الكتاب: الأمة التونسية بين الأمس واليوم
الكاتب: الهادي البكوش
الناشر:مركز الناشر الجامعي تونس 2006
تعد مسألة بناء الأمة والهوية الوطنية من
المحاور الأساسية في الفكر السياسي التونسي الحديث، وخصوصًا في فترة ما بعد
الاستقلال، حيث لعبت مقولة الأمة التونسية دورًا مركزيًا في رسم ملامح الدولة
الوطنية وتعزيز سيادتها.
يركز هذا النص على الأمة التونسية كإطار
للهوية القطرية، مستعرضًا جذورها التاريخية، وتطورها السياسي، وعلاقاتها بالهوية
العربية والإسلامية، وأثر التجارب البورقيبية على تشكيل مفهوم الانتماء الوطني.
كما يوضح النص كيف أن تونس، رغم انتمائها
إلى الأمة العربية والإسلامية، حافظت على ذاتيتها واستقلاليتها، معتبرة هذا
التوازن بين القطرية والانتماءات الإقليمية والدينية أساسًا لاستقرار الدولة
الحديثة وكيانها السياسي.
هذا النص يمثل الجزء الأول من قراءة خاصة بـ
"عربي21" لكتاب: "الأمة التونسية بين الأمس واليوم" للكاتب
التونسي الهادي البكوش، بقلم الكاتب والباحث التونسي توفيق المدني.
الأمة التونسية..
تعَدُّ الأمة التونسية إحدى المقولات
الرئيسة للفلسفة السياسية البورقيبية ،
التي تستند إلى البراغماتية، المرحلية، الواقعية السياسية والاقتصادية، إثبات
الهوية القومية التونسية، الليبرالية، الإسلام، "المؤمم" والمراقب من
قبل الدولة، والاستقلالية إزاء الجوار العربي. وتتميز البورقيبية بالعلاقة
المتوتِّرة مع الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي، فقد كان الصراع على أشده
بين القومية العربية، والهوية العربية الإسلامية، وبورقيبة الأنموذج الأبرز للحكام
العلمانيين في المنطقة العربية والإسلامية. ولا زال لهذا الصراع تبعاته وتداعياته
تتوارثه النخب التونسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية و السياسية والثقافية.
شكلت هزيمة المشروع القومي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني و المشروع الإمبريالي الأمريكي، وتمزيق الوحدة القومية للأمة العربية، وفشل المشاريع الوحدوية العربية في المشرق العربي، وإخفاق الوحدة التونسية- الليبية في يناير1974، فشل اتفاقية حاسي مسعود الوحدوية بين ليبيا والجزائر في ديسمبر 1975، وقطع العلاقات بين الجزائر والمغرب في مارس 1976، وصولاً الى أحداث قفصة يناير1980، قناعات إضافية على تمسك بورقيبة بمقولة الأمة التونسية.
لا جدال في طبيعة شخصية بورقيبة وولاءاته
الفكرية والثقافية للغرب ، فقد عنه أحد العارفين بشؤون العالم العربي،ا لديبلوماسي
الأمريكي روبار ميرفي: "لم ألتق خارج فرنسا برجل أكثر فرنسة من بورقيبة في
العالم العربي، ولم أجد أحداً عربياً أقل عروبة منه". ولم يكن بورقيبة يتحرج
من إعلان ارتباط حاضر ومستقبل تونس المستقلة بفرنسا والغرب وضرورة القطع مع العمق
العربي عنوان التخلف والتأخر عن الأخذ بأسباب التقدم، فكان يصرح متحدياً المشاعر
القومية للشعوب العربية:"أن ما يربطنا بالعرب ليس إلا من قبيل الذكريات
التاريخية، وأن مصلحة تونس أن ترتبط بالغرب وفرنسا بصورة خاصة وأن مارسيليا أقرب
لنا من بغداد أودمشق أو القاهرة.وقال أيضاً: إنَّ اجتياز البحر الأبيض المتوسط
لأسهل من اجتياز الصحراء الليبية، ولم ير مصير شعوب المغرب العربي إلا ضمن دائرة
النفوذ الغربي وفرنسا تحديداً، حيث قال سنة 1957 ، شعوب أفريقيا الشمالية ستظل
مرتبطة بفرنسا ثقافياً وجغرافياً واقتصادياً.
كان بورقيبة حليفاً فكريًا وثقافيًا للغرب
ولكن لم يكن عميلاً سياسيًا، فلقد كان بورقيبة من أوائل السياسيين العرب الذين
رحبوا بالسياسة الأمريكية في المنطقة، ففي خطاب ألقاه في شهر مايو 1968م، قال إنَّنا نعتبر أن نفوذ الولايات المتحدة
الأمريكية يشكل عنصر استقرار يحمي العالم من الأنظمة الاستبدادية. ويكاد يندهش
المرء من التبسيط الفج الذي يطبع مبررات البورقيبيين التي يسوقونها لشرعنة تحالف
دولة بورقيبة الاستراتيجي مع الأمريكيين من قبيل أن الصداقة مع الولايات المتحدة
هي صمام أمان يجنّب البلاد الاهتزازات والتدخلات الأجنبية، فهي وإن كانت تشترك مع
الدول الأوروبية في ذات الثقافة الليبرالية والقيم المرجعية، فهي لم يكن لها ماض
استعماري! وبعيدة جداً جغرافياً لكي يكون لها أطماع أو تغامر بفرض الاحتلال
العسكري والسياسي على تونس!
وهذا المسوغ في حقيقة الأمر مناف للحقيقة،
فقد أقدمتْ أمريكا ومنذ 1898 على التدخل في كوبا واحتلال بورتوريكو والفليبين
واستمر احتلالها لها إلى غاية سنة 1946. وترافق استعمارها لها بمجازر اقترفت ضد السكان
المحليين أودت بحياة بين 200.000 و600000ضحية. ومنذ أواخر القرن 19 اعتبر الساسة
الأمريكيون النصف الغربي وأمريكا اللاتينية بشكل خاص محمية أمريكية محجَّرة على
الأوروبيين وفق مبدأ"مونرو".
الأمة التونسية مرجعيتها في الفكر البورقيبي
شكلت هزيمة المشروع القومي العربي في مواجهة
المشروع الصهيوني و المشروع الإمبريالي الأمريكي، وتمزيق الوحدة القومية للأمة
العربية، وفشل المشاريع الوحدوية العربية في المشرق العربي، وإخفاق الوحدة
التونسية- الليبية في يناير1974، فشل اتفاقية حاسي مسعود الوحدوية بين ليبيا
والجزائر في ديسمبر 1975، وقطع العلاقات بين الجزائر والمغرب في مارس 1976، وصولاً
الى أحداث قفصة يناير1980، قناعات إضافية على تمسك بورقيبة بمقولة الأمة التونسية.
بالنسبة للعلاقات بين بورقيبة ومصر، فقد شاب
علاقات تونس المستقلة بمصر الناصرية قدر كبير من التوتر ردحاً طويلاً من الزمن.
فبالرغم من انتقال مركز الثقل القيادي للحزب الدستوري الجديد إلى القاهرة بين 1945
و1949 مع نشوء جامعة الدول العربية ومكتب تحرير المغرب العربي بالقاهرة ومع
استقرار الحبيب بورقيبة بها خلال هذه المدة وكذلك الحبيب ثامر والطيب سليم وحسين
التريكي والرشيد ادريس بغية الانطلاق
لتكثيف العمل الدعائي بالخارج لكسب الولاءات للقضية التونسية وتدويلها... بالرغم
من كل ذلك، ظلت الأجواء ملبدة بسحب سوء الظن والمخاوف المتبادلة بتعلة إيواء عبد
الناصر لصالح بن يوسف وادعاء السلط التونسية كشفها المحاولة اغتيال مدبّرة في مصر
ضد شخص بورقيبة. وقد ظلت العلاقات مع مصر يشوبها قدر كبير من التوتر لسببين رئيسيين
على الأقل:
ـ أولهما: ذاتي فبورقيبة بنرجسيته المتضخمة باعتباره باعث
أمة تونسية، لم يهضم جيداً فكرة وجود شخصية منافسة له ذات كاريزما كالتي يملكها
الرئيس جمال عبد الناصر بوقوفه إلى جانب قوى التحرر الوطني في المستعمرات وبقدرته
على إثارة الجماهير من المحيط إلى الخليج، وكصاحب مشاريع ريادية عظمت فرص الحياة
للمعدمين من المصريين من قبيل الإصلاح الزراعي وتشييد السد العالي وتأميم قناة
السويس.
لقد كانت عقدة الريس جمال عبد الناصر تحرك
الكثير من تصرفات بورقيبة الذي كان يسعى لإبداء تميزه عن عبد الناصر بتبني مواقفه
من الوحدة العربية والقضية الفلسطينية ولكن بتقديمها بأسلوب مغاير لذلك وما إن
انطلقت محنة الإخوان المسلمين في مواجهة نظام عبد الناصر حتى وقفت وسائل الإعلام
الرسمية بتونس منددة بالجرائم التي ارتكبت في حق الإخوان رغم السنوات الضوئية التي
تفصل فكرهم عن العقيدة البورقيبية.
ثاني السببين موضوعي: رأى بورقيبة في الفكر
القومي الوحدوي تناقضاً صريحاً مع هدفه بناء دولة وطنية قطرية ضحى من أجلها
طويلاً، فلم يتردد في مقارنة النظام المصري بالاستعمار الفرنسي، حيث يقول البيان الأسبوعي
للرئيس بتاريخ 16 أكتوبر1958; إن الشر الكامن في نزعة الهيمنة هو التسلّط الذي
يتصف به النظام القائم في مصر لا تقل عن الشر الكامن في النزعة الاستعمارية وفي
كتائب جيش الاستعمار".ولا يتردد في موقع آخر في وصف سياسة مصر العربية بأنها
تمثل "استعماراً فرعونياً" و"إمبريالية صغرى".
لذا لم تنضم تونس إلى جامعة الدول العربية
إلا بعد سنتين من الاستقلال سنة 1958 باعتبار الجامعة أداة طيعة في أيدي المصريين.
ولصعود نجم عبد الناصر كحامل للواء العروبة والوحدة العربية بعد خروجه منتصراً من
حرب السويس لسنة 1956 ونجاحه المؤقت في إنجاز الوحدة المصرية السورية، رأى دعاة
الدولة القطرية في المغرب العربي وعلى رأسهم بورقيبة في ذلك خطراً يهدد وجودهم
فتحركوا بسرعة فيما يعرف بمؤتمر طنجة لسنة 1958، الذي حضرته كل من تونس والمغرب
وجبهة التحرير الجزائرية. وأسفر المؤتمر عن الإعلان عن مشروع مستقبلي للوحدة هو
فيدرالية المغرب العربي وهذا المؤتمر هو مؤتمر الدفاع عن الدولة القطرية في وجه
التيار القومي الجارف الداعي إلى الوحدة العربية.
مبررات الدفاع عن الأمة التونسية في فكر
الهادي البكوش
في هذا الكتاب الصغير الذي
عرضه رئيس
الحكومة التونسية السابق الهادي البكوش في مدرج كلية الطب بسوسة بمناسبة نيله
شهادة الدكتوراة الفخرية، اختار
الحديث في النهاية الحديث عن الأمة التونسية
بين الأمس واليوم، من خلال البدء بتحديد معاني الأمة، وتوضيح علاقتها بالشعب،
وبالوطن، مرورًا بعد ذلك إلى حقيقة الأمة العربية، ووضع الأمة الإسلامية.
فالأمتان حقيقتان في المستوى النظري،
ولكنهما لم تتجسما في الواقع، إلا في فترات تاريخية قصيرة في التاريخ القديم،
والحقيقة الوحيدة التي ثبتت، عبر التاريخ، وحافظت على وجودها هي: القطر والوطن.
وأبرزالبكوش بعد ذلك، مقومات الذاتية
التونسية، وتبعية تونس للعثمانيين أولاً، ولفرنسا ثانياً، موضحًا أنَّ أمة بلا
سيادة لا تستجيب لكل شروط الأمة، ومتعرضًا بعد ذلك إلى حرب التحرير التي شنها
الشعب التونسي لمقاومة الاستعمار الفرنسي، والتي انتهت سنة 1956 بتحقيق الحرية
والاستقلال، وأكملت شرطاً أساسياً من شروط بناء الأمة، فكان أن انبعثت الأمة
التونسية. ثم تكلم البكوش في النهاية عن تطور العالم في أواخر القرن العشرين نحو
العولمة الليبرالية الأمريكية ، وتأثير ذلك على الأمم، بصفة عامة، والصغيرة منها
بصفة خاصة. رغم أن البكوش كان يمثل التيار العروبي داخل الحزب الاشتراكي الدستوري
في عهد الرئيس الراحل بورقيبة، فإنَّه عبر عن إيمانه العميق، وتعلقه الشديد بالأمة
التونسية التي تبقى، رغم التهديدات والضغوطات الخارجية والعولمة خاصة ملاذاً
حصيناً للشعب التونسي وإطاراً سليماً لنمونا ومناعتنا.
في تعريف الأمة
ينطلق البكوش في بداية كتابه من تعريف
الأمة، في مفهومها الحالي، بوصفها مقولة حديثة العهد، بدأت معالمها تتضح في القرن
السادس عشر في أوروبا، ومثلت الولايات المتحدة الأمريكية، في القرن الثامن عشر،
صيغة متقدمة لها، وتحققت بعد ذلك في فرنسا إثر ثورة 1789 الخالدة، وأصبحت اليوم
الشكل السائد في بلاد العالم.
فالأمة هي مجموعة بشرية متحدة، تختلف عن
القبيلة، وتتجاوزها، تخضع لنظام حكم مركزي قار، وتقيم في فضاء جغرافي ذي حدود
ثابتة ومعلومة، وتنحدر من عرق واحد، أو من عدة أعراق، وتتكلم لغة واحدة، أو عدة
لغات، وتكون إحداها غالبة، تؤمن بدين واحد أو عدة أديان، وتكون لها ديانة مهيمنة،
ولها حضارة وتقاليد، وعادات مشتركة، ولها مصالح اقتصادية واحدة وتستمد وحدتها من
ماض مشترك، يحيي بطولاتها وأمجادها.
ويروي حروبها ومعاركها، ويخلّد تضحياتها
ومآسيها، ويسجل أفراحها وأعيادها. إنه إرثها، تتبناه، وتنطلق منه لبناء مستقبلها
لأفرادها إرادة قوية في العيش المشترك، يعانقهم شوق الحياة، ويجري عزمها في
عروقهم، كما قال شاعرنا الكبير أبو القاسم الشابي. ولهم طموحات وأحلام، يشدّهم
تضامن طبيعي وثيق، لا تؤثر فيه الصعاب، ولا تزعزعه العوارض.وللأمة تسميات أخرى لها
المدلول نفسه، أو ما يقاربه، منها: الشعب، والوطن، والدولة.
يُطلق مصطلح الشعب على الأمة الواحدة،
ويتجاوزها فيعني عدة أمم، ويشمل، في تلك الحالة، أكثر من قطر. إنه مصطلح مشحون
بالعاطفة، تطور مدلوله عبر التاريخ، وأصبح الشعب اليوم محط السيادة ومصدرها، وله
حق تقرير المصير، اكتسبه بعد ثورات كبرى أشهرها الثورة الفرنسية سنة 1789، وكفاح
مرير خاضته الشعوب المستعمرة، وقد قال عنه أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.
أما الوطن فإنه يعني المجموعة التي ينتسب
إليها الإنسان، وله معها وشائج عاطفية كامنة، وماض أسري متواصل، ونسب متأصل،
وقرابات ملموسة. وهو الرقعة الترابية التي ولد فيها، ونشأ فوقها، وكبر في فضائها.
وهو منبت الآباء والأجداد، ومدفنهم. وقد ذكره ابن الرمي بهذين البيتين:
وحَبَّبَ أوطان الرجال إليهم مآربُ قضّاها
الشباب هنالك
إذ ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلك
وقد يعني الوطن حياً، أو قرية، أو مدينة، أو
بلاداً. وهو جزء من أمة، أو أمة بأكملها، وقطر واحد، أو مجموعة أقطار. والوطن جملة
من الذكريات، والقيم، والمثل العليا، يتعلق به المواطن، ويحبّه، ويقدسه، ويقبل
الخصاصة من أجله، ويتحمل شتى أنواع العذاب دفاعاً عنه ونهوضاً به، ويقدم على
التضحية والاستشهاد في سبيله، وحب الوطن من الإيمان.
الأمة هي مجموعة بشرية متحدة، تختلف عن القبيلة، وتتجاوزها، تخضع لنظام حكم مركزي قار، وتقيم في فضاء جغرافي ذي حدود ثابتة ومعلومة، وتنحدر من عرق واحد، أو من عدة أعراق، وتتكلم لغة واحدة، أو عدة لغات، وتكون إحداها غالبة، تؤمن بدين واحد أو عدة أديان، وتكون لها ديانة مهيمنة، ولها حضارة وتقاليد، وعادات مشتركة، ولها مصالح اقتصادية واحدة وتستمد وحدتها من ماض مشترك، يحيي بطولاتها وأمجادها.
أما الدولة، فإنها قد تعني ما تعنيه الأمة،
وإن كان لكل منهما حقيقته الخاصة. فالدولة تجسيم قانوني لها، وأداة تنظيمها،
وحكمها، والذود عنها.لم تتزامن نشأة الدول مع بروز الأمم، فالأمة، غالباً، هي
الأولى، وهي السابقة، والدولة هي المال وهي اللاحقة.وفي فرنسا، وإنكلترا، وإسبانيا
سبقت الأمة الدولة أو الدول التي كانت لاحقة. وكان العكس في الولايات المتحدة
الأمريكية، وكذلك في إفريقيا حيث ورثت الدولة الجديدة السلطة الاستعمارية، وأخذت
عنها حدوداً مصطنعة، وعملت انطلاقاً منها على بناء أمة حديثة، لم تتقيد
بالارتباطات القبلية والدينية التقليدية. وقد انجر عن ذلك فتن كثيرة، وحروب عنيفة
قاسية.
وقد تتكون الدولة من عدة أمم تحرر بعضها،
واستقل كما هو الشأن بالنسبة إلى بلدان الإتحاد السوفياتي، ويوغسلافيا سابقا. وثمة
أمم كالأكراد، والأرمن، والبشكنس (الباسك)، لم تنجح في بناء دولة، رغم عراقتها
ونضالها في سبيل ذلك. وسبب ذلك الأوضاع الجغرافية، والتطورات التاريخية،
والتحالفات الدولية، والتوازنات الإستراتيجية والحسابات السياسية.وقد يكون لأمة
واحدة دول عدة كالألمان سابقاً، والكوريين، والصينيين، والعرب اليوم.
هل تُعَدُّ تونس أمةً؟
في معرض كتابه، يستشهد البكوش بجواب الزعيم التونسي الراحل علي البلهوان ، الذي
أجاب عن هذا السؤال سنة 1950، عندما
نشر كتاباً بعنوان "نحن أمة" هو
كتاب أثر في النخب التونسية تأثيراً شديداً، وكان مرجعاً مهماً في ثقافتها
السياسية، ووعيها الوطني.
أما البكوش ، فهو يؤكِّدُ بداية أن العرب
الذين ننتسب اليهم في تونس يشكلون أمة يرجع تاريخ انبعاثها إلى أكثر من أربعة عشر
قرنا. ولهم كل المؤهلات لذلك، وأولها اللغة التي تربط الفرد بالجماعة، وهي أداة
التفاهم بين الناس، وآلة التفكير عندهم، تنقل المعارف والتجارب من الآباء إلى
الأبناء، ومن الأسلاف إلى الأخلاف، وتنشئ الحضارة.
وقد كانت اللغة العربية عاملاً أساسياً في
جمع شعوب وقبائل من بلاد مختلفة، وأصول متعددة، وفي توحيدها، والارتقاء بها إلى
مستوى أمة واحدة، تتكلم لغة واحدة، وإن حافظ بعض تلك الشعوب على لغته الأصلية.
وأكد الفيلسوف الألماني فيختة أن أساس الأمة
هو اللغة، وأن الذين يتكلمون لغة واحدة، يشكلون وحدة كلية، وحدتهم الطبيعة بروابط
متعددة لا ترى منذ أن خلقوا.واستغل هتلر هذه المقاربة الفكرية، فاندفع في حروب
مدمّرة بغية إنشاء أمّة ألمانية صافية العرق، وجمع شمل كل من يتكلم الألمانية،
فاحتل منطقة السودات (Sudetes) من
تشيكوسلوفاكيا سابقاً، وأغار على بولونيا لضم أهلها الذين يتكلمون الألمانية إلى
الوطن الأم.
ومن مؤهلات العرب ليكونوا أمة أنهم يحتلون
فضاء جغرافياً متواصلاً، يمتد من الخليج إلى المحيط وأن لهم تاريخاً واحداً، وأنهم
قاموا بحروب مشتركة، وأن لهم عادات وتقاليد وأساليب عيش متقاربة. هم أمة كاملة
الشروط ولكنها لم تتجسّم في أرض الواقع. وإن اتحدت، في بعض الأزمنة الغابرة، فإنها
اتحدت ضمن الأمة الإسلامية، وباعتبارها جزء منها.
وظهرت بعد الحرب العالمية الثانية محاولة
توحيدية ثالثة، في مارس 1945، تمثلت في تأسيس جامعة للدول العربية دفع إليها
البريطانيون لما يولونه من أهمية للشرق الأوسط، ولمصلحتهم في الهيمنة على الدول
العربية، واعتمدوا في تجسيمها على الوصي على عرش العراق، وعلى أمير شرق الأردن
اللذين تعاونا معهم لصدّ الألمان عن الجهة بالمشاركة في القضاء على حكم رشيد عالي
الكيلاني الذي تزعم حكومة تعاونت مع المحور في بغداد، وفي مقاومة الحاج محمد أمين
الحسيني مفتي فلسطين الأكبر الذي تحالف هو الآخر، مع الألمان، ودعا العرب حيثما
كانوا إلى حمل رايتهم، واعتمدوا كذلك على رئيس حكومة مصر مصطفى النحاس باشا.
قامت جامعة الدول العربية على أنقاض مشروعين
لم يتحققا: الأول مشروع سوريا الكبرى الذي دعا إليه أمير شرقي الأردن والملك فيما
بعد عبد الله، ويشمل المناطق السورية في عهد العثمانيين، والثاني مشروع الهلال
الخصيب الذي دعا إليه نوري السعيد في العراق، والذي يضم حول العراق سوريا، ولبنان،
وفلسطين، والأردن.
لم تكن جامعة الدول العربية محاولة توحيدية
حقيقية، واقتصرت أهدافها على التعاون والتنسيق بين الحكومات، ولم تتخذ من الوحدة
غاية أساسية، ولم تشرك الشعوب في سعيها. وقد تأثرت، عند إنشائها بالتنافس بين مصر
والعراق، وباحترازات السعوديين والسوريين تجاه الهاشميين، وبتخوفات قسم
اللبنانيين. لذلك لم تحقق وحدة العرب، ولم توفق في الدفاع عن عروبة فلسطين، وفي
الحفاظ على فلسطينيتها، ولم تعطل انتصاب دولة يهودية عدوة في قلب الأمة العربية.
تلافياً لهذا الإخفاق المأسوي الذي تألم منه
كل العرب الألم الشديد، دعا الرئيس جمال عبد الناصر إلى بناء وحدة عربية تتكفل بها
الشعوب، وقام بدعاية صاخبة لفائدتها في كل البلاد العربية، وتدخل سياسياً وعسكرياً
لفرضها عليها، إن لزم الأمر، بقلب الأنظمة القائمة. ولكنه لم يوفق. ولما مات ترك
العرب مقسمين، وفلسطين محتلة، وإسرائيل في سيناء والجولان.
وتبنى البعثيون، بعده، قضية الوحدة، وضعوها
في إطار واسع يشمل العلاقة بالدين، والدولة، والحداثة، والنهوض الاجتماعي
والاقتصادي. انطلقوا من سوريا، ومن العراق، ولكنهم لم ينجحوا، ولم تتقدم الوحدة
معهم، بل استفحل، في عهدهم، الخلاف بين العرب، واشتدت الفرقة في صفوفهم، وأصبح
العراق وسوريا عدوين لدودين أحدهما للآخر، وتعرض العراق للحصار، وفيما بعد للاحتلال، وخرجت سوريا من لبنان مكرهة، وهي
الآن مهددة في نظامها.هذا حال الأمة العربية: واحدة نظرياً، مفككة واقعياً،
تنميتها متعطلة، ومكانتها بين الدول محقورة.
أما الأمة الاسلامية فإنَّ انتساب سكان تونس
إليها يفوق أهمية الانتساب إلى العرب. فالإسلام رباط ديني كلي يجمع كل المسلمين،
ويوحدهم حيثما كانوا، تصغر أمامه الروابط كلها. وقد يغلبها المسلمون على كل رابطة
أخرى. فالمسلم، كما أكد ذلك جمال الدين الأفغاني، متى "رسخ فيه اعتقاده يلهو
عن جنسه وشعبه" ويتخلّى عن القبلية، والجهوية، والقطرية، والوطنية.
في شأن انتساب تونس إلى كل من الأمة العربية
والأمة الإسلامية، يستشهد البكوش بجواب الأستاذ الكبير المرحوم الصادق مازيغ، في
سوسة سنة 1947، عندما سأله، وهو في غمرة الحماس لجامعة الدول العربية في بدايتها.
وقد كان التفاؤل بميلادها شديداً، والأمل في أن تساعد التونسيين والمغاربة عموماً
على مقاومة فرنسا قوياً: "أيهما الأساس في هويتنا، والأولى في انتسابنا
العروبة أم الإسلام؟" فأجابه الراحل الصادق مازيغ: "الإسلام طبعاً فنحن
مسلمون أولاً ننتسب إلى الأمة الإسلامية. وما الأمة العربية إلا جزء منها، وننهل
من حضارتنا الإسلامية، وما حضارة العرب إلا وجه من وجوهها".
اتخذت الدولة الاسلامية على مر العصور، صيغاً مختلفة. ففي عهد الرسول ﷺ كانت الأولوية لنشر الدين وإبلاغ رسالته، فلم يباشر النبي ﷺ الحكم بالمعنى الحديث، وإن كان قد تولى مسؤوليات لا تختلف عن مسؤوليات رئيس دولة فلم ينصب نفسه ملكاً، فالنبوة عنده أعظم، وكان يتسامى عن السلطان الحسي مفضلاً السلطان الروحي والأدبي.
الأمة الإسلامية حقيقة منذ أن وحد النبي ﷺ
قبائل الجزيرة العربية، وأدخلهم في الإسلام، وبعثهم إلى العالم ينشرون الدين
الجديد. كان عماد هذه الأمة الإيمان بالله واتباع سنة نبيه، وهدفها جمع القبائل
والشعوب عربية كانت أم أعجمية، لا يفرق بينها شي غير البرّ والتقوى، فهي خير أمة
أخرجت للناس، تدعو إلى الخير، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، تحكمها دولة واحدة،
يقودها حاكم واحد، وهي كيان واحد رغم الاختلافات الطائفية، والجهويّة، والإثنية.
فالإسلام، كما يبينه محمد إقبال، "عصبة من الدول لا تعترف بالحدود المصطنعة
ولا بالتمايزات العرقية إلا لكي تكون لها الإشارة سهلة".
اتخذت الدولة الاسلامية على مر العصور،
صيغاً مختلفة. ففي عهد الرسول ﷺ كانت الأولوية لنشر الدين وإبلاغ رسالته، فلم
يباشر النبي ﷺ الحكم بالمعنى الحديث، وإن كان قد تولى مسؤوليات لا تختلف عن
مسؤوليات رئيس دولة فلم ينصب نفسه ملكاً، فالنبوة عنده أعظم، وكان يتسامى عن
السلطان الحسي مفضلاً السلطان الروحي والأدبي.
سقطت السلطنة، وزالت الخلافة، وبقي المسلمون
السنين الطويلة يحنون إليها، ويأملون عودتها، ويسعون إلى إحيائها، ولكن أمرها
انتهى، وليس اليوم في الأفق مشروع وحدة للدول الإسلامية إذ تعوزنا الإمكانيات
لتحقيق ذلك، فبلادنا متخلفة ضعيفة، ولم تسلك أغلبها سبيل النهضة والتقدم، ونحن في
العالم مهمشون.
والغرب يناصبنا العداء، خاصة بعد أحداث 11
سبتمبر 2001، ويبني عداءه هذا على مقولات مشكوك في قيمتها العلمية، تجعل من صدام
الحضارات أمراً محتوماً، ويستشهد بمجموعات إسلامية تتطور نحو التطرف والعنف ودول
الغرب تحتاط لكل ما يهدد أمن مواطنيها، وينال من وجودها في الدول الإسلامية، ومن
هيمنتها عليها.
أمام إخفاق الأمة العربية الواحدة، وعجز
المسلمين عن إحياء أمة إسلامية، واحدة لم يبق أمام المسلمين إلا أن يتمسكوا، دون
تنكّر للعروبة وللإسلام، بذاتيتهم القطرية، ويتشبثوا بعصبيتهم الوطنية. فهي اليوم
عروتهم الوثقى.إنه النهج الذي سار فيه التونسيون منذ الاستقلال.
يقر البكوش بأنَّ تونس جزء ٌمن الأمة
العربية، ومكوِّنٌ للأمة الإسلامية، وأنَّ عصبيتها العربية، وارتباطها بالإسلام
ثابتان متینان، وأنَّها خضعت لفترات طويلة، لحكم دمشق، فبغداد، فمراكش، ولكن لها
ذاتية متميزة منذ القدم، وكيان مستقل أصيل.