كتب

هل ينجح الخطاب الدعوي في مواجهة صوت الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي؟

كتاب يرصد إمكانات التوظيف الفعالة لشبكات التواصل الاجتماعي في تفعيل الخطاب الدعوي
كتاب يرصد إمكانات التوظيف الفعالة لشبكات التواصل الاجتماعي في تفعيل الخطاب الدعوي
الكتاب: "شبكات التواصل الاجتماعي وآثارها في تفعيل الخطاب الدعوي: من هيمنة خطاب الكراهية إلى تعزيز التعايش الإنساني المشترك"
المؤلف: د.  عبد السلام رياح
الناشر: اللجنة القطرية لتحالف الحضارات
الطبعة الأولى.. السنة: 2023
عدد الصفحات: 372


منذ مدة طويلة، تواترت الدراسات حول المضامين التي تبثها شبكات التواصل الاجتماعي، وتركزت في الآونة الأخيرة على موضوعي الخطاب والقيم، وذلك لقياس الأثر الذي تحدثه هذه المنصات في تفسير التحولات الفكرية والقيمية التي يعرفها العالم، ومنه العالم العربي، لاسيما في هذه المرحلة العصيبة التي تواتر  فيها الأزمات على المستوى الدولي والإقليمي، ووصول تداعياتها إلى جميع بقاع العالم، وما ترتب عن ذلك من حدة الاستقطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، لتمرير أجندات وخطابات وحمولات قيمية مختلفة، تعكس واقع الصراع  والاستقطاب، وما يتبعه ضرورة من بث خطابات الكراهية والتعصب.

وإذا كان البحث العلمي قد وفر تراكما مهما في دراسات خطاب العنف والكراهية،  وأخضع عينات كثيرة من الخطابات المبثوثة على منصات التواصل الاجتماعي للتحليل، فإن الخطاب الدعوي الذي توسل هذه المنصات لبث مضامينه وقيمه وخطابه، لم يعرف بعد نفس القدر من الاهتمام والعناية، بل لم يقس بعد تأثيره  في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتشجيع على ثقافة التسامح والعيش المشترك، وذلك  لسبب إيديولوجي ضاغط، يصنف أصحابه هذا الخطاب في العادة على أنه قرين للعنف أو التطرف أو الغلو، وأنه لا يمكن أن يصدر عنه إلا مضامين وقيم التعصب والكراهية.

وإذا كانت قيم العيش المشترك، هي أساس العلاقات الدولية في المجتمع الدولي المعاصر، فإن الاهتمام لا ينبغي أن يقع فقط على دور مناهج التربية والتعليم في تكريسها، بل ينبغي أن يتنوع البحث، ويطال الإسهامات الخطابية التي تنساب عبر منصات التواصل الاجتماعي لما لها من تأثير كبير في صوغ الرؤية وتشكيل العقل والذوق والسلوك والمزاج العام. ويمكن في هذا السياق أن نشير إلى مساهمة الدكتور عبد السلام رياح، الذي حاول في بحثه الحائز على جائزة قطر العالمية لحوار الحضارات لعام 2020-2021 الدورة الثالثة، أن يدرس الإمكانات التي توفرها هذه الشبكات للتمكين للخطاب الدعوي الداعم لقيم العيش المشترك، والقادر على صياغة الإنسان صياغة إيجابية، والآليات الأساسية التي يمكن بها تفعيل الخطاب الدعوي عبر هذه المنصات، والسبل الكفيلة للانتقال بمضامين هذه المنصات من بث ثقافة الكراهية والعنف والتعصب إلى بث قيم التسامح والعيش المشترك.

شبكات التواصل الاجتماعي وإشكال القطيعة مع خطاب الكراهية

يحاول هذا الإسهام المعرفي أن يقدم جوابا عن ثلاث إشكاليات أساسية: أولها، محاولة ردم الفجوة بين الواقع والمأمول، أي الواقع، الذي يحسده هيمنة خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، والمأمول الذي يتطلع فيه الجميع أن تصير هذه المنصات بخطابها ومضامينها وحمولة قيمها داعمة لثقافة العيش المشترك، وكيف يمكن الانتقال من العالم الأول (عالم الواقع)، إلى الثاني (عالم المثال). 

المعركة التي تبدو وكأنها معركة عبر شبكات التواصل الاجتماعي بين التصورات المغلوطة والتصورات السليمة، وبين قيم الكراهية وقيم العيش المشترك، تعكس في الواقع صراع منظومات قيمية داخل المجتمع
وثانيها، هو رصد واقع الأوعية والقنوات التي تبث قيم تعزيز العيش المشترك، وتسجيل محدودية عطائها قياسا إلى الأوعية والقنوات التي تشتغل على بث ثقافة الكراهية والتعصب والعنف. وأما الإشكال الثالث، فيرتبط بطبيعة منصات التواصل الاجتماعي، وانزياحها عن بث الخطاب الإصلاحي بمختلف مضامينه، وذلك بسبب قيام هذه المنصات في طبيعتها على تفجير البعد الذاتي على حساب الجماعي، وإتاحة الفرصة لكل الذوات، بمن في ذلك الذين كانوا بالأمس القريب بسبب عدم تأهيلهم مجرد مستهلكين للخطاب تابعين له، للتعبير عن ذواتهم، فتصير هذه الخاصية التي تطبع منصات التواصل الاجتماعي، خادمة  ضرورة، وفي الغالب، للقيم المعاكسة للخطاب الإصلاحي،  هذا إن لم تعكس في الواقع نسبة الصلاح الموجود في المجتمع إلى نسبة الفساد الموجود فيه.

وقد كان قصد الباحث من هذا الجهد المعرفي، أن يسلط الضوء على الاختلالات التي تعرفها شبكات التواصل الاجتماعي في توظيفاتها الحديثة، وأن يبين الأدوار التي يمكن أن تؤديها في خدمة المجتمع ورأب الصدوع التي تهدد نسيجه، وذلك من خلال توظيف مؤهلاتها التقنية والتواصلية لتفعيل الخطاب الدعوي في البناء والإصلاح، باعتبار ما لهذا الخطاب من  رمزية ومكانة في المجتمع، وأيضا من قدرة على إصلاح الأوضاع المختلة في الحياة الإنسانية، كما كان الباحث يتطلع إلى مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش الإنساني باعتماد الآليات الحديثة التي استهوت المجتمع الإنساني المعاصر، وكذا تصحيح المفاهيم المتعلقة بحرية التعبير وبيان حدودها ومسؤولياتها وتأثيراتها الإيجابية والسلبية.

حدود إسهام الخطاب الدعوي في تعزيز ثقافة العيش المشترك عبر شبكات التواصل الاجتماعي

حاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال فكرتين أساسيتين: أولهما، هو رصد وبيان إمكانات التوظيف الفعالة لشبكات الواصل الاجتماعي في تفعيل الخطاب الدعوي، إذ ركز في هذه الفكرة على خصائص شبكات التوصل الاجتماعي، ومنها على وجحه الخصوص خاصية الجدب والمنافسة، ثم قدرة شبكات التواصل الاجتماعي على تحديد فئات المستهدفين بالخطاب، ثم بيان حجم التثاقف الذي يحصل بين الشعوب المختلفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء بسبب المكنة اللغوية أو بسب بما تتيحه خيارات الترجمة الفورية من حوار وتواصل.

وأما الفكرة الثانية، فتتعلق باستثمار شبكات التوصل الاجتماعي في إعادة صوغ الإنسان صياغة الإيجابية، إذ انطلق المؤلف في التأسيس لهذه الفكرة، من ذكر خصائص شبكات التواصل الاجتماعي، ورصد تأثيرها وقدرتها على تشكيل الإنسان وصياغة رؤيته وصناعة ذوق ومزاج عام اتجاه العديد من القضايا، إذ كان القصد من ذلك إثبات قدرة هذه الشبكات، ليس فقط على التمكين للقيم  السلبية وصياغة الإنسان السلبي، بل أيضا قدرتها عبر الاستثمار الفعال لها، في صياغة الإنسان صياغة إيجابية، إذا تم تكثيف الخطاب الإصلاحي الذي يستهدف تنمية قيم الخير والعدل والحق والجمال في الإنسان، كما حاول المؤلف دعم هذه الفكرة وتعزيزها، من خلال رصد واقع الدينامية الدعوية  عبر هذه المنصات وما توفره من تواصل بين الدعاة والجماهير.

في آليات تفعيل الخطاب الدعوي عبر شبكات التواصل الاجتماعي

بعد ترسيخ المسلمات التي تدعم فكرة إمكانية أن يكون للخطاب الدعوي تأثير جوهري في صياغة الإنسان وبث قيم العيش المشترك عبر منصات التواصل الاجتماعي، انطلق الباحث إلى اختبار هذه الفرضية عبر طرح الصيغ والآليات التي يمكن اعتمادها لجعل هذا المأمول متحققا في الواقع. وقد ركز بهذا الخصوص على آليتين اثنتين، الأولى، وهي الآليات التواصلية التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي، إذ يمكن الاستثمار الأمثل لها، من توسيع الفئات المستهدفة بالخطاب الدعوي،  بحيث يصير من الممكن استهداف فئات لم يكن ميسورا قبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي الوصول إليها فضلا عن مخاطبتها والتواصل معها، كما ساعدت الخيارات اللغوية التي توفرها هذه  الشبكات في تذليل إشكال اللغة، ومن ثمة التواصل مع شعوب مختلفة عبر خدمات الترجمة إلى لغاتها الأصلية أو اللغات الأجنبية التي تستطيع التواصل بها، كما ساعدت كثرة التطبيقات التي تتيحها هذه الشبكات من توسيع دائرة  الاستهداف، فصار للخطاب الدعوي مجال أوسع للوصول إلى مختلف الأجيال والأعمار والفئات من مختلف شعوب العالم.

معركة الاستهداف عبر منصات التواصل الاجتماعي تجري على الفئات الهشة، وأنه لذلك، وجب على الخطاب الدعوي أن يراعي في مضمونه وحمولته القيمية، ومؤهلات القائمين عليه، خصوصيات هذه الفئة، وتركيبتها النفسية والثقافية والاجتماعية، حتى يتحقق أعلى منسوب من النفاذ إلى عقولهم.
وبخصوص الآلية الثانية، التي سماها المؤلف بالآلية التأهيلية، فيقصد بها الأهلية التقنية والتواصلية واللغوية التي توفرت للدعاة مما لم يكن ميسورا لهم في السابق، فصاروا بسبب من امتلاكها قادرين على إحداث الفارق عبر شيكات التواصل الاجتماعي، سواء بتفتحهم على استعمالات شبكات التواصل الاجتماعي، أو عبر تمكنهم من التقنيات التواصلية المؤثرة، أو عبر توسع ثقافة الدعوة وانفتاحهم على ثقافات شعوب أخرى، بما أهلهم للتواصل معها بمنطقها واستحضارا لخصوصياتها.
الخطاب الدعوي عبر منصات التواصل الاجتماعي: في أفق النموذج المعياري.

وقد خصص المؤلف الباب الثالث من كتابه، لمناقشة الاستشرافات الممكنة التي سيؤول إليها الوضع الإنساني بعد تفعيل الخطاب الدعوي، والاستثمار الأمثل لخدمات شبكات التواصل الاجتماعي، والأفق الذي يمكن أن يتحقق، وما إذا كان من الممكن الانتقال بهذه المنصات من نشر ثقافة الكراهية والتعصب والعنف، إلى بث قيم التسامح والعيش المشترك.

وقد انطلق في ذلك من المفاهيم، وذلك لاختبار قدرة الخطاب الدعوي عبر هذه المنصات على تصحيح جملة من المفاهيم التي يعتبر دخول الغلط إليها وحصول الخلط في التصورات بشأنها سببا في تعزيز قيم الكراهية، فحاول المحاججة في بحثه على الإمكان الذي يتوفر عليه الخطاب الدعوي لتصحيح ثلاث تصورات مغلوطة، يترتب عنها محدودية بث قيم التعايش قياسا إلى بث قيم الكراهية، وهي مفهوم حرية التعبير، ومفهوم إنسانية الإنسان، ومفهوم الغائية من الوجود،  وقد ركز الباحث على هذه المفاهيم الثلاثة، لكون أغلب الانزياحات التي تحملها القيم المبثوثة عبر منصات التواصل الاجتماعي تأتي من قبلها، فبسبب سوء فهم مفهوم الحرية، تنتشر الثقافة الفضائحية، وانتهاك الخصوصية والحميمية، فضلا عن المس بأعراض الناس، وإشاعة ثقافة الكراهية،  وبسبب سوء فهم  إنسانية الإنسان، يتم التردي به  إلى البعد الحيواني والشهوي، ويتم قتل المعنى الإنساني والثقافي في الإنسان، وبسبب غياب تصور صحيح للغاية من الوجود الإنساني، تصير كل الانزياحات ممكنة. فكان منطلق الباحث هو الخصائص التي يتمتع بها الخطاب الدعوي، وانشداده إلى المرجعية الإسلامية، وما تحمله من تصورات إيجابية للحرية والإنسانية والغائية، والأدوار التي يمكن يقوم بها الخطاب الدعوي من جراء استناده إلى تصورات صحيحة قادرة على المحاججة والإقناع.

بعد معركة المفاهيم وتصحيح التصورات، ينتقل المؤلف إلى اختبار قدرة الخطاب الدعوي على تعزيز التعايش المشترك في المجتمع الإنساني، والإمكانات التصورية التي تؤهل الخطاب الدعوي للقيام بهذا الدور، إذ ركز بهذا الخصوص على ثلاث أفكار أساسية، أولها القدرة على توليد الرغبة في التعايش، وثانيها، القدرة على تثبيت هذه الرغبة، ثم ثالثها، القدرة على تفعيل مقتضيات هذه الرغبة.

الخطاب الدعوي عبر شبكات التواصل الاجتماعي من الإمكان إلى تقييم الواقع

قدم المؤلف في خاتمة بحثه خلاصات مهمة، لم تقتصر فقط على تسجيل ما انتهى إليه من واقع اختبار فرضياته في الإمكان الذي يتوفر عليه الخطاب الدعوي لتحقيق النموذج المعياري المأمول، بل امتد نظره أيضا إلى تسجيل ملاحظات مهمة على واقع الخطاب الدعوي المبثوث عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وفي المحصلة، انتهى الباحث إلى تسع خلاصات أساسية سنركز منها على ثلاثة، بحكم أن النتائج الأخرى قد سبق تقريرها في ثنايا عرض الكتاب. أول هذه الخلاصات، وهو التركيز على الشروط التي ينبغي أن يتمثلها الدعاة لجعل أفق التأثير بالخطاب الدعوي ممكنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويعني بذلك تأهيل الدعاة وفك ارتباطهم بثقافة التقليد، والوعي بالفئات التي يتم استهدافها عبر هذه الشبكات، وما يتطلبه من مؤهلات تواصلية وتقنية ولغوية.

والثانية، أن معركة الاستهداف عبر منصات التواصل الاجتماعي تجري على الفئات الهشة، وأنه لذلك، وجب على الخطاب الدعوي أن يراعي في مضمونه وحمولته القيمية، ومؤهلات القائمين عليه، خصوصيات هذه الفئة، وتركيبتها النفسية والثقافية والاجتماعية، حتى يتحقق أعلى منسوب من النفاذ إلى عقولهم.

وثالثها، أن المعركة التي تبدو وكأنها معركة عبر شبكات التواصل الاجتماعي بين التصورات المغلوطة والتصورات السليمة، وبين قيم الكراهية وقيم العيش المشترك، تعكس في الواقع صراع منظومات قيمية داخل المجتمع، وأن النجاح عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ينطلق أساسا من تغيير ثقافة المجتمع في الواقع لتقليل الفساد فيه وتكثير قيم الخير والصلاح، بما ينعكس إيجابا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وذلك لا يكون إلا عبر الاستثمار في التربية القيمية في المجتمع.
التعليقات (0)