في السابع من أكتوبر 2023، استيقظ العالم
على طوفان الأقصى. وقد أوجز تشاك فريليش،
مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق والأستاذ حاليا في جامعة تل أبيب
وكولومبيا، أثر هذا اليوم وما تلاه من أحداث، فقال فيما نشرته عنه جيروزاليم بوست
تحت عنوان "إسرائيل بعد حرب أكتوبر" 17/6/2026، فقال: "هناك فجوة
كبيرة بين الصورتين العسكرية الاستراتيجية، الصورة الاستراتيجية هي هزيمة شاملة
وانهيار استراتيجية إسرائيل، فلم ننجح في تدمير حماس أو الإطاحة بها من السلطة،
وحزب الله يعود رغم تراجع قدراته بشكل كبير".
وخرجت إسرائيل من هذه الحرب كما قالت هيئة
البث الأمريكية ABC في 8/10/2026
"أمة مصدومة تتجه بحذر نحو المستقبل".
ونقدم اليوم موجز تقييم مهم لمعهد دراسات
الأمن القومي الإسرائيلي INSS، "ميزان الأمن
القومي الإسرائيلي 2026"، 7/10/2026، وحرره عشرة من خبراء المعهد ممن خدموا
في الجيش وأجهزة الاستخبارات. وتناول وضع إسرائيل قبل هجوم حماس في السابع من
أكتوبر 2023، وما الذي تغيّر إسرائيلياً خلال السنوات الثلاث الماضية، والأثمان
التي دفعتها إسرائيل خلالها.
إسرائيل ما قبل 7 أكتوبر مباشرة
عشية الحرب، كان يُنظر إلى إسرائيل كقوة
عسكرية تتمتع بتفوق تكنولوجي؛ لكنها عاجزة عن تحويل هذه الميزة إلى نتائج حاسمة
على الأرض، مما كوّن انطباعاً بوجود جيش متردد في خوض مواجهة شاملة. وأدت الأزمة
الداخلية المتعلقة بالإصلاحات القضائية إلى تقويض تماسك الجيش، وإضعاف نموذج
"جيش الشعب". واستمر هذا الوضع حتى جاء هجوم السابع من أكتوبر 2023:
ـ ما الذي تغير؟: كشف هجوم حماس عن إخفاقات
جسيمة في مجالات الإنذار المبكر والدفاع والقيادة، إذ انهارت فرقة
غزة في أقل من
ساعة أمام عدو يفتقر إلى الطائرات والدبابات، وبدت القيادة العسكرية مشتتة وفاقدة
للتركيز. ولكن، مع انقشاع الصدمة الأولية، أظهر الجيش قدرات عملياتية لافتة، تمثلت
في دمج المعلومات الاستخباراتية مع القوة النارية والمناورة، وتنفيذ ضربات جوية
دقيقة - حتى في عمق الأراضي الإيرانية - والتعاون الناجح مع الولايات المتحدة في
الجانب الدفاعي للحد من أضرار الصواريخ والطائرات المسيرة.
تدخل إسرائيل العام الرابع بعد السابع من أكتوبر، وهي تواجه مشهداً استراتيجياً معقداً لا يمكن اختزاله في مفاهيم بسيطة مثل "النصر" أو "الفشل". فالتفوقَ العسكري الذي حققته خلال سنوات الحرب يقابله تدهورٌ في مكانتها الدولية، وخطرُ العزلة والعقوبات، وتحدياتٌ إضافية متوقعة بما فيها التكاليف الاقتصادية الهائلة للحرب الممتدة.
ـ بأي ثمن؟: كشف السابع من أكتوبر عن حدود
القوة العسكرية الإسرائيلية، إذ لم تُترجم الإنجازات إلى نتائج حاسمة، وواجه الجيش
استنزافاً في القوى البشرية وقوات الاحتياط، فضلاً عن نقص في الذخائر ومستويات
الجاهزية. ورغم ثقة الجمهور الإسرائيلي المرتفعة في المؤسسة العسكرية، فإنه تتزايد
الشكوك حول جدوى الحرب في تعزيز الأمن القومي، وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع
الرضا العام. كما لم ينجح استعراض القوة العسكرية في ردع خصوم إسرائيل.
التحالف الاستراتيجي الأمريكي والعلاقة
الخاصة مع واشنطن
قبل السابع من أكتوبر، اتسمت العلاقات بين
إسرائيل والولايات المتحدة بتوترات سياسية ناجمة عن الإصلاحات القضائية وتركيبة
الائتلاف الحاكم الإسرائيلي. ولكن، ظلت العلاقة مرتكزة على تعاون أمني وثيق، وضمان
التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. ومع اندلاع الحرب، تعمق التعاون الأمني ليصل إلى
مستويات غير مسبوقة؛ ولكن الخلافات السياسية أصبحت أكثر حدة ووضوحاً بسبب إدارة
العمليات والقضية
الفلسطينية والمساعدات الإنسانية.
وفي الوقت نفسه، تآكلت قاعدة الدعم المشترك
من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا سيما بين الشباب والجناح التقدمي في الحزب
الديمقراطي، وبرزت أصوات انعزالية داخل الحزب الجمهوري تشكك في جدوى الانخراط
الأمريكي طويل الأمد في الشرق الأوسط. ورغم التوترات السياسية، ظل التحالف
الاستراتيجي قوياً، واستمر الدعم الأمريكي لإسرائيل. ومع ذلك، بدأت تظهر مؤشرات
واضحة على تآكل قاعدة الدعم الشعبي والسياسي ، خاصة بين فئة الشباب واليسار
التقدمي:
ـ ما الذي تغير؟: أحدثت الحرب تحولاً عميقاً
في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، إذ اقترن التعاون الأمني غير المسبوق بتصاعد
الخلافات السياسية والضغوط الأمريكية على إسرائيل، بما في ذلك تأخير شحنات الأسلحة
وفرض شروط على المساعدات. ورغم تغير الإدارة الأمريكية، استمرت هذه الخلافات، حيث
دفعت واشنطن نحو ترتيبات لوقف إطلاق النار لم تكن تتوافق دائماً مع تفضيلات
الحكومة الإسرائيلية.
ـ بأي ثمن؟ تزايد اعتماد إسرائيل على
الولايات المتحدة بشكل كبير، إذ أصبحت المساعدات العسكرية والاستخباراتية
والدفاعية متطلبات أساسية لاستمرار الحرب متعددة الجبهات، مما أدى إلى تقليص هامش
المناورة السياسية لإسرائيل، وتثار نقاشات وتساؤلات داخل الولايات المتحدة حول
جدوى استمرار الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، مما يفرض تحديات
استراتيجية أمام مستقبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
إسرائيل على الساحة الدولية.. بين التضامن
الأولي وتآكل الشرعية
قبل السابع من أكتوبر مباشرة، كانت العلاقات
الخارجية لإسرائيل مستقرة نسبياً، إذ وسّعت علاقاتها مع دول في أوروبا وآسيا
وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مستفيدةً من نقاط قوتها في مجالات الأمن والتكنولوجيا
والطاقة. ورغم الانتقادات الموجهة لسياساتها تجاه الفلسطينيين، استمرت هذه
العلاقات في التطور. ومع ذلك، ألحقت الأزمة الداخلية الإسرائيلية وخطة الإصلاح
القضائي ضرراً بصورتها الدولية وأثرتا سلباً على الحوار مع بعض الحلفاء
الديمقراطيين. ومع اندلاع السابع من أكتوبر، حظيت إسرائيل في البداية بموجة تضامن
غير مسبوقة، حيث أدانت دول عديدة هجوم حماس وأقرت بحق إسرائيل في الدفاع عن النفس:
ـ ما الذي تغير؟: مع استمرار الحرب، شهد
المشهد الدولي تحولاً جذرياً، إذ عادت القضية الفلسطينية لتتصدر الأجندة العالمية.
وترافق ذلك مع موجة اعتراف بالدولة الفلسطينية، وتزايد الضغوط من أجل التوصل إلى
تسوية سياسية. وازدادت العلاقات الثنائية الإسرائيلية مع الدول الأخرى تعقيداً،
فبينما حافظت بعض الدول على تعاونها مع إسرائيل في المجالات الأمنية والاقتصادية،
كثفت دول أخرى انتقاداتها ومارست ضغوطاً سياسية عليها. وفي المحافل الدولية، واجهت
إسرائيل انتقادات لاذعة وإجراءات قانونية أمام العدل الدولية والجنائية الدولية،
إلى جانب صدور مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين. كما تضررت صورتها العامة
بشدة مع اتساع نطاق الاحتجاجات وتراجع الدعم الشعبي، لا سيما بين الشباب والأوساط
الجامعية والنخب الأكاديمية والثقافية.
ـ ما الثمن؟: لم يقتصر تآكل مكانة إسرائيل
على السياسة الرسمية، بل امتد ليشمل المؤسسات المدنية والأكاديمية والاقتصادية
والثقافية، وتزايدت ظاهرة المقاطعة ورفض التعاون مع الكيانات الإسرائيلية. ولهذا
الاتجاه تأثير أعمق من الأزمات السياسية بين الحكومات، إذ يعيد تشكيل الرأي العام،
ويؤثر على الشرعية الدولية على المدى الطويل. وفي المقابل، عززت الحرب الوعي لدى
العديد من الدول الغربية بشأن التهديد الذي تشكله إيران ووكلاؤها - مما أتاح
لإسرائيل فرصة لإثبات صحة تحذيراتها السابقة - رغم أنها فشلت في تحويل هذا الوعي
إلى دعم سياسي واسع النطاق.
إسرائيل في الشرق الأوسط.. بين الاندماج
الأمني والمأزق السياسي
قبيل السابع من أكتوبر مباشرة، ارتكزت
الاستراتيجية الإقليمية لإسرائيل على توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام"،
والسعي نحو التطبيع مع المملكة العربية السعودية، وذلك انطلاقاً من افتراض مفاده
أن المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة مع الدول العربية المعتدلة بدأت تطغى على
القضية الفلسطينية. كما تبلورت رؤية إقليمية تعتبر إيران ووكلاءها التهديد الرئيسي
للاستقرار الإقليمي، مما أرسى دعائم للتعاون الأمني والاستخباراتي بين إسرائيل
وبعض الدول العربية:
ـ ما الذي تغير؟: أدى هجوم السابع من أكتوبر
والحرب متعددة الجبهات إلى وقف زخم الاندماج الإقليمي، وإن لم يؤديا إلى تفكيك
الإطار الاستراتيجي القائم. في البداية، ميزت الدول العربية بين هجوم حماس والحرب
في غزة؛ غير أن استمرار القتال أدى إلى تصاعد الانتقادات وعودة القضية الفلسطينية
إلى صدارة الأجندة. ومع ذلك، استمر التعاون الأمني مع بعض الدول - بل وتعمق - لا
سيما مع الإمارات العربية المتحدة من خلال التنسيق الاستخباراتي والدفاع الجوي.
وفي المقابل، كشفت الحرب عن حدود هذه الشراكة، إذ رفضت الدول العربية المعتدلة تحمل
مسؤولية إعادة إعمار غزة في غياب إطار سياسي أوسع. وبرزت كل من تركيا وقطر كلاعبين
محوريين في تشكيل الترتيبات الإقليمية، مما شكل تحدياً لإسرائيل نظراً لاختلاف
رؤاهما حول مستقبل المنطقة.
ـ ما الثمن؟: أثبتت الحرب أن التفوق العسكري
الإسرائيلي وحده لا يكفي لتشكيل نظام إقليمي جديد. ورغم إعجاب الدول العربية
المعتدلة بالإنجازات العملياتية، إلا أنها ظلت حذرة بسبب غياب المبادرات السياسية.
وقد دفع هذا الوضع الدول العربية إلى تبني استراتيجية "التحوط"، التي
تتضمن بناء طبقات أمنية إضافية، وإجراء حوار مع طهران، والتعاون السري مع إسرائيل
في نفس الوقت. كما حدت العداءات الشعبية من قدرة الحكومات على توسيع نطاق الشراكات
العلنية. وسلط الصراع مع إيران الضوء أيضاً على البعد الجيواقتصادي، حيث أصبحت قضايا
الملاحة والطاقة على رأس الأولويات، وكشف عن فجوة بين الإنفاق الدفاعي الخليجي
والقدرة الفعلية على حماية البنية التحتية. كما اتضح الدور المحوري للولايات
المتحدة؛ إلا أن الشكوك المتزايدة بشأن استعدادها للالتزام باستثمارات طويلة الأمد
في المنطقة دفعت دول الخليج إلى تنويع علاقاتها مع قوى أخرى.
الشرعية الدولية لسياسات إسرائيل: بين الدعم
الأولي وتآكل الاعتراف
عشية الحرب، تمتعت إسرائيل بشرعية دولية
واسعة نسبياً، إذ أقرت معظم الدول بحقها في الدفاع عن النفس، مما وفر لها دعماً
سياسياً وعسكرياً كبيراً عقب هجوم السابع من أكتوبر مباشرة. وقد ساعدت هذه الشرعية
إسرائيل على توسيع هامش المناورة المتاح لها على الساحة الدولية:
ـ ما الذي تغير؟: طرأ تحول عميق على عدة
أصعدة، فقد عادت القضية الفلسطينية لتتصدر الأجندة الدولية، وتزايدت المطالب
بضرورة التوصل إلى حل سياسي يستند إلى "حل الدولتين". كما بدأت تظهر
أصوات تشكك في شرعية وجود إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي. أما بالنسبة لإيران،
ففي حين أدركت دول عديدة حجم التهديد الإيراني، مال الرأي العام الدولي إلى معالجة
هذا التحدي عبر تحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية بدلاً من الاعتماد على القوة
العسكرية وحدها. وشهدت علاقات إسرائيل مع المعسكر الليبرالي الديمقراطي تآكلاً
واضحاً، واتسعت رقعته لتشمل أساليب القتال، والتبعات الإنسانية، وغياب الأفق
السياسي. وتفاقمت هذه الانتقادات مع تصريحات الحكومة الإسرائيلية وعنف الجيش
والمستوطنين في الضفة الغربية، مما عزز الشكوك حول مدى التزام إسرائيل بالقيم
الديمقراطية والسعي نحو حل سياسي.
ـ ما الثمن؟: أدى تآكل الشرعية الدولية إلى
تقليص هامش المناورة المتاح لإسرائيل. وتسبب غياب استراتيجية سياسية إسرائيلية
واضحة في تزايد الضغوط القانونية والسياسية، كما توسع نطاق الاعتراف بالدولة
الفلسطينية، وتصاعدت الإجراءات في المؤسسات القانونية الدولية. وتراجع أيضا
استعداد بعض الدول لتقديم دعم تلقائي لإسرائيل.
الاقتصاد الإسرائيلي.. مرونة لافتة وتحديات
مستقبلية
عشية الحرب، تمتع الاقتصاد الإسرائيلي بأسس
قوية: معدل نمو سنوي يناهز 3%، ودين عام مستقر عند مستوى 60% من الناتج المحلي
الإجمالي، وانضباط مالي أتاح الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والرعاية
الصحية والابتكار. ورغم أن ميزانية الدفاع مرتفعة مقارنة بمعظم دول منظمة التعاون
الاقتصادي والتنمية (OECD)،
إلا أنها لم تتجاوز 4% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، مما سمح بتحقيق
توازن بين المتطلبات الأمنية والازدهار المدني:
ـ ما الذي تغير؟: على الرغم من الصدمة
الأولية للحرب، أظهر الاقتصاد الإسرائيلي مرونة استثنائية؛ فبعد انكماشه في أواخر
عام 2023، عاد إلى مسار النمو وتجنب الوقوع في الركود طوال الحرب. وحافظت إسرائيل
على قدرتها في الوصول إلى أسواق رأس المال والاقتراض مما مكنها من تمويل الحرب دون
التسبب في أزمة مالية واسعة النطاق. وأكد هذا الأداء متانة الهيكل الاقتصادي
وقدرته على الصمود أمام الصدمات الاستثنائية.
أحدثت الحرب تحولاً عميقاً في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، إذ اقترن التعاون الأمني غير المسبوق بتصاعد الخلافات السياسية والضغوط الأمريكية على إسرائيل، بما في ذلك تأخير شحنات الأسلحة وفرض شروط على المساعدات. ورغم تغير الإدارة الأمريكية، استمرت هذه الخلافات، حيث دفعت واشنطن نحو ترتيبات لوقف إطلاق النار لم تكن تتوافق دائماً مع تفضيلات الحكومة الإسرائيلية.
ـ بأي ثمن؟: تحققت هذه المرونة بتكلفة
باهظة: ركود مستويات المعيشة، فلم يطرأ تحسن على نصيب الفرد من الناتج المحلي
الإجمالي، واقتصر النمو الاقتصادي على موازاة النمو السكاني، مما أدى إلى ركود في
مستويات المعيشة. وقدّر بنك إسرائيل حجم الخسارة التراكمية بنحو 35 ألف شيكل لكل
مواطن على مدار تسعة أرباع سنوية من القتال. وأدت الحرب إلى تدهور الوضع المالي،
فقد ارتفع الدَين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 9%، وتجاوز العجز المالي
المستهدفات مراراً، وأدت تخفيضات التصنيف الائتماني إلى زيادة تكاليف الاقتراض
وتقليص المرونة المالية. كما تغيرت الأولويات الوطنية، فتضاعفت ميزانية الدفاع
لتتجاوز 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وتم توجيه موارد أكبر نحو القطاع الأمني
على حساب الاستثمارات المدنية طويلة الأجل.
المرونة المجتمعية في إسرائيل.. تضامنٌ قيد
الاختبار وانقسامٌ متزايد
قبيل الحرب، عانت إسرائيل من انقسام عميق
تجلى في: حالة متكررة من الشلل السياسي كانت أبرز مظاهره خمس جولات انتخابية في
أقل من أربع سنوات، وصراع محتدم حول الإصلاحات القضائية، وهجمات حكومية على السلطة
القضائية والمؤسسة العسكرية، واحتجاجات اجتماعية واسعة النطاق. وقد أدى هذا الشرخ
الداخلي إلى تقويض الثقة في مؤسسات الدولة والنظام الديمقراطي، وإضعاف نموذج
"جيش الشعب":
ـ ما الذي تغير؟: بعد السابع من أكتوبر،
تراجع الخلاف الداخلي أمام الصدمة الناجمة عن الهجوم والإخفاق الأمني؛ وحظيت الحرب
بشرعية واسعة لدى مختلف أطياف المشهد السياسي. ولكن، سرعان ما برزت خلافات جديدة
حول أهداف الحرب، فضلاً عن المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاق. وتصاعد الغضب
تجاه "الحريديم" المعفىين من الخدمة العسكرية. وأعاد استمرار الحرب
إشعال الانقسام السياسي الحاد، مع اتهامات بتسييس القرارات العسكرية. وتأتي
انتخابات أكتوبر 2026 في ظل مؤشرات على رغبة بعض المواطنين في مغادرة البلاد،
وتراجع غير مسبوق في صافي الهجرة لا سيما في أوساط الأكاديميين.
ـ ما الثمن؟: يفرض الانقسام الداخلي ثمناً
باهظاً على قدرة إسرائيل على الصمود والازدهار، إذ يغذي انعدام الثقة في المؤسسات
حالة من الفوضى والاغتراب الاجتماعي ونزيف في رأس المال البشري والاقتصادي. ويزيد
ضعف نموذج "جيش الشعب" من تعقيد الجهود الرامية لمعالجة المشكلات التي
تواجه المجتمع الإسرائيلي. وإذا استمر هذا الاتجاه - مقترناً بعدم الاستقرار
السياسي وتآكل الطابع الديمقراطي - فقد يؤدي إلى مواجهات عنيفة بين مختلف شرائح
المجتمع، وهو سيناريو ينظر إليه الرأي العام باعتباره واحداً من أخطر التهديدات
الوجودية التي تواجه إسرائيل.
الساحة الفلسطينية.. إنجازات عسكرية في ظل
غياب الأفق الاستراتيجي
ارتكزت سياسة إسرائيل على "إدارة
الصراع"، وقبول حكم حماس في غزة كأمر واقع مع محاولة احتوائها عبر الحوافز
الاقتصادية، والحفاظ على الفصل بين الضفة والقطاع. واستمرت في الضفة سياسة
"جز العشب"، والتوسع الاستيطاني، وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على
المنطقة (ج). وساد تقدير إمكانية توسيع "اتفاقيات أبراهام" والتطبيع مع
السعودية دون تقدم سياسي بشأن القضية الفلسطينية. ولكن بهجوم السابع من أكتوبر:
ـ ما الذي تغير؟: أحدثت الحرب تغييراً
جذرياً في الواقع؛ إذ انتقلت إسرائيل من سياسة الاحتواء إلى محاولة تحقيق نصر حاسم
بالقوة، دون خطوات سياسية موازية. ففي غزة، فرض الجيش سيطرة أمنية واسعة. وفي
الضفة الغربية، تبنى الجيش أنماطاً عملياتية مشابهة لتلك المستخدمة في غزة،
وتسارعت وتيرة فرض السيادة الإسرائيلية غرب نهر الأردن، مما أدى فعلياً إلى القضاء
على احتمالية قيام دولة فلسطينية. وبالتزامن توسع المشروع الاستيطاني، وزادت وتيرة
استخدام "الإرهاب اليهودي" كأداة للسيطرة، مما أثار مخاوف داخلية ودولية.
ـ بأي ثمن؟: رغم الإنجازات العسكرية
الإسرائيلية، برزت تحديات استراتيجية، منها: غياب بديل لحكم غزة، ولا تزال حماس
تحتفظ بنفوذها بين السكان، ولم تتمكن إسرائيل من بلورة آلية لاستبدالها. وأدى ضعف
السلطة الفلسطينية وتدهور وضعها الاقتصادي والسياسي إلى تقليص قدرتها على أداء
دورها، أو أن تكون بديلاً لحكم غزة. كما عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة
الدولية، فأصبح وجود مسار سياسي يشملها شرطاً مسبقاً لأي تقدم إقليمي. وأدى توسع
الاستيطان وعنف المستوطنين إلى تعميق الانتقادات الدولية وتقويض شرعية إسرائيل
وزيادة مخاطر العزلة السياسية.
إيران و"المحور الشيعي".. أضرار
جسيمة وأهداف ثابتة
قبيل 7 أكتوبر مباشرة، ارتكزت الاستراتيجية
الإيرانية على ثلاث ركائز: حلقة النار المكونة من وكلائها بالمنطقة بهدف ردع
إسرائيل وإبقائها تحت ضغط متعدد الجبهات، وضع "العتبة النووية" مع
توقعات بامتلاكها آلاف الصواريخ المتطورة في غضون بضع سنوات، وتعزيز المكانة
الإقليمية لإيران من خلال استئناف العلاقات مع المملكة العربية السعودية وتوسيع
النفوذ في جميع أنحاء الشرق الأوسط:
ـ ما الذي تغير؟: ألحقت الحرب أضراراً غير
مسبوقة بأسس القوة الإيرانية. فقد تآكلت أصول "محور المقاومة" إذ فقدت
حماس معظم قوتها، وانهار نظام الأسد، وتلقى حزب الله ضربة قوية. كما تضررت القدرات
الاستراتيجية الإيرانية بما في ذلك البرنامج النووي ومنشآت التخصيب وصناعة
الصواريخ. والأهم من ذلك، هو تحول المواجهة المباشرة مع إسرائيل باستخدام الصواريخ
والطائرات المسيرة، وهو تحول جوهري في العقيدة الأمنية الإيرانية.
ـ ما الثمن؟: رغم الأضرار، ظهرت اتجاهات
تزيد من حدة التهديد المستقبلي لإسرائيل: فالقيادة الإيرانية الجديدة أكثر عدوانية
وميلاً للمخاطرة، ولديها دافع أقوى لامتلاك قدرات نووية عسكرية كأداة ردع. وتستمر
إيران في الاستثمار لإعادة بناء الوكلاء، وتعميق السيطرة عليهم. وتحتفظ بمخزون
يُقدر بـ 440 كجم من اليورانيوم المخصب، وأكثر من 1500 صاروخ متطور وموجه بدقة.
الساحة اللبنانية.. فرصة استراتيجية
لإسرائيل
قبل 7 أكتوبر مباشرة، كان حزب الله هو القوة
المهيمنة في لبنان، حيث امتلك قدرات عسكرية كبيرة وسيطر على مراكز صنع القرار
الرئيسية، مما حال دون قيام مؤسسات حكم مستقلة. وشكّل الحزب تهديداً مستمراً
للمجتمعات في شمال إسرائيل، رغم أن توازن الردع المتبادل حال دون اندلاع حرب شاملة:
ـ ما الذي تغير؟: أدى انخراط الحزب في الحرب
إلى تآكل كبير في قوته، وخسارته شخصيات قيادية بارزة وبنية تحتية هامة. كما تراجع
الحزب عن الحدود الشمالية، وعزز الجيش الإسرائيلي وجوده في المنطقة العازلة. وأدى
هذا التطور إلى تحسن ملموس في أمن المجتمعات الشمالية. وشهد لبنان تحولاً سياسياً
تمثل في انتخاب رئيس جديد، وتشكيل حكومة مستقلة عن حزب الله، وبدء حوار مباشر مع
إسرائيل بوساطة أمريكية، مما فتح نافذة فرص غير مسبوقة للتوصل إلى تسوية سياسية
وأمنية.
ـ ما الثمن؟: يفرض الوجود العسكري
الإسرائيلي في جنوب لبنان عبئاً طويل الأمد، ويزيد من المخاطر. ويعتمد نجاح أي
اتفاق على قدرة الدولة اللبنانية على مواجهة حزب الله، وهي نتيجة لا تزال غير
مضمونة. ورغم تراجع قوة حزب الله، فإنه لم يُهزم، ويحتفظ بترسانته العسكرية،
ويتمتع بدعم إيراني وعمل نشط لإعادة بناء قدراته، ويسعى لمنع الحكومة اللبنانية من
تقليص نفوذه.
إسرائيل بين الإنجاز العسكري والجمود
الاستراتيجي
تدخل إسرائيل العام الرابع بعد السابع من
أكتوبر، وهي تواجه مشهداً استراتيجياً معقداً لا يمكن اختزاله في مفاهيم بسيطة مثل
"النصر" أو "الفشل". فالتفوقَ العسكري الذي حققته خلال سنوات
الحرب يقابله تدهورٌ في مكانتها الدولية، وخطرُ العزلة والعقوبات، وتحدياتٌ إضافية
متوقعة بما فيها التكاليف الاقتصادية الهائلة للحرب الممتدة. وإذا لم تتم استعادة
التماسك الداخلي بسرعة، فقد يتدهور ميزان الأمن القومي الإسرائيلي إلى مستوى متدنٍ
للغاية. وفي ظل غياب أي استقرار يستند إلى اتفاقيات سياسية وتحرك سياسي استباقي،
يصبح الإنجاز العسكري الراهن هشاً، ويستعيد أعداء إسرائيل عافيتهم، كما يؤدي
القتال الممتد إلى استنزاف الجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط، ويكشف عن حدود القوة
العسكرية عندما لا تكون موجهة نحو هدف سياسي واضح. وتصبح التقديرات الواردة هنا
عرضة للتغير وليس بالضرورة نحو الأفضل، ويقابل التفوق العملياتي الإسرائيلي تآكل
استراتيجي.