كتب

مقومات موقف الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة من فلسطين

عبد اللطيف الحناشي: هكذا فهم بورقيبة العلاقة بفلسطين (عربي21)

الكتاب: بورقيبة والقضية الفلسطينية وامتداداتها العربية (1938-1978)واقعيّة رياديّة أم تنكر للقضية؟
الكاتب: الدكتور عبد اللطيف الحناشي 
الناشر: الدار التونسية للكتاب، الطبعة الأولى 2021، (292 صفحة من القطع الكبير)

يُعَدُّ موقف الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة من القضية الفلسطينية موقِفًا إشكاليًا من قضية العرب الأولى، وهو الموقف الذي عبَّر عنه في خطاب أريحا عام 1965، وتمَّ انتقاده بعنفٍ شديدٍ من الأنظمة العربية التي كانت تصنف آنذاك وطنية وتقدمية، ومن معظم الأحزاب العربية على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية.

من المنظور التاريخي يمكن النظر إلى موقف بورقيبة من القضية الفلسطينية من زاوية الأيديولوجيا التي حكمت مسيرة الحزب الحاكم في تونس من القضية الفلسطينية، الحزب الحرّ الدستوري الجديد الذي أسَّسه الحبيب بورقيبة مع ثلَّةٍ من رفاقه عام 1934 إثر الانشقاق الذي حصل في الدستوري (القديم) بزعامة الشيخ العروبي عبد العزيز الثعالبي (الذي سافر إلى فلسطين عام 1923، واستقر في القدس، واستقبله الحاج محمد أمين الحسيني وكلفه بتحضير المؤتمر الإسلامي الذي انعقد عام 1932 فوضع نظامه وسهر عليه)، وحتى قيادته للحركة الوطنية التونسية من الثلاثينيات وحتى حصول تونس على الاستقلال السياسي (1955 ـ 1956).

وكان التطبيع التونسي ـ الصهيوني يعود إلى بواكير الخمسينيات من القرن العشرين، عندما دشَّن الحبيب بورقيبة وهادي نويرة ومحمد مصمودي وقياديون آخرون في "الحزب الحرّ الدستوري الجديد" اتصالات مع الدولة الصهيونية من خلال سفرائها في باريس. وحاول التونسيون إقناع الكيان الصهيوني والحركة الصهيونية بدعم معركتهم من أجل الاستقلال، إلا أنَّ الصهاينة كانوا يدركون أنَّ مصالحهم مع فرنسا لا يمكن التضحية بها من أجل كسب ود الحكام المقبلين في تونس.

كان الحبيب بورقيبة أول زعيم عربي، يطالب العرب بالاعتراف بالكيان الصهيوني، وذلك في تصريح يوم 7 شباط/فبراير 1952 لجريدة LE FRANC TIREUR الفرنسية، كما كانت له اتصالات ببعض زعماء اليهود والحركة الصهيونية العالمية في العالم.

وبنت الدولة التونسية موقفها من القضية الفلسطينية على أساس قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة والمعروف بالقرار رقم 181. وانتهج الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة سياسة خارجية معادية للقومية العربية والعروبة، بحكم الخلاف المستحكم بينه وبين الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، حتى أنَّ الرئيس التونسي أعلن في خطاب له في أريحا عام 1965 اعترافه بقرار التقسيم وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بالأمر الواقع والقبول بـ"دولة فلسطينية" في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن سياسة "خذ وطالب".

وقد اتهم بورقيبة في حينه من قبل الأنظمة الوطنية والتقدمية والأحزاب اليسارية والقومية العربية بـ"خيانة" قضايا الأمة العربية، خصوصا عندما أكد مقولته الشهيرة "إنَّنا مع ما يختاره الفلسطينيون لأنفسهم" في إشارة واضحة إلى رفع وصاية الأنظمة العربية على الفلسطينيين، وهي المقولة التي طورتها قيادة عرفات لاحقا في إطار استغلال التناقضات العربية الرسمية، وأطلقت عليها مصطلح "القرار الفلسطيني المستقل".

ويمكن أن نجد في مؤتمر المغرب العربي الذي انعقد في القاهرة في شباط/ فبراير 1947، وفي الوثائق التي أعدتها الأحزاب المغاربية لمؤتمر الاشتراكيين العرب في الجزائر عام 1967، وفي مواقف العاهل المغربي الملك محمد الخامس ومن بعده الملك الحسن الثاني، توجهات سياسية بشأن الاعتراف بالقرار رقم 181، وبالتالي إيجاد تسوية للصراع العربي ـ الصهيوني وفق قرارات الشرعية الدولية.

في هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي: بورقيبة والقضية الفلسطينية وامتداداتها العربية (1938 ـ 1978)، المتكون من المقدمة العامة، وثلاثة فصول كبيرة، وخاتمة، وملاحق عديدة، للباحث التونسي المتميز الدكتور عبد اللطيف الحناشي، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة منوبة التونسية، يقدم لنا الباحث الحناشي بحثًا مهمًّا، ومعتدلاً في أحكامه، رغم حساسية الموضوع.

اليهود في تونس وعلاقاتهم بالحركة الصهيونية

يعتبر اليهود من بين أقدم العناصر التي استقرت بالبلاد التونسية، عرف عددهم تصاعداً بعد هجرة جزء من يهود الأندلس إلى البلاد بعد سقوط غرناطة ثم تضاعف العدد ذاته بوصول يهود "الغرانة" (Livourne) الإيطالية (وهم من أصول برتغالية) وذلك بين القرنين 17 و19 وهم الذين ارتبطوا أكثر بالرأسمال الأوروبي.
 
قبل تحليل موقف الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة من القضية الفلسطينية، علينا أن نبحث في نشاط الحركة الصهيونية العالمية داخل تونس التي تعيش بين ظهرانيها جالية يهودية. فقد انتقل عدد اليهود في هذا البلد العربي من نحو 50 ألف نسمة أواخر القرن التاسع عشر إلى أكثر بقليل من 100 ألف نسمة مطلع الخمسينيات من القرن العشرين. وينقسم اليهود في تونس إلى طائفتين: الأولى "الغرانة" ويعود أصلها إلى مدينة "الغرنة" الإيطالية، بحيث يحمل يهود هذه الطائفة الجنسية الإيطالية، أما الثانية فهي طائفة "التوانسة" التي ينتسب أعضاؤها إلى سلالة قديمة سكنت البلاد منذ القدم أو وفدت إليها من بلدان إسلامية أخرى، ويحمل اليهود "التوانسة" الجنسية التونسية.

وكان نشاط الحركة الصهيونية العالمية في تونس ملموسا، ويكشف عن ذلك العدد الكبير للجرائد التي أصدرها القياديون الصهاينة مثل الفرد فالنزي أو فيليكس علوش أو ريني كوهين في الفترة الممتدة من مؤتمر بال 1897 حتى أوائل الخمسينيات، وهو عدد يفوق الثلاثين جريدة، ومعظمها ناطقة باللغة الفرنسية. لقد تقلصت "جماهيرية" الحركة الصهيونية في تونس أواخر الثلاثينيات. ويرجع ذلك إلى سببين أساسيين: الانتفاضة العربية الكبرى في فلسطين. ووصول "الجبهة الشعبية" إلى السلطة السياسية في فرنسا. 

وقد انقسم من جراء وصول اليساريين الفرنسيين إلى الحكم عدد كبير من الصهاينة إلى فريقين: فريق ضرب بقناعته الصهيونية عرض الحائط وانتهج سبيل الاشتراكية: وفريق انكفأ عن صهيونيته باليمينية واختار "أهون الشرين" أي "الصهيونية الاشتراكية" ناسجا بذلك على منوال اليهودي الصهيوني ليون بلوم زعيم "الجبهة الشعبية" الفرنسية والعضو في "الوكالة اليهودية العالمية".

يقول الباحث الحناشي: "عرف الحجم السكاني للأقلية اليهودية في تونس تذبذباً خلال الفترة الاستعمارية ويعود ذلك لعوامل عديدة منها انخفاض معدل الخصوبة، والهجرة من تونس لأسباب سياسية أو اقتصادية أو دينية باتجاه فلسطين أو فرنسا. غادر أغلب اليهود الحاملين لجنسيات أجنبية (فرنسية وإيطالية) تونس بعد الاستقلال (1956) إما إلى الدول الحاملين لجنسيتها أو إلى دولة الاحتلال الإسرائيلية التي اعتبرت كل يهودي هو إسرائيلي بالضرورة (قانون العودة). وازدادت هجرة يهود تونس بعد معركة بنزرت وجلاء القوات الفرنسية عنها وبعد تأميم أراضي المستوطنين وصولاً إلى عام 1967 حينما عرفت هجرتهم نسقاً مرتفعًا" (ص20).

 

عرفت العلاقة بين السكان التونسيين المسلمين واليهود، حتى قبل الاحتلال، عدة توترات لم تصل بأي شكل من الأشكال إلى أعمال عنف واسعة أو إلى مجازر کما حدث في أوروبا خلال العصور الحديثة أو خلال القرن العشرين.

 



ورغم تواضع حجمها النسبي، تميزت الأقلية اليهودية بتونس بحركية اقتصادية واجتماعية وثقافية نوعية هامة وفاعلة. كما تميزت تلك الأقلية بتعدد تنظیماتها وهياكلها الخاصة الدينية والاجتماعية والفنية والرياضية والسياسية والاقتصادية والكشفية، كما كانت لها صحافة خاصة لم تكن في الغالب بعيدة عن التأثيرات الصهيونية.

في مواجهة النشاط والتغلغل الصهيونيين، لم يكن للأحزاب التونسية، تحليلات نظرية معمقة حول طبيعة الحركة الصهيونية العالمية ومشروعها لإقامة الكيان الصهيوني، وارتباطها العضوي بالمراكز الرأسمالية المتقدمة في الغرب، على الرغم من رفعها شعارات صحيحة مثل عروبة فلسطين اعتبار الصهيونية أداة في أيدي الامبريالية البريطانية، وانتفاء الطابع القومي عن الحركة الصهيونية.
 
وعرفت العلاقة بين السكان التونسيين المسلمين واليهود، حتى قبل الاحتلال، عدة توترات لم تصل بأي شكل من الأشكال إلى أعمال عنف واسعة أو إلى مجازر کما حدث في أوروبا خلال العصور الحديثة أو خلال القرن العشرين. اتخذت تلك التوترات والاضطرابات أبعاداً جديدة بعد احتلال فرنسا للبلاد التونسية إذ تحول جزء من النخب اليهودية ـ موضوعياً ـ إلى صف فرنسا، والتقت مصالحهم مع مصالح السلطات الاستعمارية، ما جعل التونسيين المسلمين ينظرون إلى هؤلاء كحلفاء للسلطات الاستعمارية (اللغة ـ  الجنسية). 

فبالنسبة إلى اللغة فأغلبية النخبة اليهودية لم تكن تستخدم اللغة العربية خاصة بعد تأسيس فرع للرابطة الإسرائيلية العالمية لتعليم وتحديث يهود الشرق وفتح أولى مدارسها في تونس 1902. كما كانت رغبة تخلي قطاع هام من اليهود عن الجنسية التونسية لاكتساب الجنسية الفرنسية محل قلق وارتياب النخبة الوطنية التونسية.

ورغم التفاعل الإيجابي بين النخبة الثقافية والسياسية التونسية بشقيها التقليدي والإصلاحي و"الحداثي" مع اليهود عامة واعتبرتهم مواطنين تونسيين بغض النظر عن ديانتهم، ودعتهم إلى النضال سوية من أجل تطوير التشريع التونسي الذي يتضمن سلبيات عديدة تنعكس على جميع التونسيين عرباً مسلمين ويهودا، فإنَّ ما عقّد العلاقة بين الطرفين هو عدم رغبة اليهود الحاملين للجنسية التونسية الانتماء إلى هذا الوطن.

يقول الباحث الحناشي: "فرغم أنَّ القانون الأساسي للحزب الحرّ الدستوري التونسي قد فتح العضوية لكل من يحمل الجنسية التونسية ووقر التوراة لأداء القسم بالنسبة إلى اليهود، غير أنَّ انتماء هؤلاء للحزب كان منعدماً تقريباً. وفي المؤتمر الثالث للحزب (مايو 1921) أعاد المؤتمرون انتخاب اللجنة التنفيذية وتم اختيار 3 يهود منهم ألبير بسیس كأمين مال بالنيابة غير أنَّ أحداً منهم لم يحضر لاجتماعات اللجنة التنفيذية. ورغم ذلك واصل الوطنيون، وخاصة منهم مناضلو الحزب الحر الدستوري التونسي، استمالة يهود تونس إلى النشاط الوطني. فأشركهم الحزب في الوفود التي أرسلها إلى باريس للتواصل والتباحث مع النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة حول أوضاع تونس ومطالب الحزب الإصلاحية، من ذلك الوفد الثالث الذي سافر عام 1921 وضم أحد اليهود. بل السكان اليهود. وبالتوازي مع ذلك تواصل تدفق الدعاة الصهاينة على البلاد بهدف دفع الشباب الصهيوني للتطوع في المنظمات العسكرية الصهيونية، وقام بعض من رجال الدين اليهود الصهيونيين بعدة جولات داخل البلاد بهدف الدعاية للفكرة الصهيونية وجمع التبرعات وحث اليهود على الهجرة إلى فلسطين" (ص23).

علاقة بورقيبة بيهود تونس وصهاينتها

كانت علاقة بورقيبة باليهود ـ قبل الاستقلال ـ عامة علاقة طيبة وكان له أصدقاء عديدون منهم. فبعد عودته من باريس تدربَ بورقيبة في مكتب المحامي "سيري" الذي كانت له صلاحيات تتجاوز المحامين العاديين كما يقول بورقيبة ثم عمل في مكتب أحد المحامين الفرنسيين مع زميل يهودي قال عنه بورقيبة إنَّه "ذو مزاج شرس عصبي المزاج"، وذلك عكس طبيعة وسلوك اليهودي "معارك" السكرتير الأول في مكتب المحامي "سيبو" الذي عمل فيه بورقيبة عام 1928 بعد أن ترك العمل في مكتب المحامي صالح فرحات الكاتب العام للحزب الحر الدستوري التونسي.

كانت لبورقيبة خلال الثلاثينيات مواقف معاكسة لسلوك قواعد حزبه الذي استنكر نشاط "الدعاة" الصهاينة الوافدين إلى تونس في حين طلب منهم بورقيبة عدم الاندفاع بموجب العاطفة حتى لا يورطوا الحركة الوطنية بأعمالٍ غير رصينةٍ، ودعاهم إلى الاستشارة قبل الإقدام على أي عمل مؤكداً أنَّ: "... لیست لبلادنا الآن مصلحة في تعكير الجو بقلاقل ومجازر ومذابح حول الصهيونية بدون أن يستفيد من ذلك شيئاً إخواننا عرب فلسطين الذين نعتقد أنهم لا بد لهم من الانتصار على خصومهم في أجل قریب بفضل ثباتهم وبفضل تأييد الشعوب الإسلامية والعربية".

عرفت علاقة بورقيبة تطوراً ملحوظاً بالأقلية اليهودية في أواخر الأربعينيات، إذ كان يحرص على سبيل المثال على حضور من يمثل اليهود من رجال الدين في مختلف اجتماعاته وخاصة بين عام 1949 وعام 1950 من ذلك مثلاً صعود حبر اليهود إلى منصة الخطابة كلما حل بجهة من جهات البلاد، كما أوصى سكان قابس أثناء زيارته لمدينتهم بأن ينظروا إلى اليهود كنظرتهم لغيرهم من المواطنين ليس قناعة على ما يبدو بل حتى: "نقيم البرهان أمام أنظار العالم على أننا أهل للسيادة وأكفاء لممارستها، وندعم موقف أصدقائنا الذين ساعدونا وراهنوا علينا وعلى صدقنا..". 

فمن هم الأصدقاء الذين كان يعنيهم بورقيبة الذين راهنوا عليه وعلى صدقه وحول ماذا تحديداً؟

كان بورقيبة يؤكد، باستمرار، ضرورة احترام اليهود التونسيين واعتبارهم مواطنين تونسيين بغض النظر عن ديانتهم وهي إحدى قناعات بورقيبة الثابتة التي أخذ يوظفها في معركته السياسية ضد فرنسا، التي حاولت بدورها تشويه الحركة الوطنية ونعتها بالتعصب الديني.

ففي عهد حكومة الطاهر بن عمار، التفاوضية المدعومة من قبل الحزب الدستوري، الديوان السياسي، صدر أمر باعتبار يوم كابور يوم عطلة رسمية كما قام بمعيّة المقيم العام الفرنسي بوضع الحجر الأساس لدار الأقلية اليهودية بتونس. وصرح الوزير بأن الحكومة التونسية تعتبر المسلمين واليهود إخوة تونسيين عليهم نفس الواجبات ولهم نفس الحقوق.

 

عرفت علاقة بورقيبة تطوراً ملحوظاً بالأقلية اليهودية في أواخر الأربعينيات، إذ كان يحرص على سبيل المثال على حضور من يمثل اليهود من رجال الدين في مختلف اجتماعاته وخاصة بين عام 1949 وعام 1950 من ذلك مثلاً صعود حبر اليهود إلى منصة الخطابة كلما حل بجهة من جهات البلاد، كما أوصى سكان قابس أثناء زيارته لمدينتهم بأن ينظروا إلى اليهود كنظرتهم لغيرهم من المواطنين

 



أما في المؤتمر الخامس للحزب الحرّ الدستوري، الديوان السياسي، المنعقد بمدينة صفاقس بتاريخ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1955، فقد تم انتخاب أندري باروش عضواً في اللجنة المركزية للحزب وتحصل على المرتبة الرابعة (؟!) في الانتخابات التي جرت في اليوم الأخير من المؤتمر. ولا شك في أن وجود تونسي من الديانة اليهودية في اللجنة المركزية للحزب تُعدُّ مجازفة كبرى من قبل بورقيبة الذي كان يواجه معارضة شديدة من قبل أعضاء الأمانة العامة للحزب بقيادة صالح بن يوسف والتي أطلقت ضدّه اتهامات حادّة أقلّها "عمالته" للغرب ولفرنسا تحديداً، وهو المتهم أصلاً منذ الثلاثينيات من قبل أنصار الحزب الدستوري -اللجنة التنفيذية- بتعامله مع الحركة الصهيونية وذلك بعد تصريحه لجريدة TUNIS SOIR الذي نفى من خلاله أي علاقة لحزبه بمظاهرتي يومي 1 و2 يناير/كانون الثاني 1938.

يقول الباحث الحناشي: الواقع أن وجود تلك الشخصية اليهودية في تلك اللجنة المركزية لا يتناسب والحجم الفعلي لليهود التونسيين في الحزب، ويبدو أن وجود "أندري باروش" في تلك الهيئة الحزبية العليا كان يمثل موقفاً رمزياً اعتمده بورقيبة ليبين مدى حرصه على تمثيل الأقلية اليهودية في الهيئة العليا للحزب كما أنه يحمل رسالة تتضمن تطميناً للجهات التي يعنيها مستقبل اليهود في تونس، ولمزيد تأكيد هذا النهج ضمت حكومة الطاهر بن عمار التفاوضية (17 ـ 9 ـ 1955 / 15 ـ 4 ـ 1956) المدعومة من قبل الديوان السياسي، يهودياً تونسياً (ص31).
 
وقد أوضح بورقيبة أن وجود وزير يهودي في الحكومة التونسية يفند التعلاّت التي ادعاها الاستعمار والتي مفادها أنه إذا خرجت فرنسا واستقلت تونس فإن أمن اليهود يصبح مهدداً، غير أن العكس هو الذي حصل.