من زنزانة في سجن تدمر إلى قاعات جامعة
هارفارد، تمتد
سيرة الدكتور براء السراج على مسافة أحد عشر عاماً من الاعتقال
والتعذيب والحرمان، ثم سنوات أخرى من الاغتراب وإعادة بناء الحياة. في كتابه "من
تدمر إلى هارفارد: رحلة سجين عديم الرأي"، الصادر عن "دار الفكر"
في دمشق، لا يروي السراج قصة نجاة شخصية فحسب، بل يقدم شهادة على مرحلة شديدة
القسوة من تاريخ
سوريا الحديث، حين تحولت السجون إلى أداة لإسكات جيل كامل من
المعارضين والطلاب والمثقفين.
ويقع الكتاب في نحو 392 صفحة، ويجمع بين
السيرة الذاتية والشهادة التاريخية والوثيقة، مستنداً إلى سرد التجربة الشخصية
وإلى صور ووثائق وخرائط تتصل بعالم السجون الذي عاشه المؤلف. وتقدم دار الفكر
الكتاب باعتباره شهادة على تجربة سجين سياسي أمضى أحد عشر عاماً في معتقلي تدمر
وصيدنايا، قبل أن يبدأ مساره العلمي في الولايات المتحدة ويصل إلى جامعة هارفارد.
اعتقال طالب في الحادية والعشرين
كان براء السراج في الحادية والعشرين من
عمره، طالباً في السنة الثانية بكلية الهندسة الكهربائية في جامعة دمشق، عندما
اعتُقل في 5 مارس/آذار 1984. وبحسب روايته، كان متوجهاً إلى كليته حين شاهد
طابوراً من الطلاب يخضعون للتفتيش على أيدي عناصر الأمن العسكري، قبل أن يجد نفسه
واحداً ممن جرى اقتيادهم إلى الاعتقال.
وتقول الرواية التي قدمها السراج لاحقاً إن
سبب اعتقاله كان اتهامه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين بسبب صلاته بالمسجد،
وهي تهمة قال إنها طالت عدداً كبيراً من المعتقلين في تلك المرحلة.
ومنذ لحظة الاعتقال، تبدأ في الكتاب رحلة
تتجاوز معنى السجن التقليدي. فالاعتقال، كما يقدمه السراج، لم يكن مجرد حرمان من
الحرية، وإنما محاولة لاقتلاع الإنسان من حياته السابقة: من الجامعة، والأسرة،
والمستقبل الذي كان يتشكل أمام شاب في بداية العشرينيات.
تدمر.. تسع سنوات في «جحيم» مغلق
قضى السراج تسع سنوات في سجن تدمر، قبل أن
ينقل إلى صيدنايا حيث أمضى ثلاث سنوات أخرى. وتصف شهادته التعذيب الجسدي والنفسي،
والتجويع، ونقص الرعاية الطبية، والظروف القاسية التي عاشها المعتقلون.
من تدمر إلى هارفارد، لا يرسم براء السراج خطاً مستقيماً بين السجن والنجاح، بل يكشف عن مسار طويل من الخسارة وإعادة البناء. ولذلك فإن كتابه، في جوهره، ليس فقط عن أحد عشر عاماً خلف القضبان، وإنما عن السنوات التي كان على صاحبها أن يستعيد فيها، خطوة خطوة، حقه في أن يبدأ من جديد.
وفي حديث سابق عن تجربته، استعاد السراج
تفاصيل التحقيق والتعذيب منذ الأيام الأولى لاعتقاله، مشيراً إلى أن الضرب
والإغماء والجروح والتجويع ونقص الأدوية كانت جزءاً من الحياة اليومية للمعتقل.
كما تحدث عن انتقاله من حماة إلى دمشق ثم إلى تدمر، قبل أن يصل لاحقاً إلى صيدنايا.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن في إعادة سرد
وقائع التعذيب باعتبارها مشاهد صادمة فقط؛ فالكاتب يحاول أن يضعها في سياقها
السياسي والاجتماعي، وأن يشرح كيف كان السجن منظومة كاملة لإلغاء الفرد وتحويله
إلى مجرد رقم.
وهنا تكتسب عبارة "سجين عديم الرأي"
الواردة في عنوان الكتاب دلالتها الأوسع. فالمقصود ليس فقط شخصاً حُرم من إبداء
رأيه، وإنما إنسان عوقب في الأساس على احتمال امتلاكه رأياً مستقلاً.
حين يصبح السجن مدرسة
إحدى أكثر المفارقات حضوراً في تجربة السراج
أن السنوات التي كان يفترض أن تدمر مستقبله تحولت، في جانب منها، إلى مرحلة لتكوين
آخر.
فبعد حرمانه من الجامعة، حاول أن يتعلم داخل
السجن بما توافر له من إمكانات، مستفيداً من وجود معتقلين من أصحاب الخبرة
والثقافة. وتروي المصادر التي تناولت تجربته أنه سعى خلال سنواته في تدمر إلى
اكتساب المعارف، وأن السجن تحول، رغم قسوته، إلى فضاء لتبادل المعرفة بين عدد من
المعتقلين.
هذه النقطة تمنح الكتاب بعداً يتجاوز سردية
الضحية. فالسراج لا يقدم نفسه باعتباره جسداً تعرض للتعذيب وحسب، وإنما باعتباره
إنساناً حاول الحفاظ على الجزء الذي أراد السجن انتزاعه منه: القدرة على التفكير
والتعلم والتطلع إلى المستقبل.
ومن هنا تصبح المعرفة في الكتاب شكلاً من
أشكال المقاومة، لا بمعنى المواجهة المباشرة، وإنما بمعنى رفض أن تكون السنوات
المسروقة نهاية للحياة.
الأسرة.. سجن آخر خارج الأسوار
ولا تتوقف السيرة عند ما عاشه المعتقل داخل
الزنزانة. فثمة فصل آخر من المعاناة عاشته الأسرة التي بقيت خارج السجن تبحث عن أي
معلومة حول مصير ابنها.
وتشير المادة التعريفية للكتاب إلى أن
الأسرة بذلت جهوداً طويلة للبحث عن أخبار السراج عبر جهات ومنظمات دولية وشخصيات
معروفة، في ظل الغموض الذي أحاط بمصيره.
وهنا يوسع الكتاب مفهوم الاعتقال: فالسجن لا
يطاول المعتقل وحده، وإنما يمتد أثره إلى عائلته، التي تعيش سنوات من الانتظار بين
احتمال الموت واحتمال الإفراج، من دون معرفة واضحة بمكان وجوده أو مصيره. وهذه واحدة من أكثر طبقات
أدب السجون إيلاماً: أن يصبح الغياب نفسه أداة للعقاب.
19 نوفمبر 1995..
الخروج من السجن لا يعني انتهاء السجن
خرج السراج من السجن في 19 نوفمبر/تشرين
الثاني 1995، بعد نحو أحد عشر عاماً من الاعتقال. لكن الكتاب لا يتعامل مع لحظة
الإفراج بوصفها خاتمة سعيدة للحكاية.
فالإنسان الذي يخرج بعد أكثر من عقد خلف
القضبان لا يعود ببساطة إلى النقطة التي توقف عندها قبل الاعتقال. لقد تغير الزمن،
وتغيرت البلاد، وتغير هو نفسه.
ويكشف السراج أن آثار التجربة ظلت حاضرة بعد
عقود من الإفراج؛ ففي حديثه عن الكتاب استعاد تفاصيل حسية دقيقة من تدمر، من شكل
الجدران الصفراء إلى أصوات الطائرات وصيحات الحراس، كما استعاد من صيدنايا روائح
وأصواتاً مرتبطة بسنوات الاعتقال. إنها ذاكرة لا تعمل كأرشيف مرتب، وإنما كصور وأصوات وروائح تقتحم
الحاضر. وهنا يتحول الكتاب من
وثيقة عن السجن إلى نص عن الذاكرة بعد السجن.
من النجاة إلى إعادة بناء الذات
بعد الإفراج، بدأت مرحلة جديدة من حياة
السراج خارج سوريا، قادته عبر تجربة الاغتراب والتنقل قبل أن يستقر في الولايات
المتحدة ويستأنف مساره الأكاديمي.
وتشير المصادر إلى أنه حصل لاحقاً على تخصص
في علم الأحياء والكيمياء، ثم واصل دراسته في الولايات المتحدة، وحصل على
الدكتوراه في علم المناعة عام 2006، قبل أن يعمل في المجال الأكاديمي والبحثي.
ومن هنا يأتي عنوان الكتاب: "من تدمر
إلى هارفارد.. إنه عنوان يحمل في داخله مفارقة تكاد تختصر السيرة كلها. تدمر تمثل
المكان الذي حاول فيه النظام إيقاف حياة شاب في الحادية والعشرين؛ وهارفارد تمثل،
في الطرف الآخر، استعادة الحق في التعلم وصناعة المستقبل.
لكن قيمة العنوان لا تكمن في المقارنة بين
مكانين متناقضين فقط، وإنما في المسافة الإنسانية التي تفصل بينهما: أحد عشر عاماً
من السجن، ثم سنوات من العمل والدراسة والمثابرة حتى استعادة المسار الذي انقطع في
1984.
من الانتقام إلى الكلام
لا يقدم السراج رحلته باعتبارها قصة انتقام
شخصي. ففي حديثه عن الكتاب قال إن كتابة ما حدث كانت، بالنسبة إليه، نوعاً من
استعادة القدرة على الكلام بحرية، وإنه رأى في القدرة على الحديث عن التجربة بعد
عقود شكلاً كافياً من الرد على النظام الذي سجنه.
وهذه الفكرة مهمة لفهم الكتاب. فأدب السجون لا يقتصر على
وصف ما حدث داخل الجدران؛ إنه أيضاً محاولة لاستعادة اللغة التي سعى السجن إلى
مصادرتها. المعتقل الذي كان ممنوعاً من الكلام يصبح بعد سنوات شاهداً، والشاهد
يتحول إلى مؤلف، والمؤلف يضع تجربته أمام قراء لم يعيشوا تلك المرحلة.
بهذا المعنى، فإن الكتاب ينتقل من الصمت
القسري إلى الكلام الحر.
ذاكرة تدمر وصيدنايا
تكتسب شهادة السراج أهمية خاصة اليوم لأنها
تعود إلى مرحلة مبكرة من تاريخ الاعتقال السياسي في سوريا، قبل عقود من انفجار
الاحتجاجات عام 2011 وما أعقبها من توسع هائل في ملف المعتقلين والمفقودين.
قيمة العنوان لا تكمن في المقارنة بين مكانين متناقضين فقط، وإنما في المسافة الإنسانية التي تفصل بينهما: أحد عشر عاماً من السجن، ثم سنوات من العمل والدراسة والمثابرة حتى استعادة المسار الذي انقطع في 1984.
وتقدم تجربة السراج صورة عن آليات القمع
التي سبقت تلك المرحلة بسنوات طويلة، وعن حضور السجون السياسية في الحياة السورية
منذ عهد حافظ الأسد.
وفي هذا السياق، لا يعود "من تدمر إلى
هارفارد" مجرد سيرة فردية، بل يصبح جزءاً من أرشيف أوسع لذاكرة المعتقلين
السوريين.
والمفارقة أن الكتاب الذي يروي تجربة شخصية
جداً يفتح الباب أمام سؤال جماعي: كم من قصص الاعتقال بقيت بلا شاهد؟ وكم من
المعتقلين الذين لم تتح لهم فرصة الخروج والكتابة؟
الكتابة بعد ثلاثين عاماً
لم تكن كتابة السيرة سهلة على صاحبها. فقد
قال السراج إن استعادة التجربة كانت تعني، في جانب منها، إعادة عيشها، وإن عملية
الكتابة التي استغرقت نحو خمس سنوات أثرت في مزاجه وجعلته أكثر ميلاً إلى الغضب،
لكنه اضطر إلى وضع العاطفة جانباً حتى يستطيع نقل الصورة إلى القارئ.
وهنا تظهر إحدى وظائف أدب الشهادة: أن يحاول
الكاتب أن يوازن بين حق الذاكرة في الغضب وحاجة الوثيقة إلى الدقة.
فإذا استسلمت السيرة للعاطفة وحدها، تحولت
إلى صرخة شخصية؛ وإذا جردت التجربة من عاطفتها، فقدت جزءاً من حقيقتها الإنسانية.
أما «من تدمر إلى هارفارد» فيحاول أن يقف بين الاثنين: أن يتذكر بوصفه ناجياً، وأن
يكتب بوصفه شاهداً.
ليست قصة نجاح فقط
قد يكون من السهل
قراءة الكتاب باعتباره قصة
نجاح استثنائية: شاب يدخل السجن في سن الحادية والعشرين، يخرج بعد أحد عشر عاماً،
ثم يسافر إلى الولايات المتحدة ويواصل تعليمه وصولاً إلى هارفارد.
لكن هذه القراءة، رغم جاذبيتها، تختزل
الكتاب. فالقيمة الأساسية للسيرة
لا تكمن في أن صاحبها وصل إلى جامعة مرموقة، وإنما في أنها تسأل سؤالاً أكثر
جوهرية: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد حياته بعد أن يحاول السجن أن يصادر مستقبله؟
هارفارد هنا ليست الجائزة النهائية في قصة
شخصية، بل رمز لاستعادة المسار الذي قطعه الاعتقال.
ولذلك فإن أقوى ما في الحكاية ليس المسافة
بين تدمر وهارفارد، وإنما القدرة على قطع هذه المسافة أصلاً.
شهادة ضد النسيان
في النهاية، يضع السراج تجربته الشخصية في
مواجهة النسيان. فبعد عقود من الخروج، يعود إلى السجن بالكتابة، لا ليعيش فيه من
جديد، وإنما ليمنع اختفاء ما حدث.
وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى وثيقة ذاكرة منه
إلى سيرة نجاح تقليدية. إنه يقول، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إن
السنوات التي تُسرق من الإنسان لا تختفي بمجرد انتهاء الاعتقال، وإن آثار التعذيب
لا تنتهي عند بوابة السجن، لكنها في الوقت ذاته لا تعني بالضرورة أن السجين يظل
أسير ماضيه إلى الأبد.
فالخروج الحقيقي، وفق هذه السيرة، لا يحدث
لحظة فتح باب الزنزانة فقط؛ وإنما يبدأ عندما يستعيد الإنسان قدرته على التعلم،
والعمل، والحلم، والكلام، وكتابة قصته بنفسه.
ومن تدمر إلى هارفارد، لا يرسم براء السراج
خطاً مستقيماً بين السجن والنجاح، بل يكشف عن مسار طويل من الخسارة وإعادة البناء.
ولذلك فإن كتابه، في جوهره، ليس فقط عن أحد عشر عاماً خلف القضبان، وإنما عن
السنوات التي كان على صاحبها أن يستعيد فيها، خطوة خطوة، حقه في أن يبدأ من جديد.