بطاقة تعريف
الاسم: الحزب الديمقراطي
اللبناني.
التأسيس: 1 تموز/ يوليو 2001.
الرئيس: طلال مجيد أرسلان
مدّة الولاية: غير محددة
الرمز البصري: رسم أخضر لخريطة لبنان، وتبرز
في هويته البصرية ألوان الأخضر والأحمر والأبيض.
الشعار: استُخدم في الاحتفال باليوبيل الفضي
عام 2026: "25 سنة… وما بدّلنا الإتجاه"
التمثيل النيابي (إنتخابات 2022): صفر
لا يمكن قراءة الحزب الديمقراطي اللبناني
بوصفه حزباً فتياً أُسِّس عام 2001 وحسب. فخلف التنظيم الحديث تقف واحدة من أقدم
الزعامات السياسية الدرزية في جبل لبنان: زعامة آل أرسلان. وهذا ما يميّزه عن
أحزاب لبنانية كثيرة نشأت حول أحداث أو أيديولوجيات، ويقربه من أحزاب أخرى ـ ولا
سيما ضمن بيئته الطائفية ـ نشأت حول زعامة، إذ جاء الحزب في جانب منه محاولةً
لتحويل زعامة عائلية تاريخية إلى مؤسسة حزبية ذات هيكل سياسي وتنظيمي.
الإرث الذي سبق الحزب
تاريخياً، توزعت الزعامة الدرزية في جبل
لبنان بين اتجاهين تقليديين عُرفا بـ"الجنبلاطي" و"اليزبكي".
وتولّى آل أرسلان زعامة الاتجاه اليزبكي في مواجهة آل جنبلاط، وإن كانت هذه
التقسيمات القديمة أكثر تعقيداً من أن تُختصر بصراع عائلتين. وفي القرن العشرين
تجسدت المنافسة بصورة خاصة بين كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان: الأول بنى لاحقاً
حزباً منظماً ومشروعاً سياسياً أُريد له في البداية ان يتجاوز البيئة الدرزية هو
الحزب التقدمي الاشتراكي، فيما استند الثاني إلى الزعامة التقليدية الأرسلانية
وإلى حضور نيابي ووزاري طويل، ولا سيما في منطقة عاليه.
يقف الحزب الديمقراطي اللبناني اليوم بين "دار خلدة" والمؤسسة. بعد ربع قرن على تأسيسه، يصرّ على تقديم نفسه باعتباره حزباً وطنياً يدعو إلى دولة قوية وعادلة، وإصلاح الإدارة والقضاء، وحماية الودائع والتحول نحو الاقتصاد المنتج وتعزيز الهوية العربية للبنان لكنّه يواجه تحديات تنظيمية وسياسية أكبر من الخطاب.
يمثل الأمير مجيد أرسلان المرجعية التاريخية
الأهم في الخطاب السياسي للحزب الديمقراطي اللبناني. دخل البرلمان للمرة الأولى في
ثلاثينيات القرن الماضي واستمر لاعباً نيابياً ووزارياً لعقود، وكان أحد أبرز
الزعماء الدروز في مرحلة تأسيس الجمهورية اللبنانية واستقلالها. وترتبط صورته
خصوصاً بالأحداث التي سبقت استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني نوفمبر 1943، عندما
اعتقلت سلطات الانتداب الفرنسي رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض
الصلح وعدداً من الوزراء في قلعة راشيا، بينما تمكّن وزراء وشخصيات أخرى، من بينهم
مجيد أرسلان وحبيب أبو شهلا وصبري حمادة، من مواصلة العمل السياسي من بلدة بشامون.
وأدت تلك المواجهة، بالتزامن مع الضغط الشعبي والسياسي والدولي، إلى إطلاق
المعتقلين وإعلان 22 تشرين الثاني عيداً للاستقلال.
إستمرّ مجيد أرسلان، الذي تولى حقائب وزارية
عدة، ممثلاً لقطب درزي موازٍ لكمال جنبلاط. إلا أن ميزان القوى داخل الطائفة تبدّل
تدريجياً، فمنافسه كمال جنبلاط لم يعد مجرد زعيم عائلي، بل أصبح مؤسِّساً لحزب ذي
بنية تنظيمية وعقيدة سياسية وشبكة تحالفات وطنية، ثم قائداً للحركة الوطنية
اللبنانية. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، انتقل مركز الثقل السياسي والعسكري
الدرزي بصورة متزايدة إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، فيما بقي الأرسلانيون بعيدين
من التنظيمات الميليشوية والأعمال العسكرية المباشرة. وهكذا احتفظ البيت الأرسلاني
برمزيته التاريخية، لكن الفارق في التنظيم والقوة الشعبية والعسكرية اتسع لمصلحة
المختارة.
الحرب الأهلية وما بعدها
خلال الحرب الأهلية في لبنان (1975 ـ 1990)
لم يكن دور مجيد أرسلان أو أيّ من نجليه فيصل وطلال مثل دور زعماء الميليشيات أو
القادة العسكريين، فموقف البيت الأرسلاني من الحرب كان مختلفاً جذرياً عن موقف
كمال جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي. مجيد أرسلان، استمرّ على خطه المحافظ
والمؤيد للدولة في وجه الميليشيات، وعارض تحويل الطائفة الدرزية إلى طرف في نزاع
مسلّح يُسقط الدولة. وتذكر مصادر عن تاريخ الطائفة أن آل أرسلان رفضوا الانخراط في
المشروع العسكري الذي قاده جنبلاط ضمن الحركة الوطنية، كما كانوا أكثر تحفظاً تجاه
التحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية واليسار اللبناني.
ولعلّها النقطة الأكثر أهمية لفهم المنافسة
بين الرّجلَين: كمال جنبلاط قاد الحركة الوطنية وتحالفها مع اليسار ومع منظمة
التحرير الفلسطينية التي نفذت أعمالاً عسكرية ضد أطراف لبنانية يمينية ولا سيما
مسيحية، في المقابل تمسك مجيد أرسلان بمرجعية الدولة اللبنانية ورفض التحالفات
المبنية على المصالح الآنية كما رفض تحويل الدروز إلى قوة عسكرية مستقلة عن
الدولة. علماً أن جذور المنافسة أقدم من ذلك بكثير لأن التنافس بين جنبلاط وأرسلان
سبق الحرب الأهلية وهو في أساسه تنافس بين مشروعين مختلفين للزعامة الدرزية،
أحدهما أراد التحوُّل إلى حركة سياسية ذات أيديولوجيا وتنظيم وقوة عسكرية، ثم إلى
لاعب وطني كبيرعابر للطوائف والمناطق، وأحدهما الآخر أراد الحفاظ على البيت
التاريخي وإرث الاستقلال، وتمسك بالعلاقة الوثيقة بالدولة ومؤسساتها، ثم لاحقاً
سعى لبناء تحالفات مع القوى التي أصبحت صاحبة النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، وعلى
رأسها سوريا (في عهد حافظ الأسد).
بقيت الزعامة السياسية الفعلية لآل أرسلان
بيد الأمير مجيد حتى وفاته عام 1983، فانتقلت الزعامة أولاً إلى نجله الأكبر فيصل،
الذي ألبسته مشايخ خلوات البياضة عباءة الزعامة. وكان فيصل يحمل توجهاً مختلفاً عن
والده إذ كان أقرب إلى بشير الجميل، وشارك في محاولة بناء علاقات مع العديد من
القوى اللبنانية المسيحية، بينما كان وليد جنبلاط في المعسكر المقابل تقريباً، إلى
جانب الحركة الوطنية وحلفائها. وتذكر مصادر أن منزل فيصل في عاليه دُمّر، وأنه
تعرض لمحاولة اغتيال عام 1983، يُرجّح أنها جاءت انتقاماً لتأييده انتخاب بشير الجميل
للرئاسة عام 1982.
مع انتهاء الحرب الأهلية بموجب اتفاق الطائف
(1989) بدا فيصل في موقع لا ينسجم مع الاتجاه الذي رسخه الطائف والذي كرّس وصاية
سوريا على لبنان فتراجع دوره السياسي تدريجياً، وبرز شقيقه الأصغر طلال الذي كان
قد أنهى دراسة العلوم السياسية والاقتصادية في واشنطن عام 1988 والذي أرادت
العائلة تقديمه بوصفه الخيار الأقدر على الدخول في النظام السياسي الجديد. وساعدت
علاقات طلال بدمشق وبوليد جنبلاط، إضافة إلى موقع والدته خولة جنبلاط أرسلان، في
انتقال مركز الثقل السياسي الأرسلاني إليه. وفي عام 1991 عُيّن طلال نائباً عن
عاليه، ليبدأ عملياً تكريس زعامته السياسية.
وفي هذا المناخ بنى أرسلان علاقة وثيقة مع
دمشق، وتحولت هذه العلاقة لاحقاً إلى أحد أبرز عناصر هويته السياسية إذ انتُخب عن
المقعد نفسه في دورات 1992 و1996، وانتُخب عام 2000 عن دائرة عاليه–بعبدا. لاحقاً،
خسر مقعده للمرة الأولى في انتخابات 2005، قبل أن يعود إلى البرلمان في انتخابات
2009، ويُعاد انتخابه في 2018 عن دائرة الشوف–عاليه. أما في انتخابات 2022 فخسر
مقعده مجدداً أمام مارك ضو الذي يمثل المعارضة، فانتهى بذلك تمثيله النيابي، وأصبح
الحزب الديمقراطي اللبناني بلا نائب في مجلس النواب.
ويُشار إلى أن التمثيل النيابي المباشر
للحزب كان في معظم المرحلة الحديثة متمحوراً حول أرسلان نفسه، مع مرشحين وحلفاء
محسوبين على خطه في دوائر مختلفة. وقد يرى المراقبون أن هذه المسألة تمثل نقطة
مهمة لتقييم مدى نجاح الحزب في التحول من زعامة عائلية إلى حزب مؤسساتي.
من الزعامة إلى الحزب
في الأول من تموز يوليو 2001، أسّس أرسلان
"الحزب الديمقراطي اللبناني" في محاولة لإعطاء الخط الأرسلاني إطاراً
حزبياً أكثر انتظاماً. وقد ظهرت داخل الحزب مؤسسات مثل المجلس السياسي والهيئة
التنفيذية، ومنتدى الشباب والمنتدى النسائي والكشاف الديمقراطي، إضافة إلى دوائر
حزبية مناطقية. وفي مؤتمره الخامس عام 2022 عدّل الحزب بعض مواد نظامه الداخلي
وانتخب مجلساً سياسياً، فيما أعيد انتخاب أرسلان رئيساً بالتزكية.
يقدّم الحزب نفسه كتنظيم يتجاوز الطائفة،
رغم أن الواقع يشي بغير ذلك. فقد تحدث أرسلان عن الدولة المدنية العادلة والمواطنة
الحقيقية، وعن إصلاح النظام السياسي واستقلال القضاء، وعن الانتقال من الاقتصاد
الريعي إلى اقتصاد يقوم على الصناعة والزراعة واقتصاد المعرفة. وفي خطابه المُعلن
ومواقفه، يؤكد الحزب انتماءه العربي، وتمسكه بمبدأ العيش المشترك ووحدة لبنان. لكن
الواقع الانتخابي والاجتماعي يكشف أن ثقله الأساسي ما يزال متمركزاً في البيئة
الدرزية، وخصوصاً في الشويفات وعاليه وبعض قرى الغرب، مع حضور أقل في حاصبيا وراشيا
والشوف.
وهنا تبرز المعضلة التي رافقت الحزب منذ
تأسيسه: هل هو مؤسسة سياسية مستقلة؟ أم تنظيم حديث لزعامة تقليدية؟ فالرئاسة لم
تنتقل منذ تأسيسه عام 2001، واسم طلال أرسلان بقي عملياً المرادف السياسي للحزب،
على الرغم من وجود مجالس وأجهزة حزبية. وبالتالي يصعب حتى اليوم الفصل تماماً بين
مكانة "دار خلدة" التاريخية وبين الوزن التنظيمي المستقل للحزب.
خروج سوريا من لبنان
أدى اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وخروج
الجيش السوري من لبنان على وقع التظاهرات الشعبية والحراك الدولي إلى إعادة رسم
الخريطة السياسية. انضم وليد جنبلاط إلى المحور المناهض للوجود والنفوذ السوري ضمن
قوى 14 آذار، بينما بقي أرسلان في المعسكر المقابل، ثم أصبح الحزب الديمقراطي
جزءاً من البيئة السياسية المعروفة بقوى 8 آذار، إلى جانب حزب الله وحركة أمل وقوى
وشخصيات أخرى حليفة لدمشق.
مرة جديدة، عاد الاختلاف بين آل أرسلان
وجنبلاط إلى الواجهة، لكنه هذه المرة بدا أكبر من منافسة على المقاعد الدرزية: كان
انعكاساً لصراع وطني وإقليمي حول سوريا وسلاح حزب الله وتحالفات لبنان الخارجية.
وخسر أرسلان مقعده في انتخابات 2005 قبل أن يعود إلى البرلمان في العام 2009، مع
إعادة ترتيب التحالفات بعد أحداث 7 أيار مايو 2008 التي شهدت حرب شوارع بين مسلحي
حزب الله وحلفائه من جهة ومسلحين من تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي من
جهة ثانية.
لعل أكبر تحول أصاب البيئة الإقليمية للحزب الديمقراطي اللبناني جاء مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول ديسمبر 2024. طوال سنوات، كان أرسلان من أوضح حلفاء دمشق داخل الساحة الدرزية اللبنانية، فيما كانت علاقته بالنظام السوري عنصراً أساسياً في تمايزه عن جنبلاط، ولا سيما بعد خروج سوريا من لبنان عام 2005. ومع انهيار حكم آل الأسد اختفى أحد أهم المراكز الإقليمية التي استند إليها هذا الخط السياسي.
شكّلت أحداث 7 أيار مايو 2008 امتحاناً
خاصاً لموقع أرسلان. فقد امتدت المواجهات التي بدأت في بيروت إلى مناطق الجبل ذات
الأغلبية الدرزية، وفي ذروة الخطر، طلب وليد جنبلاط من خصمه طلال أرسلان التدخل
للمساعدة في وقف القتال وتأمين انتشار الجيش في القرى المتوترة. وتظهر هذه الواقعة
إحدى خصائص العلاقة بين الزعامتين: التنافس قد يكون شديداً، لكن الخوف من تحول
الخلاف السياسي إلى اقتتال درزي أو مذهبي يفرض عليهما أحياناً التعاون والارتقاء
فوق الخلافات.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند بروز
وئام وهاب، مؤسس حزب التوحيد العربي، بوصفه قطباً درزياً ثالثاً إلى جانب جنبلاط
وأرسلان. وقد تقاطع مع أرسلان في مراحل عديدة في التحالف مع دمشق وحزب الله وفي
مواجهة هيمنة جنبلاط على التمثيل الدرزي. إلا أن الموقعين ليسا متطابقين: أرسلان
يستند إلى بيت سياسي تاريخي طويل، فيما بنى وهاب حضوره أساساً على خطاب سياسي
وإعلامي وشبكة محلية خاصة به. وقد جمعهما أحياناً خصم مشترك وتحالفات إقليمية
متشابهة، من دون أن يؤدي ذلك إلى توحيدهما في إطار سياسي واحد.
ولعل المحطة الأبرز في تاريخ التنافس على
التمثيل الدرزي، تمثلت في انتخابات العام 2018 حين كان جنبلاط يسعى إلى أن تعكس
الحصة الدرزية تفوّقه وتفوق حزبه فيما تمسك أرسلان بحقه في تمثيل خط سياسي درزي
آخر. وأصبح الوزير صالح الغريب أحد أبرز ممثلي الحزب الديمقراطي في حكومة سعد
الحريري في سابقة رآى فيها البعض تحدّ أرسلاني لمحاولات الهيمنة الجنبلاطية على
زعامة الدروز.
وبلغ التوتر ذروته في حادثة قبرشمون في 30
حزيران يونيو 2019. فخلال مرور موكب الوزير صالح الغريب في بلدة قبرشمون ذات
النفوذ الجنبلاطي وقع إطلاق نار أدى إلى مقتل اثنين من مرافقيه. وصف أرسلان ما حدث
بأنه كمين ومحاولة اغتيال، وطالب بإحالة القضية إلى المجلس العدلي، بينما اختلفت
رواية الحزب التقدمي حول ظروف إطلاق النار والمسؤولية عنه. ولم تبق القضية محصورة
في الجبل، بل عطلت جلسات الحكومة لأسابيع وتحوّلت إلى أزمة سياسية ووطنية قبل أن
تؤدي الوساطات إلى خفض التوتر. أظهرت تلك الحادثة أن الحزب الديمقراطي اللبناني، رغم
حجمه الأصغر من الاشتراكي، يمتلك قدرة على تحويل خلاف محلي إلى ملف وطني عندما
تتقاطع مصالحه مع حلفاء أقوياء. لكنها أظهرت أيضاً خطورة استخدام تنافس الزعامات
في بيئة طائفية صغيرة وحساسة.
اختبار ما بعد الأسد
لعل أكبر تحول أصاب البيئة الإقليمية للحزب
الديمقراطي اللبناني جاء مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول ديسمبر 2024.
طوال سنوات، كان أرسلان من أوضح حلفاء دمشق داخل الساحة الدرزية اللبنانية، فيما
كانت علاقته بالنظام السوري عنصراً أساسياً في تمايزه عن جنبلاط، ولا سيما بعد
خروج سوريا من لبنان عام 2005. ومع انهيار حكم آل الأسد اختفى أحد أهم المراكز
الإقليمية التي استند إليها هذا الخط السياسي.
علماً أن خسارة الانتخابات النيابية في دورة
العام 2022 شكلت الضربة السياسية الأولى للحزب الديمقراطي، وبدت أهم انتكاسة
انتخابية لطلال أرسلان منذ عقود. فقد خسر المقعد الدرزي في عاليه أمام مارك ضو،
المرشح الآتي من قوى المعارضة والتغيير، في نتيجة قُرئت أيضاً ضمن خسائر عدد من
حلفاء حزب الله. وبذلك خرج الحزب الديمقراطي من التمثيل النيابي المباشر.
لكن النتيجة لا تعني اختفاء الأرسلانية
سياسياً ففي النظام اللبناني لا يتطابق النفوذ دائماً مع عدد النواب، ولا سيما في
حالة البيوت السياسية التاريخية. بقي أرسلان حاضراً في اللقاءات السياسية
والدرزية، واستمر الحزب في نشاطه التنظيمي. وفي 2025 أجرى أرسلان تغييرات وتعيينات
في عدد من دوائره الحزبية، ما يشير إلى محاولة إعادة تنشيط الهيكل التنظيمي بعد
الخسارة.
أما الانتخابات التي كان يُفترض أن تمنحه
فرصة العودة في أيار 2026، فلم تجر. فقد مدّد مجلس النواب ولايته عامين في 9 آذار
2026 على خلفية الحرب والتدهور الأمني، فأصبح الاستحقاق النيابي مؤجلاً، وبقي
الحزب بلا نائب في المجلس الحالي.
وبالعودة إلى سقوط نظام الأسد في سوريا
وفقدان الحليف الإقليمي الأبرز، بدا أن الأحداث في سوريا وتحديداً في محافظة
السويداء في سوريا (اشتباكات بين مسلحين دروز وعشائر بدوية سنية بسبب نزاعات على
الأراضي وعمليات خطف متبادلة إنتهت بتدخل إسرائيل بذريعة حماية الدروز) أحدثت
تغييراً مهماً في مسار الحزب الديمقراطي، إذ قرّبت أرسلان وجنبلاط بعضهما من بعض
تحت عنوان حماية وحدة المجتمع الدرزي ومنع انتقال الصراع إلى لبنان. ورُصدت 6
لقاءات على الأقل بينهما خلال فترة قصيرة في صيف 2025.
وفي الوقت نفسه أكد أرسلان رفض تقسيم سوريا
ودعا إلى وحدة أراضيها ووقف القتال في السويداء، رغم موقفه المتحفظ حيال السلطة
السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
الواقع والتحديات
يقف الحزب الديمقراطي اللبناني اليوم بين
"دار خلدة" والمؤسسة. بعد ربع قرن على تأسيسه، يصرّ على تقديم نفسه
باعتباره حزباً وطنياً يدعو إلى دولة قوية وعادلة، وإصلاح الإدارة والقضاء، وحماية
الودائع والتحول نحو الاقتصاد المنتج وتعزيز الهوية العربية للبنان لكنّه يواجه
تحديات تنظيمية وسياسية أكبر من الخطاب. فالحزب لم ينجح حتى الآن في بناء حجم
انتخابي يوازي الحزب التقدمي الاشتراكي، كما أن صورته العامة ما زالت شديدة
الارتباط بشخص طلال أرسلان وبالإرث العائلي. وتفاقم التحدي بعد خسارة المقعد
النيابي عام 2022، ثم سقوط النظام السوري الذي كان حليفاً تاريخياً، وفي ظل صعود
جيل سياسي جديد داخل البيئة الدرزية نفسها.
غير أن هذه التحولات، قد تمنحه فرصة لإعادة تعريف دوره. فالتقارب مع جنبلاط بعد أحداث
السويداء، والحديث المتزايد عن الدولة، ومحاولة إعادة تنشيط الدوائر الحزبية، يمكن
أن تشير إلى بحثه عن موقع يتجاوز معادلات 8 و14 آذار التي حكمت
السياسة اللبنانية
طوال عقدين. إلا أن تقييم هذا التحول وعمقه يتطلب انتظار سلوك الحزب في
الاستحقاقات المقبلة لا الاكتفاء بخطابه.
يبقى أن أهمية الحزب الديمقراطي اللبناني لا
تقتصر على كونه "التعبير الحزبي المعاصر" عن إحدى الزعامتين التاريخيتين
في المجتمع الدرزي، بل في أنه مشارك في رسم معادلات منطقة الجبل وتأثيرها على
المعادلات الوطنية.
ويبقى السؤالان اللذان سيحددان مستقبل
التجربة: هل يستطيع الحزب الديمقراطي اللبناني التحول من إطار للزعامة الأرسلانية
إلى حزب قادر على الاستمرار والتوسع بمعزل عن شخص رئيسه؟ وهل تقوده تحولات سوريا
ولبنان إلى إعادة صياغة تحالفاته السياسية، أم يبقى متمسكاً بالموقع الذي اختاره
منذ تأسيسه قبل ربع قرن؟