"المردة" في لبنان.. حزب أم امتداد لبيت سياسي؟ سؤال المستقبل بعد تبدّل الموازين

سيتعامل تيار المردة مع تبدُّل ميزان القوى بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ العام 2024، ثم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول ديسمبر من العام نفسه.
سيتعامل تيار المردة مع تبدُّل ميزان القوى بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ العام 2024، ثم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول ديسمبر من العام نفسه.
شارك الخبر
في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن التجربة اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه. يضاف إلى ذلك أنّ البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح.

وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها شعبياً وسياسياً على نحو مستقر. من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها، لفهم دورها في صناعة تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله.

سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته الشعبية. ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ، بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذه الحلقة من سلسلة المقالات للتعرف إلى تيار المردة بوصفه حزباً مسيحياً بارزاً وامتداداً لزعامة عائلة تاريخية. 

بطاقة تعريف:

الاسم: تيار المردة
التأسيس: عام1968  بوصفه تنظيماً سياسياً  - أُطلق رسمياً بصيغته الحزبية عام 2006
المؤسّس: طوني فرنجية (نجل رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية)
الشعار: لا يعتمد شعاراً رسمياً في نظامه التعريفي؛ من أبرز شعاراته السياسية والانتخابية "نحنا مبارح، نحنا بكرا" ، "وطني دائماً على حق"
الرمز البصري: درع بألوان الأحمر والأزرق تتوسطه أرزة لبنان، إلى جانب سيف أبيض؛ ويرمز السيف إلى العدالة، والأحمر إلى التضحية، والأخضر إلى أرزة لبنان، والأزرق إلى الأفق.
الرئيس الحالي: سليمان طوني فرنجية
مدة الولاية: غير متوافرة في المصادر الرسمية المنشورة
التمثيل النيابي في انتخابات 2022: مقعدان ضمن لائحة "وحدة الشمال"

تكشف التسمية أن التيار لم يكن في بدايته "حزباً" ولم يرتكز إلى برنامج أيديولوجي متكامل، بل كان تنظيماً سياسياً وعسكرياً في بيئة متوترة، تحتدم فيها الخلافات بين الحركة الوطنية اللبنانية من جهة (ضمت الأحزاب البسارية والقومية العربية وتزعمها كمال جنبلاط وتحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية) والجبهة اللبنانية (ضمت الأحزاب المسيحية وحذرت من الوجود المسلح للفلسطينيين)..
يتميز تيار المردة عن غيره من الأحزاب اللبنانية بكونه حصيلة ثلاثة مستويات متداخلة: زعامة آل فرنجية التاريخية في زغرتا–الزاوية، وتنظيم مسلح ظهر قبل الحرب الأهلية وتكرّس خلالها، ثم حزب سياسي أُطلق بصيغته الحديثة سنة 2006. ومن هذا التداخل جاءت قوته واستمراريته كما جاءت حدوده أيضاً: فهو لاعب وطني حاضر في الاستحقاقات الكبرى، لكنه تنظيم محدود بمنطقة جغرافية وبالارتباط ببيت سياسي أكثر من أي حزب آخر.

النشأة والتأسيس

مثّل آل فرنجية إحدى أبرز العائلات السياسية في قضاء زغرتا، منذ أواخر العهد العثماني، ثم ترسّخ نفوذ العائلة خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، حين اعتمدت الإدارة الانتدابية على الزعامات العائلية التقليدية في الشمال لتثبيت نفوذها من خلال الخدمات التي تقدمها العائلات الكبرى.

وكان من أبرز العائلات المحلية التي تنافس عائلة فرنجية تاريخياً، آل معوض وآل كرم وآل الدويهي وآل المكاري ودارت المنافسة بينهم حول المقاعد النيابية والنفوذ البلدي والتمثيل السياسي للقضاء.

يُذكر أن حميد فرنجية (1907 ـ 1981) هو أول من منح عائلة فرنجية حضوراً وطنياً واسعاً، إذ انتُخب نائباً في سن مبكرة، وعمل في الصحافة والمحاماة، وتولى وزارات بينها الخارجية والمالية والتربية، قبل أن ينسحب من الحياة العامة بسبب المرض. وبعده انتقلت القيادة إلى شقيقه سليمان فرنجية، الذي دخل البرلمان سنة 1960 ثم أعيد انتخابه في 1964 و1968. بذلك بدأت الزعامة من مسار برلماني ودبلوماسي ارتبط بقيام الدولة اللبنانية وتوازناتها الأولى.

وبلغ هذا المسار ذروته في 17 آب أغسطس 1970، عندما انتُخب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية بـ50 صوتاً، مقابل 49 لمنافسه إلياس سركيس. عكس هذا الفوز بفارق صوت واحد، دقة المرحلة التي فاز خلالها بالرئاسة واحتدام المنافسة بين مختلف القوى الحاكمة عشيّة انقسام اللبنانيين حول الوجود الفلسطيني المسلح. شهد عهد فرنجية اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان ابريل 1975، كما شهد دخول الجيش السوري عام 1976 تحت مسمى "قوة الردع" في خطوة أيدها فرنجية ورآها ضرورية لمنع انهيار الدولة ومنع غلبة طرف على آخر، بينما اعتبرها خصومه خطأ سمح بنفوذ سوري طويل ووصاية أدت إلى السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها.

بحسب رواية تيار المردة، أُنشئت نواة المردة سنة 1968 بقيادة طوني فرنجية، نجل سليمان فرنجية (ووالد الزعيم الحالي الحفيد سليمان فرنجية) وكانت قوة عسكرية أكثر منها سياسية، عُرفت بداية باسم "جيش التحرير الزغرتاوي"، قبل أن تحمل اسم "لواء المردة" وهدفها حماية منطقة زغرتا ومحيطها من المسلحين الفلسطينيين المنتشرين في طرابلس ومناطق أخرى شمال لبنان.

وقد تحمل التسمية دلالة مهمة إذ يُقال إن "المردة" في التراث اللبناني هم جماعات محاربة أو متمرّدة وغالباً ما ارتبطوا في الخيال الشعبي بـ "العمالقة الخارجين عن الطاعة". بمعنى آخر، شكّل لواء المردة قوة متمردة على السلطة المركزية آنذاك، التي اتهمها بالتخاذل أمام تنامي الوجود الفلسطيني المسلح. وجودٌ ولّد شعوراً عارماً بالضعف والعجز والقلق على هوية لبنان وأمنه، ودفع الزعامات المحلية إلى إنشاء ما يشبه الأمن الذاتي، وبذلك بنى آل فرنجية قوة عسكرية دفاعية خاصة في زغرتا، معقلهم شمال لبنان، لمواجهة التغيرات والمخاطر المحتملة.

إذاً، تكشف التسمية أن التيار لم يكن في بدايته "حزباً" ولم يرتكز إلى برنامج أيديولوجي متكامل، بل كان تنظيماً سياسياً وعسكرياً في بيئة متوترة، تحتدم فيها الخلافات بين الحركة الوطنية اللبنانية من جهة (ضمت الأحزاب البسارية والقومية العربية وتزعمها كمال جنبلاط وتحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية) والجبهة اللبنانية (ضمت الأحزاب المسيحية وحذرت من الوجود المسلح للفلسطينيين) وقد ساهم تناقض المصالح، إلى جانب عجز الدولة المركزية برئاسة شارل حلو عن ضبط الأمن والحد من تنامي النشاط المسلح، في خلق مناخ من الاحتقان الأمني والشعور بالخطر ولا سيما في صفوف المسيحيين، علماً أن الدولة لم تكن منهارة أو عاجزة بالمعنى الكامل للكلمة (كما هو الحال خلال الحرب اللبنانية).

الحرب الأهلية وما بعدها

لاحقاً، ومع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان (1975 ـ 1990) توسع دور المردة وخاضوا معارك ضد "الحركة الوطنية اللبنانية" والفصائل الفلسطينية، ولا سيما في محيط طرابلس والشمال، وشاركوا في "الجبهة اللبنانية" إلى جانب الكتائب والوطنيين الأحرار وتنظيمات مسيحية أخرى. غير أن موقع المردة داخل الجبهة اللبنانية لم يكن مستقراً، فقد اختلف آل فرنجية مع قيادة الكتائب وبشير الجميّل حول العلاقة مع سوريا، وحول مشروع توحيد القوى المسيحية تحت قيادة عسكرية واحدة.

كان فرنجية يرى في دمشق حليفاً ضرورياً للبنان وللمسيحيين، بينما اتجه الجميّل إلى بناء قوة مسيحية مركزية وإلى توثيق العلاقة بإسرائيل. وإلى جانب الخلاف السياسي، حضر صراع النفوذ في الشمال واحتدام الخصومات المحلية الذي انتهى إلى أكثر محطات تاريخ المردة دموية: الهجوم على إهدن في 13 حزيران 1978 واغتيال طوني فرنجية نجل الرئيس سليمان فرنجية (الجَدّ) ووالد الزعيم الحالي للتيار سليمان فرنجية.

قُتل طوني فرنجية وزوجته فيرا قرداحي وطفلتهما جيهان، ومعهم نحو ثلاثين من أنصار المردة والمرافقين. وتضع الدراسات الأكاديمية تلك العملية في سياق سعي بشير الجميّل – مؤسس القوات اللبنانية ورئيسها آنذاك - إلى إخضاع القوى المسيحية المنافِسة وتوحيد القرار العسكري، فيما يضعها مؤرخون في سياق سلسلة اشتباكات وعمليات ثأر سبقت الهجوم. حمّل تيار المردة سمير جعجع مسؤولية قيادة المجموعة المهاجِمة ميدانياً، بينما دافع جعجع عن نفسه قائلاً إنه أصيب قبل وصول القوة إلى منزل فرنجية ولم يشارك في القتل. ولأن الملف لم يصل إلى محاسبة قضائية نهائية تحدد المسؤوليات الفردية، بقيت "مجزرة إهدن" جزءاً من الذاكرة الحزبية المتنازع عليها، ومحطة مفصلية في ذاكرة أنصار المردة ووجدان أبناء الشمال عموماً. وشكّلت المجزرة نقطة الانفصال النهائي عن الجبهة اللبنانية، ورسخت تحالف آل فرنجية مع سوريا وخصومتهم مع القوات اللبنانية.

بعد مقتل طوني عاد الجدّ، الرئيس السابق، إلى إدارة الزعامة. وبرز نجله روبير فرنجية بين عامي 1978 و1982، فتولى إدارة الشأن السياسي والعسكري للمردة بعد اغتيال شقيقه وأشرف على إعادة تنظيم البنية المحلية للمردة وحافظ على العلاقة مع سوريا قبل أن يتولى ابن أخيه، الحفيد سليمان، دوراً قيادياً في المردة منذ سنة 1982 وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره، وكان قد نجا من المجزرة صدفةً لأنه لم يكن في المنزل حيث قتل جميع أفراد عائلته.

كان دور سليمان الحفيد في تلك المرحلة رمزياً، وتحت إشراف القيادات المخضرمة في العائلة وفي التنظيم السياسي والعسكري للمردة. اقتصر دوره على تمثيل استمرارية الخطّ السياسي لآل فرنجية من دون أن يتولى مهاماً محددة ومباشرة. ومع ذلك، شكّلت تلك السنوات مدخله إلى العمل السياسي في بيئة شديدة التعقيد، إذ كانت زغرتا والشمال يشهدان اشتباكات متقطعة مع القوات اللبنانية، وتوترات شديدة بين الجيش السوري والقوى المسيحية المعارضة لوجوده في لبنان. وقد ساهم سليمان لاحقاً في تثبيت حضور المردة في الشمال وإعادة تنظيم علاقاتها السياسية، مستفيداً من إرث عائلته ومن شبكة التحالفات التي بناها جده ووالده وعمّه، مع بروز سمات زعامته اللاحقة القائمة على الواقعية السياسية، والتمسك بالثوابت العائلية، وإدارة التوازنات المحلية بدقة وبراغماتية بدل المواجهة المباشرة.

كان فرنجية يرى في دمشق حليفاً ضرورياً للبنان وللمسيحيين، بينما اتجه الجميّل إلى بناء قوة مسيحية مركزية وإلى توثيق العلاقة بإسرائيل. وإلى جانب الخلاف السياسي، حضر صراع النفوذ في الشمال واحتدام الخصومات المحلية الذي انتهى إلى أكثر محطات تاريخ المردة دموية: الهجوم على إهدن في 13 حزيران 1978 واغتيال طوني فرنجية نجل الرئيس سليمان فرنجية (الجَدّ) ووالد الزعيم الحالي للتيار سليمان فرنجية.
مع اتفاق الطائف (1989) الذي انتهت بموجبه الحرب، سُلّم سلاح المردة وتحوّل التنظيم إلى مؤسسة سياسية واجتماعية. دخل سليمان فرنجية المجلس النيابي بالتعيين في 7 حزيران يونيو 1991، ثم فاز في انتخابات 1992 و1996 و2000. وبين 1990 و2005 تولى ثماني حقائب وزارية، بينها الإسكان والتعاونيات، والصحة، والزراعة، والداخلية والبلديات. جعلته هذه المشاركة الطويلة أحد أبرز أركان النظام الذي تشكل في ظل النفوذ السوري بعد الحرب ورسخت زعامته المحلية والوطنية.

ينظر أنصار المردة إلى تلك المرحلة باعتبارها انتقالاً من حماية المجتمع المحلي بالسلاح، إلى خدمته من داخل الدولة. في المقابل، يضع خصومه تجربته ضمن منظومة المحاصصة والزبائنية التي حكمت لبنان بعد الطائف، والتي أمعنت في استخدام المناصب والنفوذ لشراء الولاءات وفي نشر الفساد والمحسوبية داخل مؤسسات الدولة وإداراتها، ويربطون نفوذه بعلاقته الوثيقة بالرئاسة السورية خلال عهدَي حافظ الأسد وبشار الأسد.

اغتيال الحريري

في العام 2005 جاء اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط فبراير ليقلب التوازن القائم. يومذاك كان فرنجية وزيراً للداخلية في حكومة عمر كرامي وكان الحريري قُبيل اغتياله قد بدأ بالتحول صوب معارضة الوجود السوري في لبنان، فوجد فرنجية نفسه في مواجهة تبدّل واسع في المزاج المسيحي وصعود قوى "14 آذار" المطالِبة بخروج سوريا من لبنان وبتحقيق شعار "السيادة، الحرية، الاستقلال" في وجه قوى "8 آذار" التي رفعت شعار "شكراً سوريا".

خسر فرنجية الانتخابات النيابية في حزيران يونيو 2005، فيما فازت اللائحة المنافسة في زغرتا، التي ترأستها نايلة معوض وضمت جواد بولس وعدداً من مرشحي قوى 14 آذار. وإلى جانب هؤلاء برز سمير حميد فرنجية كقائد رأي في قوى 14 آذار وهو ابن عم سليمان الحفيد. كل ذلك دفع زعيم تيار المردة، الذي لم يكن حزباً بعد، إلى إعادة تنظيم قوته بدلاً من الانكفاء.

في 11 حزيران يونيو 2006 أُطلق تيار المردة رسمياً في مهرجان شعبي في بلدة بسبعل، في قضاء زغرتا. ومنذ ذلك الحين أنشأ الحزب مكاتب له في مختلف المناطق في محاولة منه للتوسع خارج الجغرافيا التقليدية ولتكريس هويته كحزب وطني عابر للمناطق، كما أنشأ قطاعات للقيادة الحزبية سنة 2009 وأخرى للإعلام سنة 2014. ومع ذلك، بقي السؤال مطروحاً حول مدى تحوله إلى حزب مؤسساتي عابر للمناطق والزعامة العائلية. فالقرار السياسي ظل شديد الارتباط بسليمان فرنجية، وبدا أن البنية التنظيمية لم تنتج حتى الآن قيادة مستقلة عن العائلة. لكنها أتاحت، في المقابل، توسيع مشاركة كوادر مثل يوسف سعادة، روني عريجي، يوسف فنيانوس، فايز غصن، سليم كرم وإسطفان الدويهي، وأمنت للتيار حضوراً طلابياً ونقابياً وإعلامياً يتجاوز الشكل العسكري القديم.

بعد العام 2005 أصبح المردة ركناً ثابتاً في تحالف 8 آذار، إلى جانب حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر وسائر القوى الحليفة لسوريا. وقد قام هذا الموقع على ثوابت واضحة: اعتبار سوريا عمقاً سياسياً وأمنياً للبنان، دعم المقاومة في مواجهة إسرائيل، ورفض انتقال لبنان إلى معسكر إقليمي معادٍ لدمشق وطهران. هذا الاصطفاف منح حزب الله شريكاً مسيحياً موثوقاً آخر، إلى جانب التيار الوطني الحر، وفي المقابل منح فرنجية ثقلاً وطنياً أكبر من حجم كتلته النيابية إذ اعتبره حزب الله أكثر من مرة مرشحه المفضّل لرئاسة الجمهورية.

لكن انتماء المردة إلى محور المقاومة لم يمنع الصدام بينه وبين الحلفاء وعلى رأسهم التيار الوطني الحر الذي نافسه على التعيينات والتمثيل المسيحي وموقع الرئاسة، ثم تحول الصدام إلى مواجهة مفتوحة بين فرنجية وجبران باسيل (رئيس التيار الوطني الحر وصهر مؤسسه ميشال عون)، ولا سيما بعد التسوية الرئاسية الأولى. ففي أواخر 2015 دعم سعد الحريري ترشيح فرنجية لرئاسة الجمهورية في إطار تسوية تعيده إلى رئاسة الحكومة، غير أن ميشال عون رفض الانسحاب من السباق الرئاسي، فتمسك حزب الله بترشيحه، ثم انتقل الحريري في تشرين الأول أكتوبر 2016 إلى دعم عون، الذي انتُخب رئيساً في 31 تشرين الأول أكتوبر. خرج فرنجية من التسوية أكثر اقتناعاً بأن باسيل يعمل على احتكار التمثيل المسيحي، وبأن علاقته الجيدة بحزب الله لا تحميه من التنافس مع الحلفاء المسيحيين.

أما على الضفة الأخرى، فبقيت العلاقة مع القوات اللبنانية مثقلة بذاكرة مجزرة إهدن، إلى أن عقد سليمان فرنجية وسمير جعجع مصالحة وُصفت بالتاريخية في مقر البطريركية المارونية في بكركي في 14 تشرين الثاني أكتوبر 2018 برعاية البطريرك بشارة الراعي. طوت المصالحة القطيعة الشخصية وخففت الاحتقان في الشمال، لكنها لم تؤدِّ إلى تحالف سياسي لأن الفريقين ما زالا على طرفي نقيض في الموقف من سوريا، وسلاح حزب الله، والسياسة الخارجية.

واستعاد المردة تمثيله النيابي سنة 2009، حين فازت لائحته بمقاعد زغرتا الثلاثة: سليمان فرنجية وسليم كرم وإسطفان الدويهي. لاحقاً، وفي 2018 أحجم سليمان فرنجية عن الترشح، ودفع بنجله طوني إلى الواجهة، ففاز إلى جانب الدويهي، بينما احتفظ ميشال معوّض ـ نجل نايلة معوض ـ بالمقعد الزغرتاوي الثالث. مثّل ذلك بداية انتقال مدروس للزعامة إلى الجيل الجديد، من دون أن يتخلى الأب عن دوره في صناعة القرار السياسي.

أما انتخابات العام 2022 فأظهرت في آن واحد قوة تيار المردة وحدوده. إذ فاز طوني فرنجية عن زغرتا وفاز وليم طوق عن بشري على اللائحة المدعومة من المردة. غير أن المردة لم يستعد احتكار التمثيل الزغرتاوي، إذ فاز هذه المرة أيضاً ميشال معوض وميشال الدويهي. وبذلك بقي المردة القوة الأكثر تماسكاً داخل بيئته، لكنه لم يتحول إلى الحزب المسيحي الأوسع في دائرة الشمال الثالثة، وظل انتشاره خارج زغرتا يعتمد بدرجة كبيرة على التحالفات الانتخابية والشخصيات المحلية.

الواقع والتحديات

في 18 حزيران يونيو 2026 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على سليمان فرنجية بموجب سلطة مكافحة الإرهاب، واتهمته بتلقي دعم مالي من حزب الله مقابل مساعدة الحزب في استهداف مقاعد نواب إصلاحيين ومستقلين في الانتخابات. ولأن هذه الاتهامات صادرة عن الإدارة الأميركيةوليست حُكماً قضائياً لبنانياً تعامل معها فرنجية وحلفاؤه بوصفها استهدافاً لخياره السياسي المؤيد للمقاومة. لكنّ أثرها العملي يبدو كبيراً على علاقاته المالية وتحركاته الخارجية وعلى أي طموح رئاسي لاحق، ما قد يضع البيت السياسي العريق أمام امتحان الاستمرارية.

وبما أن الانتخابات النيابية التي كانت مقرّرة هذا العام أُجّلت إلى 2028 على وقع الحرب والتصعيد الإسرائيلي ـ قد يحظى تيار المردة ببعض الوقت لإعادة ترتيب تنظيمه، مستفيداً من تأخير الاستحقاق الذي يقيس حجم التغيير في قاعدته بعد سقوط حليفه السوري، وتراجع قوة حزب الله إثر اغتيال كبار قادته وأمينه العام السيد حسن نصرالله.

عموماً، سيتعامل تيار المردة مع تبدُّل ميزان القوى بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ العام 2024، ثم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول ديسمبر من العام نفسه. علماً أن رئيس المردة سليمان أعلن عشية انتخاب رئيس للجمهورية في 9 كانون الثاني يناير 2025 سحب ترشيحه ودعم قائد الجيش جوزاف عون (الذي انتُخب رئيساً بـ99 صوتاً) ويرى المحللون في قراره اعترافاً واقعياً بأن الظروف الإقليمية والداخلية التي حملت ترشيحه قد تغيرت، وأن الإصرار عليه لم يعد قابلاً للتحول إلى أكثرية رئاسية.

وقد تتمثل مشكلة تيار المردة بوصفه حزباً سياسياً، في أن هويته السياسية أكثر وضوحاً في التحالفات الخارجية منها في القضايا الاقتصادية والاجتماعية المحلية. فهو يعرّف نفسه تياراً لبنانياً عربياً متمسكاً بالطائف وبوحدة الدولة، لكنه لم يقدم برنامجاً إصلاحياً مفصلاً يميزه بوضوح من سائر الأحزاب اللبنانية.

وإذا كان تيار المردة قد نجح في الاستمرار رغم كل الخضات التي مرّ بها لبنان منذ الستينات وحتى اليوم، فذلك يعود إلى حنكة آل فرنجية الذي عرفوا كيف يجمعون بين العصبية المحلية والتحالفات الوطنية والإقليمية. نجا التنظيم من الحرب ومجزرة إهدن، ومن حلّ الميليشيات، ومن الهزيمة الانتخابية عام 2005، ثم جعل من زعيمه مرشحاً جدياً للرئاسة رغم محدودية كتلته. غير أن التحدي اليوم ليس حماية الزعامة في زغرتا فحسب، بل بناء مؤسسة قادرة على إنتاج قيادات وبرامج وطنية وعلاقات جديدة، في مرحلة تحوّلاتٍ لم تعد فيها دمشق القديمة موجودة، ولم يعد فيها تحالف حزب الله ورقة قوة مضمونة كما كان سابقاً.

يبقى السؤالان اللذان سيحددان مستقبل التيار: هل يستطيع المردة الانتقال فعلاً من حزب تقوده عائلة إلى مؤسسة سياسية تتجاوزها؟ وهل يشكل صعود طوني فرنجية بداية مراجعة هادئة للتحالفات والخطاب، أم مجرد انتقال للزعامة من جيل إلى جيل؟
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم