجوع والعطش" للكاتبة البريطانية كلير فولر بوصفها نموذجاً للرواية التي توظف الرعب الاجتماعي لتفكيك واقع يبدو مستقراً في ظاهره، لكنه يخفي وراءه أشكالاً عميقة من العزلة والقلق وفقدان المعنى، حيث يتحول الألم الإنساني نفسه إلى مادة للتأمل وكشف تناقضات المجتمع الحديث.