هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
في الأدب العراقي، لا يأتي الحزن دائماً بوصفه انفعالاً عابراً أو موضوعاً سردياً، بل يتحول أحياناً إلى ذاكرة كاملة تستعيد من خلالها الجماعة تاريخها وأمكنتها وأصوات موتاها؛ ومن هذه المنطقة تحديداً يمكن الاقتراب من تجربة القاص والروائي عبد الستار البيضاني، أحد أصوات جيل الثمانينيات، الذي راكم خلال عقود تجربة قصصية وروائية منشغلة بالإنسان العراقي في علاقته بالتاريخ والفقد والذاكرة والتحولات الاجتماعية. ومن «أصوات عالية» و«مأتم تنكرية» إلى رواياته ومنها «عطش على ضفاف الدانوب» وصولاً إلى «نوائح سومر»، الصادرة حديثاً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ظل البيضاني يحول التفاصيل المحلية والوقائع اليومية والموروث الشفهي إلى مادة سردية تتجاوز حدود التوثيق نحو مساءلة معنى الذاكرة نفسها. وفي هذا السياق، جاء احتفاء منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية في الاتحاد بتجربته، في جلسة «الثقافة والرواية/شهادة حيّة»، مناسبة لاستعادة مسار كاتب جعل من السرد وسيلة لفحص الجرح العراقي، ومن الرواية فضاءً لإنقاذ أصوات وتجارب مهددة بأن يبتلعها النسيان.
من سؤال شاعرة بريطانية من أصول آسيوية عن غياب الكتاب السود والآسيويين عن شعر الطبيعة، إلى روايات عربية جعلت الصحراء والماء والنفط وتغير المكان في قلب الحكاية، يعيد الأدب اليوم اكتشاف علاقته بالعالم الطبيعي في زمن أزمة المناخ. وتسلط صحيفة "الغارديان" الضوء على حركة جديدة في بريطانيا تسعى إلى إعادة تعريف شعر الطبيعة وإخراجه من إرثه الغربي التقليدي، فيما تفتح التجربة سؤالاً موازياً عن الأدب العربي: هل نشهد بدورنا تشكل أدب مناخ، أم أن الطبيعة ظلت حاضرة فيه بأشكال مختلفة من دون أن تتحول إلى حركة أدبية واضحة؟
تدخل الرواية الجزائرية موسمها التنافسي الثامن مع إعلان القائمة الطويلة للجائزة الكبرى "آسيا جبار للرواية" لعام 2026، التي اختارت 26 عملا من أصل 155 رواية تقدمت بها 53 دار نشر، في قائمة تكشف أكثر من مجرد أسماء مرشحة للتتويج؛ فهي ترسم صورة لمشهد روائي تتجاور فيه العربية والفرنسية والأمازيغية، وتتساوى فيه الروايات العربية والفرنسية في عدد الأعمال المتأهلة، بواقع عشر روايات لكل منهما مقابل ست بالأمازيغية. وبينما تعكس الأرقام اتساع حركة النشر وتنوع الأصوات السردية في الجزائر، تفتح القائمة أيضا أسئلة تتجاوز المنافسة الأدبية نفسها: ما الذي تقوله هذه التوازنات عن موقع اللغات في الثقافة الجزائرية؟ ولماذا تغيب الإنجليزية عن جائزة تنظم في بلد يشهد نقاشا متصاعدا حول الانتقال من الفرنسية إلى الإنجليزية في مجالات التعليم والانفتاح الثقافي؟ وفي قلب هذه الأسئلة يحضر اسم آسيا جبار، الكاتبة التي اختارت الفرنسية لغة للكتابة دون أن تتخلى عن الجزائر بوصفها موضوعا وذاكرة وهوية، لتمنح الجائزة التي تحمل اسمها مفارقة ثقافية تجعل من سباق الرواية مناسبة لإعادة التفكير في علاقة الأدب الجزائري بلغاته الثلاث، وفي اللغة التي قد تحمل صوته إلى المستقبل.
ليست الكآبة حكرا على الأدب المجري، وإن كانت قد أصبحت إحدى أكثر سماته حضورا في نظر القراء حول العالم. فالأدب، في جانب كبير منه، يولد من التجربة الإنسانية بما فيها من ألم وفقد ومنفى وقهر واغتراب، قبل أن يحولها الكاتب إلى لغة وجمال ومعنى. وفي تقرير لـ«الغارديان»، يتتبع لوغان شيرر صعود ما يسمى «الكآبة المجرية» عالميا، من كراسنهوركاي إلى سزالاي، متوقفا عند تاريخ سياسي وثقافي جعل المعاناة مادة خصبة للأدب، في ظاهرة لها نظائر واضحة في الأدب العربي أيضا.
في مراجعة نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية في 18 أغسطس/آب 2026، تقرأ الكاتبة والناقدة نينا ألان رواية "شروق الشمس" للكاتبة تيّا أوبريت بوصفها عملاً يتجاوز حكاية الغرب الأمريكي وأساطيره إلى مساءلة الطريقة التي تُصنع بها الذاكرة الجماعية، ومن يملك حق رواية التاريخ وتحديد ما يبقى منه حقيقة وما يتحول إلى أسطورة.
منذ أن وضع دانيال ديفو "روبنسون كروزو" عام 1719، قطعت الرواية البريطانية رحلة طويلة من التحولات الفنية والفكرية، وصولا إلى تجارب زادي سميث في مطلع الألفية، وهي الرحلة التي يحاول الروائي والناقد البريطاني فيليب هينشر إعادة قراءتها في كتابه "تاريخ الرواية في بريطانيا". وفي نحو 600 صفحة، لا يقدم هينشر مجرد تسلسل تاريخي للأعمال والكتاب، بل يرسم شبكة من التأثيرات والمواجهات والتجارب التي أسهمت في تشكيل الرواية الحديثة، مستفيدا من خبرته كروائي في قراءة تقنيات السرد وبناء الشخصيات والأصوات. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة من منظور عربي، إذ كانت الرواية البريطانية، عبر الترجمة والتعليم والصحافة والاحتكاك الثقافي، إحدى القنوات التي وصلت من خلالها إلى الرواية العربية الحديثة أشكال وتقنيات جديدة في بناء الحكاية والشخصية والزمن، قبل أن يعيد الروائيون العرب توظيفها ضمن أسئلتهم الخاصة حول الاستعمار والهوية والمجتمع والطبقة والسلطة. ومن هنا لا يصبح تاريخ الرواية البريطانية تاريخا لأدب أجنبي فحسب، بل مدخلا أيضا لفهم جانب من مسار تشكل الرواية العربية وتحولاتها.
لم يعد الحديث عن "موت الشعر" أكثر من نبوءة مؤجلة؛ فبينما أعاد فيلم كريستوفر نولان "الأوديسة" ملحمة هوميروس إلى واجهات المكتبات، محققا قفزة هائلة في مبيعاتها، يواصل جيل جديد من الشعراء في بريطانيا والعالم العربي الوصول إلى جمهور واسع من بوابة إنستغرام وتيك توك ويوتيوب والمنصات الرقمية. وبين قصائد هوميروس التي ولدت أصلا من تقليد شفهي، وشعراء معاصرين يحولون الإلقاء إلى فيديو قصير قابل للمشاركة، تبدو المفارقة لافتة: التكنولوجيا التي يُقال إنها قتلت القراءة الطويلة تعيد الشعر، في بعض أشكاله، إلى واحدة من أقدم وظائفه؛ أن يكون صوتا يُسمع، وحكاية تُتداول، وتجربة شخصية يجد فيها الجمهور نفسه. وفي بريطانيا تتقاطع عودة هوميروس مع صعود أسماء مثل لوكاس جونز ونيكيتا غيل وهولي مكنيش، بينما تكشف التجربة العربية، من هشام الجخ وعمرو حسن إلى تميم البرغوثي وغيرهم، عن مسار موازٍ أعادت فيه المنصات الرقمية تشكيل العلاقة بين الشاعر والجمهور، وفتحت للقصيدة أبوابا جديدة خارج الديوان والمؤسسة الثقافية التقليدية.
محمد عبد العزيز يكتب: إن دراسة الدكتور عبد الله الخباص عن سيد قطب الأديب الناقد هي دراسة في "إنتاج المعرفة" بقدر ما تلامس موضوع المعرفة ذاته، لأنها تهدي الباحث كيف يملأ الفجوات المنهجية والبحثية، وكيف يعيد تشكيل الخريطة المعرفية لشخص أو مدرسة أو حقبة تاريخية بقراءة تكاملية تحافظ على هيكل المعرفة وتوازناته، وكيف تحفر في البنية العميقة من عتمة اللاوعي بحثا عن الينابيع التي تتفجر منها أنهار الأدب والنقد والفكر، وهذا الاتجاه البحثي هو ما يمنح الدراسة بعدا معرفيا ومنهجيا يتجاوز وصف الحالة موضوع البحث إلى أثر الدكتور عبد الله الخباص في الدعوة إلى إعادة تشكيل الدراسات القطبية
تستعيد رواية "جاكاراندا" للكاتب والمغني الفرنسي ـ الرواندي غايل فاي جراح الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994، من خلال حكاية أجيال تتوارث آثار المأساة وأسئلتها المفتوحة، في عمل روائي يتجاوز سرد وقائع المجزرة إلى تفكيك ما تركته من ندوب في الذاكرة والعائلة والهوية؛ فبين رحلة ميلان، الفتى المولود في فرنسا لأب فرنسي وأم رواندية، وعودته إلى بلد والدته، تتكشف طبقات من الأسرار والصمت، ويصبح البحث عن الحقيقة مواجهة مع ماضٍ لا ينتهي بانتهاء الحرب، فيما تضع الرواية مفهوم المصالحة أمام امتحانه الأصعب: هل يمكن للغفران أن يكون ممكناً بعد الإبادة، وهل تستطيع المجتمعات أن تتصالح مع ماضيها من دون أن تواجه الحقيقة كاملة؟ ومن خلال هذا السؤال، يحوّل فاي المأساة الرواندية من واقعة تاريخية إلى تجربة إنسانية تتصل بذاكرة الحروب والإبادات في العالم، وتطرح الأدب بوصفه مساحة لاستعادة أصوات الضحايا ومقاومة النسيان.
تعد الرواية، التي صدرت عام 1948، آخر عمل روائي أكمله دازاي قبل وفاته، وهي نص شبه سيري مكثف يتناول اغتراب الإنسان وعجزه عن الاندماج في المجتمع، من خلال شخصية شاب يعلن عدم توافقه مع الجنس البشري، ويصور العالم باعتباره فضاء مملوءا بالرعب، والحياة نفسها بوصفها مصدرا للخطيئة.
تعود الحكايات الشعبية والأساطير القديمة إلى واجهة الأدب والفكر لا باعتبارها بقايا من زمن غابر، بل بوصفها أشكالاً سردية قادرة على تفسير الحاضر ومنح الإنسان أدوات لفهم مخاوفه وأسئلته الكبرى. فالحكاية التي ظلت طويلاً مرتبطة بالخيال والطفولة تكشف اليوم عن طاقة رمزية تجعلها أكثر قرباً من الواقع وأكثر التصاقاً بتجربة الإبداع الأدبي؛ إذ يجد فيها الكتّاب مادة لإعادة قراءة التاريخ والهوية والعلاقة بالطبيعة والسلطة والآخر. ومن هذا المنطلق تدعو الكاتبة البريطانية شارون بلاكي إلى استعادة الفولكلور بوصفه "دليلاً للحياة" لا مهرباً منها، وهي رؤية تلتقي مع تجارب واسعة في الأدب العربي المعاصر الذي جعل من الحكاية الشعبية والأسطورة وسيلة لمساءلة الواقع، وتحويل الموروث إلى لغة جديدة للبحث عن المعنى في أزمنة القلق والتحولات.
لا يقتصر أدب المناخ على الروايات التي تتناول الكوارث البيئية مباشرة، بل يشمل أيضاً الأعمال التي تستحضر ما يسميه النقاد "الزمن العميق"؛ أي النظر إلى تاريخ الأرض بوصفه إطاراً لفهم الحاضر، وهو ما يجعل رواية "الفم الأحمر" تنتمي إلى هذا الاتجاه من خلال ربطها بين المستنقعات الأيرلندية والذاكرة الجيولوجية وأسئلة الهوية والبيئة.
يفتح كتاب "فن المعارضة" للكاتب البريطاني كورتيا نيولاند نقاشاً جديداً حول علاقة الأدب بالسلطة والسوق، مقدماً دفاعاً عن استقلالية الإبداع في مواجهة الضغوط التجارية والمؤسساتية، ومؤكداً أن انفتاح الأدب الغربي على الهويات المتعددة أسهم في تجديد الثقافة وإثراء التجربة الحضارية، لا في إضعافها كما تروج بعض الخطابات المحافظة.
ليس كل كتاب عن الأدب يكون حديثًا عن النصوص وحدها، فبعض الكتب تتخذ من الأدب مدخلًا إلى أسئلة أوسع تتصل بالإنسان والمعنى والجمال. ومن هذا الأفق يأتي كتاب "الأدب الإسلامي.. بلاغ وبيان" للدكتور مصطفى شكري، الذي لا يكتفي بالدفاع عن حضور المرجعية الإسلامية في المجال الأدبي، بل يعيد طرح سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن أن تلتقي الرسالة بالجمال دون أن يتحول الأدب إلى خطاب مباشر، وكيف يمكن للفن أن يحتفظ بحريته وطاقته الإنسانية وهو يستند إلى رؤية إيمانية للوجود؟ وبينما ظل مفهوم "الأدب الإسلامي" لعقود موضوعًا لجدل نقدي بين من يراه تعبيرًا عن هوية حضارية ومن يتحفظ عليه باعتباره تضييقًا على التجربة الأدبية المفتوحة، يحاول الكتاب أن ينقل النقاش من سؤال المصطلح إلى سؤال القيمة، ومن معركة التصنيف إلى البحث في موقع الجمال داخل مشروع الإنسان وتطلعه إلى الحقيقة.
تواصل الرواية المكتوبة بالإنجليزية على أيدي كتّاب ينتمون إلى أصول عربية وإسلامية وأفغانية ترسيخ حضورها في المشهد الأدبي العالمي، متجاوزة سرديات الحرب والإرهاب واللجوء نحو مساءلة أكثر عمقاً لقضايا الهوية والانتماء والمنفى والحرية. وفي هذا السياق، تبرز رواية "لا إله إلا نحن" (No God But Us) للكاتب الأفغاني الأمريكي بوبق سيد بوصفها نموذجاً لهذا التحول، إذ تمزج بين التجربة الشخصية والتحولات السياسية الكبرى، وتعيد طرح أسئلة العلاقة بين الفرد والتاريخ، والوطن والمنفى، والدين والهوية، في عمل يفتح نافذة على مسار الأدب الأفغاني الحديث وتطور الكتابة الإنجليزية عن العالمين العربي والإسلامي، في وقت باتت فيه هذه الأعمال تشكل أحد أبرز ميادين الحوار الثقافي وإعادة تشكيل صورة المسلمين في الأدب العالمي.
في وقت تتعرض فيه الحياة الثقافية الفلسطينية لاختبارات قاسية بفعل الحرب والدمار، يواصل الأدباء والكتّاب في قطاع غزة الدفاع عن الذاكرة الإنسانية بالكلمة والإبداع. وفي هذا السياق، احتضنت مدينة النصيرات وسط القطاع فعالية ثقافية نظمها الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع "إيوان الأدب للثقافة"، لمناقشة وتوقيع المجموعة القصصية "تحت ظل السماء" للكاتبة الشابة ختام الربايعة، في أمسية جمعت أدباء ونقاداً ومهتمين بالشأن الثقافي، وشكلت مناسبة للاحتفاء بالسرد الفلسطيني بوصفه أداة لحفظ الحكاية الوطنية وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية في غزة رغم ظروف الحرب والحصار.