أغرتني
رواية "يوميات بهجة"
للروائي
الجزائري الحبيب السائح بأن أقترب من
الأدب الجزائري على نحو أكثر متابعة،
رغبة في استكشاف المشهد الروائي الجزائري من قرب، والوقوف على ما أنجزه كتّابه بعد
سنوات العشرية السوداء والصراع السياسي الدموي الذي ترك آثاره العميقة في المجتمع
والذاكرة والأفراد. وربما كان في هذه المتابعة شيء من الأمل أيضا: أن يكون الأدب
قد استطاع، بعد كل تلك السنوات، أن يحول جراح المرحلة من وقائع للصراع إلى مادة
للتأمل، وأن ينتقل من استعادة المأساة إلى مساءلة آثارها الإنسانية والاجتماعية.
لكن الاقتراب من هذا الأدب لم يكن سهلا
دائما. فقد وجدت صعوبة كبيرة في الوصول إلى الرواية الجزائرية في أصلها، بسبب
البعد الجغرافي أولا، على الرغم من أن لندن ظلت، تاريخيا، واحدة من العواصم
الغربية الأكثر قربا من العالم العربي والأقدر على الوصول إلى جانب مهم من
إبداعاته. ومع تعذر الوصول المباشر إلى "حصّاد الرمال"، اضطررت إلى
الاستعانة بما تتيحه وسائل الاتصال الحديثة من طرق غير تقليدية للوصول إلى
محتواها، إلى جانب تتبع ما كتب عنها في الإعلام الجزائري، وما نشرته صحيفة عربية
دولية في لندن قبل نحو ثلاثة أعوام في تقديم احتفائي بالرواية، ثم ما كتب عنها
لاحقا من قراءات ومتابعات.
ولعل هذه المسافة نفسها بين القارئ والنص
كانت باعثا إضافيا على الفضول: ماذا تكتب الرواية الجزائرية اليوم عن مرحلة ظلت
حاضرة في الذاكرة؟ وهل استطاعت أن تنقل العشرية السوداء من كونها جرحا سياسيا
مفتوحا إلى مساحة أدبية تسمح بالتأمل وتعدد الأصوات؟
وفي سياق هذه الرغبة، لفتني عنوان روائي
شديد الإيحاء: "حصّاد الرمال" لمحمد ساري. والعنوان، قبل الدخول إلى
الرواية، يستوقف القارئ من الناحية اللغوية والدلالية. فـ "الحصّاد" ليس
"الحصاد"؛ إنه الفاعل، الشخص الذي يحصد، على وزن "فعّال". لكن
ماذا يفعل الحصّاد حين تكون الأرض التي يعمل فيها من الرمل؟ ماذا يمكن أن يحصد من
شيء لا يُعرف عنه أنه ينبت محصولا، ولا أنه يستقر في اليد، بل يتبدد ويتسرب منها؟
بين تعدد الذاكرات واحترام آلام الضحايا، يمكن للأدب أن يؤدي وظيفة أكثر إنسانية: أن يساعد المجتمع على تذكر ماضيه من دون أن يبقى أسيرا له.. وربما تكون هذه، في النهاية، إحدى أهم وظائف "حصّاد الرمال": ألا تقدم لنا ذاكرة مغلقة، بل أن تترك في أيدينا حفنة من الأسئلة، لعلنا نعرف كيف نحملها من دون أن تتحول الرمال مرة أخرى إلى جدار يفصل بين الناس.
هنا تبدو المفارقة التي يحملها العنوان أكثر
إثارة: حصّاد لا يواجه حقلا خصبا، وإنما الرمال.. ومن ثم يمكن أن يصبح السؤال عن "الحصّاد"
سؤالا عن الإنسان الذي يحاول أن يستخرج شيئا من أرض الذاكرة القاحلة، أو عن مجتمع
يحاول أن يجني معنى من سنوات لم تترك وراءها ثمرا واضحا بقدر ما تركت شظايا
وذكريات وخسارات.
ولعل "الرمال" نفسها تصلح استعارة
لما خلفته سنوات العنف: أشياء كثيرة مرت من بين الأصابع، وذاكرة يصعب الإمساك بها،
وحياة حاول أصحابها أن يعيدوا ترتيبها بعد أن تبدد الكثير منها.
ومن هذه المفارقة أردت أن أقرأ "حصّاد
الرمال": لا باعتبارها رواية عن الإرهاب فحسب، ولا بحثا عن إدانة أو تبرئة،
وإنما بوصفها محاولة لاستعادة زمن العنف من خلال آثاره في الشخصيات والمجتمع. ماذا
بقي من تلك السنوات؟ وما الذي يستطيع الأدب أن يستعيده منها؟ وهل يستطيع أن يحصد
من رمال الذاكرة شيئا يتجاوز استعادة الجراح نفسها؟
وربما يكون السؤال الذي يرافق هذه
القراءة
هو: من هو حصّاد الرمال؟ وماذا يحصد حين تكون الأرض التي يعمل فيها هي الذاكرة؟
من إدانة الإرهاب إلى توسيع مساحة السؤال
ليست المعضلة النقدية في رواية "حصّاد
الرمال" للروائي الجزائري محمد ساري أنها تدين الإرهاب؛ فالإرهاب، أيا كانت
هويته أو مرجعيته، وأيا كان من يمارسه أو يوفر له الغطاء، يظل فعلا مدمرا للإنسان
والمجتمع، وتظل إدانة قتل المدنيين واستهداف الأبرياء موقفا أخلاقيا لا يحتاج إلى
كثير من الالتباس. لكن السؤال الأدبي يبدأ من مكان آخر: كيف
اختارت الرواية أن تنظر إلى هذه التجربة؟ وما المساحات التي فتحتها أمام القارئ،
وتلك التي تركتها في منطقة الصمت أو الاحتمال؟
فالرواية التي تقترب من العنف السياسي لا
تُقاس فقط بوضوح موقفها الأخلاقي من الجريمة، وإنما أيضا بقدرتها على استيعاب
تعقيد التجربة الإنسانية التي أنتجتها، وعلى الإصغاء إلى تعدد الأصوات والذاكرات
التي خلفتها.
ومن هنا تبدو "حصّاد الرمال"
مناسبة لفتح نقاش أوسع حول الطريقة التي يمكن للأدب أن يتعامل بها مع إحدى أكثر
مراحل التاريخ الجزائري الحديث إيلاما، من دون أن يتحول إلى محاكمة سياسية، أو إلى
تكرار لرواية واحدة عن المأساة.
فالأدب ليس مطالبا بتقديم تفسير نهائي
للتاريخ، ولا بإصدار الأحكام على أطرافه، لكنه يستطيع أن يفعل شيئا ربما يكون أكثر
أهمية: أن يبقي الأسئلة مفتوحة، وأن يمنح الذاكرة أكثر من صوت، وأن يتيح للقارئ
رؤية ما وراء الوقائع المباشرة.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الأدب مطالب
بالوقوف في منطقة رمادية أخلاقيا أمام العنف. يستطيع النص أن يدين القتل، وأن
ينحاز إلى الضحية، وأن يرفض الإرهاب بوضوح، وفي الوقت نفسه يترك مساحة للتساؤل حول
الظروف الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي أحاطت بتلك المرحلة. فالانحياز الأخلاقي ضد
الجريمة لا يستلزم اختزال التاريخ.
الغنائم بوصفها ذاكرة أخرى للعنف
من أكثر المسارات إثارة في الرواية انتقال
جزء من الحكاية من الصراع السياسي المباشر إلى ما خلّفه ذلك الصراع من مصالح
وعلاقات متشابكة. فبعد عودة فيصل بوسكين من الجبل، تتجه الأحداث إلى الأموال التي
تركها لدى شركائه، ثم إلى الحافلة المسروقة والشرطة، وما يتصل بذلك من مطاردات
وذاكرة ومصالح.
هنا تظهر "الغنائم" بوصفها أثرا
آخر من آثار العنف. فالصراع لا ينتهي بالضرورة بانتهاء المواجهة المسلحة؛ قد يستمر
في صورة أموال، أو علاقات مكسورة، أو شكوك متبادلة، أو محاولات لاستعادة ما ضاع،
أو صراع على ما تركه الماضي وراءه.
وهذه الزاوية تمنح الرواية إمكانية مهمة: أن
تنقل العنف من صورته المباشرة إلى آثاره اليومية. فالمجتمع الذي عاش سنوات من
الخوف لا يخرج منها بمجرد توقف الرصاص؛ إذ تبقى آثارها في العلاقات، وفي الثقة،
وفي الاقتصاد، وفي صورة الآخر، وفي الطريقة التي يعيد بها الأفراد تفسير ماضيهم.
لكن هذا المسار يفتح، في المقابل، سؤالا
نقديا آخر: ماذا يحدث حين تصبح آثار العنف أكثر حضورا من الأسئلة التي قادت إليه؟ ففي
خلفية شخصية فيصل، ثمة صعود إلى الجبل ارتبط بالفقر والإحساس بالظلم. وهنا تظهر
مساحة سردية كان يمكن أن تكون أكثر اتساعا للتأمل في الكيفية التي يمكن أن تتحول
بها المظالم الاجتماعية والسياسية إلى غضب، ثم إلى احتجاج، ثم إلى عنف مسلح، وكيف
يمكن للقناعات أن تتغير داخل الجماعات المغلقة تحت ضغط الخوف والعزلة والتعبئة. ليس المقصود من ذلك البحث
عن تبرير للعنف، وإنما فهم المسار الذي يقود الإنسان إليه.
والرواية ليست مطالبة بأن تتحول إلى كتاب في
التاريخ السياسي، ولا إلى دراسة في علم الاجتماع السياسي. بل ربما تكمن قوتها
تحديدا في قدرتها على طرح هذه الأسئلة من خلال الشخصيات، ومن خلال ما تقوله وما
تخفيه، وما تتذكره وما تحاول نسيانه.
الشخصيات حين تصبح أكثر من مواقف
لعل إحدى المهام الأساسية للرواية التي
تتناول مرحلة عنيفة هي ألا تسمح للشخصيات بأن تتحول إلى مجرد مواقع ثابتة في
معادلة سياسية أو أخلاقية.
الشخصية الروائية الأكثر إثارة هي التي تحمل
تناقضاتها داخلها. وفي حالة فيصل، يمكن أن يكون الماضي والحاضر في صراع مستمر:
ماضٍ يبحث عن تبرير، وحاضر يحاول أن يعيش، وذاكرة لا تسمح له بسهولة بأن يبدأ من
الصفر.
وهنا يصبح السؤال أكثر إنسانية: ماذا يفعل
الإنسان بماضيه حين ينتهي الصراع الذي شارك فيه؟ وهل يمكن لمن حمل السلاح أن يعود
ببساطة إلى حياته السابقة؟ وهل تكفي العودة الجغرافية من الجبل إلى المدينة لكي
تعني عودة كاملة إلى الحياة؟ هذه الأسئلة لا تبرئ أحدا، لكنها تجعل الشخصية أكثر
من مجرد حكم أخلاقي جاهز.
والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على بقية
الشخصيات. فالضحية ليست فقط مطالبة بالقصاص، والمسلح السابق ليس فقط متهما،
والشرطي ليس بالضرورة تجسيدا لسلطة واحدة، والمجتمع ليس كتلة واحدة متجانسة.
التعدد هنا لا يعني تبرئة أحد، وإنما يعني
منح الأدب فرصة للنظر في الإنسان قبل أن يتحول إلى موقع في معادلة سياسية أو
أخلاقية. وربما يكون هذا أحد الفروق
المهمة بين الأدب والخطاب السياسي:
السياسة تحتاج أحيانا إلى الموقف، بينما يستطيع
الأدب أن يحتمل التناقض.
العشرية السوداء.. ذاكرة متعددة لا رواية
واحدة
حين نستعيد العشرية السوداء اليوم، فإننا لا
نستعيد ذاكرة واحدة، وإنما مجموعة من الذاكرات المتجاورة والمتعارضة أحيانا. هناك ذاكرة الضحايا
وعائلاتهم، وذاكرة الناجين، وذاكرة من حملوا السلاح، وذاكرة عائلاتهم، وذاكرة رجال
الأمن، وذاكرة من عاشوا سنوات الخوف من دون أن يكونوا طرفا مباشرا في الصراع. كل واحدة من هذه الذاكرات
تحمل جزءا من الحقيقة الإنسانية للتجربة، لكنها لا تختزلها كلها.
ليست المعضلة النقدية في رواية "حصّاد الرمال" للروائي الجزائري محمد ساري أنها تدين الإرهاب؛ فالإرهاب، أيا كانت هويته أو مرجعيته، وأيا كان من يمارسه أو يوفر له الغطاء، يظل فعلا مدمرا للإنسان والمجتمع، وتظل إدانة قتل المدنيين واستهداف الأبرياء موقفا أخلاقيا لا يحتاج إلى كثير من الالتباس. لكن السؤال الأدبي يبدأ من مكان آخر: كيف اختارت الرواية أن تنظر إلى هذه التجربة؟ وما المساحات التي فتحتها أمام القارئ، وتلك التي تركتها في منطقة الصمت أو الاحتمال؟
ومن هنا يمكن للأدب أن يؤدي وظيفة لا يستطيع
الخطاب السياسي أن يؤديها بسهولة: أن يسمح لهذه الذاكرات بأن تتجاور داخل مساحة
واحدة، حتى حين لا تتفق. فالمجتمع الذي مرّ بتجربة عنيفة لا يحتاج بالضرورة إلى ذاكرة واحدة
موحدة بقدر ما يحتاج إلى القدرة على الاعتراف بتعدد ذاكرتـه.
وهنا أيضا يصبح التعامل مع علاقة الدولة
بالعنف مسألة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر في العمل الأدبي والنقدي على السواء.
فالتجربة الجزائرية شديدة التعقيد، والشهادات حولها متعددة، والقراءات التي قدمت
لها خلال العقود الماضية ليست متطابقة.
لذلك لا ينبغي أن تتحول الإشارة إلى أدوار
مؤسسات الدولة أو أدائها خلال تلك المرحلة إلى أحكام نهائية من دون سند، كما لا
ينبغي أن يؤدي التركيز على جرائم الجماعات المسلحة إلى إغلاق باب الأسئلة المتعلقة
بأداء الدولة ومؤسساتها.. المسألتان يمكن أن تتعايشا..
إدانة جرائم الجماعات المسلحة لا تستدعي
تجاهل الأسئلة حول أداء مؤسسات الدولة، ومساءلة الدولة لا ينبغي أن تقلل من فداحة
الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين..
وهذه ربما إحدى أصعب النقاط في كتابة
الذاكرة: أن نعترف بالضحايا من دون أن نستخدمهم لإسكات بقية الأسئلة، وأن نطرح
الأسئلة السياسية والتاريخية من دون أن نستخدمها لتخفيف مسؤولية من ارتكبوا
الجرائم.
الأدب بين الذاكرة والانقسام
هنا تحديدا تظهر مسؤولية الأدب والنقد معا. فحين يتناول الأدب ذاكرة
عنيفة، فإنه يستطيع أن يكون مساحة للالتقاء، لكنه يستطيع أيضا، من دون قصد، أن
يعيد إنتاج الاصطفافات القديمة إذا اختزل التجربة في ثنائية بسيطة: طرف يمثل
الخير، وطرف يمثل الشر، ثم تُختصر سنوات كاملة من التاريخ في هذه الثنائية.
المشكلة ليست في أن يكون للأدب موقف أخلاقي.
بل على العكس، يستطيع الأدب أن يدين القتل، وأن ينحاز إلى الإنسان، وأن يرفض العنف
بكل أشكاله. لكن الموقف الأخلاقي لا
ينبغي أن يتحول إلى اختزال للتاريخ.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة "حصّاد
الرمال" بوصفها محاولة لاستعادة مرحلة من الذاكرة الجزائرية من خلال شخصياتها
ومساراتها، لا باعتبارها الكلمة الأخيرة في تفسير تلك المرحلة.
فليس من العدل أن نطالب الرواية بأن تكون
وثيقة تاريخية، كما ليس من المفيد أن نحولها نحن، بوصفنا قراء ونقادا، إلى وثيقة
سياسية لإثبات موقف سبق أن اتخذناه.
الرواية ليست محكمة، ولا جهازا أمنيا، ولا
كتاب تاريخ. إنها، في جوهرها، مساحة
للتجربة والشك والتذكر والنسيان. ولذلك فإن السؤال النقدي الأكثر فائدة ليس: "هل قالت الرواية كل
شيء؟ فلا رواية تستطيع أن تقول كل شيء.
السؤال الأجدى هو: ماذا جعلتنا الرواية نرى؟
وماذا دفعتنا إلى التفكير فيه؟ وما الذي يمكن أن نضيفه نحن، بوصفنا قراء، إلى
المساحات التي تركها السرد مفتوحة؟
من الرواية التي تروي إلى الرواية التي تفتح
الأسئلة
تنبع أهمية "حصّاد الرمال"، في
جانب منها، من أنها تعيد العشرية السوداء إلى المجال الأدبي، وتستعيد آثارها على
الأفراد والمجتمع، لا باعتبارها حدثا انتهى، وإنما باعتبارها تجربة ما زالت حاضرة
في الذاكرة. وهذا بحد ذاته مهم.
لكن القراءة النقدية لا تحتاج إلى أن تتحول
إلى إدانة للرواية حتى تسأل عمّا كان يمكن أن تضيفه لو اتسعت أكثر لتعدد الذاكرات
والأصوات. فالنقد الأدبي لا يبدأ حين
يقول "هذه الرواية مخطئة"، وإنما حين يسأل: لماذا اختارت الرواية هذه
الزاوية؟ وماذا أضاء هذا الاختيار؟ وماذا جعلنا لا نراه بالوضوح نفسه؟
وهذا السؤال لا ينتقص من الرواية، بل يأخذها
على محمل الجد. إن استعادة مرحلة مثل
العشرية السوداء لا ينبغي أن تكون مجرد إعادة إنتاج للصدمة. الأهم أن نحاول فهم ما
فعلته تلك السنوات بالمجتمع كله. ماذا فعلت بالثقة بين الناس؟ ماذا فعلت بصورة الآخر؟ ماذا فعلت
بالعائلات؟ ماذا فعلت بمن حملوا السلاح ثم عادوا إلى الحياة المدنية؟ ماذا فعلت
بمن فقدوا أحبة لهم؟ وماذا فعلت أيضا بمن عاشوا الخوف من دون أن يكونوا جزءا
مباشرا من الصراع؟
هذه الأسئلة تتجاوز الشخصيات المفردة، لتصل
إلى المجتمع الذي بقي يحمل آثار تلك المرحلة حتى بعد انحسار العنف. وهنا ربما يكون الخطر
الحقيقي في التعامل الأدبي مع الذاكرة العنيفة ليس في إدانة الإرهاب، ولا في
مساءلة السلطة، ولا في الدفاع عن الضحايا.
ما الذي يمكن أن يحصده مجتمع من سنوات العنف؟ ربما لا يكون المحصول رواية مكتملة عن الماضي. ربما يكون القدرة على الاعتراف بتعدده. أن نعرف أن هناك ضحايا متعددين، وذاكرات متعددة، وتجارب إنسانية لا تتطابق، وأن نسمح لها بأن توجد من دون أن نجبرها على الانصهار في رواية واحدة.
الخطر يكمن في أن تتحول هذه الأسئلة نفسها
إلى أدوات لإعادة تقسيم المجتمع إلى معسكرات ثابتة، بحيث يصبح الماضي حاضرا دائما
بوصفه مناسبة جديدة للاصطفاف. فالأدب في أفضل حالاته لا يغلق الذاكرة على رواية واحدة، ولا يحول
الجراح القديمة إلى حدود جديدة بين الناس. إنه يوسع الفهم.
والاعتراف بالضحايا لا يتعارض مع البحث في
الأسباب، ومساءلة السلطة لا تلغي إدانة الجريمة، وفهم الماضي لا يعني تبرئة أحد
ولا إدانة الجميع. بل ربما يكون الفهم العميق
هو الطريق الوحيد الذي يسمح للمجتمع بأن يتذكر من دون أن يعيد إنتاج الصراع في كل
مرة يستعيد فيها ذاكرته.
من يحصد الرمال؟
ربما يعود بنا ذلك كله إلى العنوان: "حصّاد
الرمال".. من هو هذا الحصّاد الذي يبحث عن محصول في أرض لا تنبت شيئا؟ ربما
يكون شخصية من شخصيات الرواية. وربما يكون المجتمع كله. وربما يكون الإنسان الذي
يحاول، بعد سنوات العنف، أن يستخرج من ذاكرته شيئا يمكن أن يبني عليه حياة جديدة.
فالرمال لا تمنح الحصّاد ثمرا سهلا. إنها
تتفلت من اليد، وتعيد تشكيل نفسها مع كل حركة، ولا تسمح لمن يلاحقها بأن يثبتها في
صورة نهائية. وهكذا تبدو الذاكرة أيضا. كلما ظننا أننا أمسكنا
بها، ظهرت ذاكرة أخرى، وشهادة أخرى، ووجه آخر من وجوه الحكاية.
ولذلك ربما لا يكون السؤال عن "الحصّاد"
بحثا عن شخص بعينه، وإنما عن الإنسان الذي يحاول أن يحصد معنى من تجربة لم تنتج
سوى الخسارات.
ما الذي يمكن أن يحصده مجتمع من سنوات
العنف؟ ربما لا يكون المحصول رواية مكتملة عن الماضي. ربما يكون القدرة على
الاعتراف بتعدده. أن نعرف أن هناك ضحايا متعددين، وذاكرات متعددة، وتجارب إنسانية لا
تتطابق، وأن نسمح لها بأن توجد من دون أن نجبرها على الانصهار في رواية واحدة.
ومن هنا يمكن أن تصبح "حصّاد الرمال"
أكثر من رواية تستعيد مرحلة من تاريخ الجزائر الحديث؛ يمكن أن تكون مدخلا إلى سؤال
أكبر عن علاقة الأدب بالذاكرة، وعن قدرته على الاقتراب من الجرح من دون أن يحوله
إلى حدود جديدة.
فالأدب لا يستطيع أن يغير ما حدث، ولا أن
يعيد الموتى، ولا أن يمحو آثار العنف. لكنه يستطيع أن يمنحنا طريقة أخرى للنظر إلى ما حدث. وبين ما يقوله السرد وما
يصمت عنه، تتشكل مساحة النقد.
وبين تعدد الذاكرات واحترام آلام الضحايا،
يمكن للأدب أن يؤدي وظيفة أكثر إنسانية: أن يساعد المجتمع على تذكر ماضيه من دون
أن يبقى أسيرا له.. وربما تكون هذه، في النهاية، إحدى أهم وظائف "حصّاد
الرمال": ألا تقدم لنا ذاكرة مغلقة، بل أن تترك في أيدينا حفنة من الأسئلة،
لعلنا نعرف كيف نحملها من دون أن تتحول الرمال مرة أخرى إلى جدار يفصل بين الناس.