من ثورة الكرامة إلى معركة التنمية.. هل آن أوان تغيير المنوال التونسي؟ كتاب

لقد كانت الثورة التونسية قوّية في صراعها مع النظام الديكتاتوري السابق، بنهجها السلمي  وتَفَوُقِهَا الأخلاقي، وبعدالة مطالبها في الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقوية بقاعدتها الاجتماعية العريضة..
لقد كانت الثورة التونسية قوّية في صراعها مع النظام الديكتاتوري السابق، بنهجها السلمي وتَفَوُقِهَا الأخلاقي، وبعدالة مطالبها في الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقوية بقاعدتها الاجتماعية العريضة..
شارك الخبر
الكتاب: المعادلة التونسية ـ كيف نصنع المستقبل؟ رؤية متكاملة 20/2030
الكاتب: الصافي سعيد
الناشر: سوتيميديا للنشر والتوزيع، تونس ، الطبعة الأولى 2019
(عدد الصفحات 513 من القطع الكبير)


يقدم الكاتب والإعلامي والمترشح السابق للإنتخابات الرئاسية التونسية في سنة 2014، الصافي سعيد، رؤية مستقبلية، هي بمنزلة خارطة طريق لمستقبل تونس للخروج من أزماتها البنيوية، ومواجهة تحديات العولمة الرأسمالية المتوحشة، من أجل تحقيق التنمية المتوازنة، وبناء الدولة الديمقراطية التعددية. هذا ما يطرحه الكاتب الصافي سعيد في  كتابه الذي يحمل العنوان التالي: "المعادلة التونسية ـ كيف نصنع  المستقبل؟"، والمتكون من مقدمة، وأربعة أقسام كبيرة، ويتضمن 35 فصلا ـ حيث يختوي كل فصل على العديد من العناوين الفرعية.

لقد كانت الثورة التونسية قوّية في صراعها مع النظام الديكتاتوري السابق، بنهجها السلمي  وتَفَوُقِهَا الأخلاقي، وبعدالة مطالبها في الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقوية بقاعدتها الاجتماعية العريضة التي انخرطت فيها طبقات المجتمع وفئاته وأجياله كافة، وقوية بالتماسك الداخلي للقوى المشاركة في صنع فصولها البطولية، ثم قوية بنفَسها الثوري الطويل الذي لا يكل ولا يتقطع بأثر من عياء.

في معرض تحليله لما جرى في تونس ومصر، يقول إدغار موران أن ما جرى في هذين البلدين العربيين، هو بروز حركات لها طابع ثوري في إطار وطني، بمعنى أن نظاماً قديماً يتهاوى ولا نعرف كيف سيكون عليه النظام الجديد، وهذه أحداث غير منتظرة، وهي أحداث سلمية في العمق. إنها تماماً مثل أحداث 14 تموز 1789، ثورة تنطلق من المبادئ نفسها: حقوق الإنسان والطموح ونشدان الحرّية والتآخي وردّة فعل ضد الفساد والغنى الفاحش وفجور الأغنياء. ولكن ما حدث في 14 تموز/ يوليو تم خنقه لاحقاً مع نابليون بونابرت وعودة البوربون، وظهر لاحقاً في القرن التاسع عشر وحصلنا على الجمهورية. ما حدث سنة 1789 أثرى المستقبل على الرغم مما يتبادر أحياناً على أنه انتهى.

أعتقد أن ما جرى في تونس وفي مصر قابل للانقلاب، ومن الممكن أن ينحرف مجراه ويمكن خنقه ونسيانه، لكن ضوء الديموقراطية الخافت هو نور كما قال هيغل ودرّس أيضاً، فالكثيرون في أوروبا يعتقدون أن لا بدائل للنظام الديكتاتوري والبوليسي العسكري والنظام الثيوقراطي الديني في العالم العربي.

ونكتشف أن كل هذه الحركة أطلقها شباب عربي وبعفوية لنشدان الحرّية، وهذه الشعوب على الرغم من اختلافها عنا فهي مثلنا ونحن مثلهم. ثورة العام 1789 تركت أثراً ودَفْعاً على الثورة البولشفية في العام 1917، وهي الثورة نفسها التي عادت وأطاحت باشتراكية لينين ـ ستالين، والشيء نفسه يحصل راهناً في شمال افريقيا، وهو أمر مهم بالنسبة للمستقبل. ولكن ما يجب أن نفكر به هو أن تبقى هذه الثورات على عفويتها الأولى وعلى سلميتها وانطلاقتها الأولى وتفادي الغموض المرتبط بكلمة "ثورة"، وأنا انتقدت الثورة بمفهومها الشامل والتي تقوم بمسح كامل للماضي وخلق عالم جديد بوسائل عنيفة ودامية: "نحن مثل العرب، والعرب مثلنا رغم اختلافنا الثقافي، لدينا نفس الطموح للحرية وهذا عنصر مهم ولا يخدم الدكتاتوريات الفاسدة، وهذا عمل رسالة ذات بعد إنساني حول ما جرى". هذا هو البعد العفوي للثورات ولجمالية اللحظة التي يجب أن لا تنحرف ولا تغش، ويجب أن تنتهي بشكل ما.

يقول الكاتب الصافي سعيد في معرض تحليله لزمن ما بعد الثورات:"تبدأ من هنا المعادلة الأساسية Equation Fondamentale لصناعة عالم آخر، عالم ما بعد الثورة. بعبارة أخرى يبدأ من هنا الخروج من الزمن الثيوقراطي والبيروقراطي إلى الزمن الديمقراطي، أو من الزمن الخارجي الغريب إلى الزمن الداخلي - الأهلي.

لقد سميت الثورة التونسية بثورة الكرامة.. ولو أدركنا المعنى الكبير للكرامة لوجدناه في التنمية المتوازنة والمستدامة حتى أنه بالإمكان الآن أن نستبدل مصطلح التنمية بمصطلح الكرامة بما أن هدف كل تنمية هو تحقيق الكرامة، وأن كرامة كل إنسان تقاس باستقلاله الذاتي وحريته وكذلك برفاهيته.

ولم ينل الشعب التونسي تلك الكرامة إلا حين نظر إلى نفسه جيدا في المرآة ثم قرر أن يضع قدميه بجدارة على الأرض التي يعيش فوقها لاختراع معادلة الاستقلال والاستحقاق. فبعد كل انتفاضة أو كل ثورة عادة ما تعيد الشعوب قراءة ذاتها في سياق التحولات الإقليمية والدولية ثم تذهب مباشرة إلى ما يسمى بإعادة الانتشار السياسي في الفضاء الذي توجد فيه والذي تستحقه.. وهو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

إن المجتمع الذي يتطور وفق نهج ديمقراطي، يبتعد تدريجيا عن السقوط في الرأسمالية المتوحشة أو الاستبداد الرث على حد سواء. وإذ هو يقترب تدريجيا من المساواة والعدالة بإعادة توزيع الثروات والسلطة، فإنه يسير بلا تردد نحو التخلي النهائي عن الاستبداد ليصبح قادرا بنفسه على إنتاج رفاهيته ومدافعا كبيرا عن كرامته.. وتلك هي المعادلة الصعبة والتي هي فعلا صعبة ولكنها ليست مستحيلة!"(ص9 من المقدمة).

أيُّ منوال تنمية جديد لتونس؟

كانت الثورة التونسية نتيجة طبيعية لوصول الأنموذج التنموي السابق إلى مأزقه المحتوم بشهادة جميع المؤسسات الدولية الليبرالية من بنك دولي، و صندوق نقد دولي، ووكالات وتصنيف ومنتديات عالمية ،أو بصيغة مقتضبة كامل حارسي المعبد الليبرالي الجديد المسيطر حاليا على الاقتصاد الدولي، و على الفكر الليبرالي الدوغمائي .ولا أدل على ذلك التقرير الذي أصدره البنك الدولي المخصص لتونس في عام 2014، والذي أعلن فيه عن موت النموذج السابق وضرورة إيجاد نموذج بديل.

بعدما انتهى منوال التعاضد المنظم والمعمم إلى الفشل في أواخر السبعينات، اتجهت النخبة السياسية ذاتها إلى اختيار نموذج اقتصادي هجين قام على توصيات البنك الدولي والإصلاح الهيكلي ما لبث أن سقط أو أفلس تحت الارتهان والديون وتزايد الحاجيات.
فقد كانت للأزمة الاقتصادية والمالية العالمية لسنة 2008 ـ 2009، تداعيات خطيرة على الاقتصاد التونسي، لجهة أنَّها كشفت بصورة جلية  مأزق نمط التنمية المتبع في تونس. ومن خصائص هذه الرأسمالية الطفيلية التونسية، أنَّها لم تبن اقتصادًا وطنيًا منتجًا،بل إنَّ كل أنشطتها الاقتصادية تركزت، في مجالات معينة تقع على هامش العملية الإنتاجية، مثل قطاع السياحة، وعمليات الوساطة والسمسرة، والمقاولات والمضاربات العقارية، إضافة إلى الحصول على التوكيلات التجارية، واحتكار منافذ توزيع السلع المستوردة، وتكريس التبعية الاقتصادية والمالية والتجارية الوثيقة تجاه الشركات الرأسمالية الكبرى، والاندماج في نطاق اقتصاد العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة، التي تقود إلى تنمية رأسمالية الصفقات، وتفكيك أواصرعمليات التصنيع المحلي واتجاه النشاط الرأسمالي في مجالات الاستيراد والتصدير والنقل والمواصلات وغيرها من الخدمات المعاونة.

التضحية بالتنمية لفائدة النمو هو مربط الفرس، فقد تم التخلي عن استراتيجية استبدال الواردات بالصناعات المحلية التي تم إتباعها منذ الاستقلال والتخلي أيضاً عن السياسات القطاعية والأقطاب التنموية الإقليمية وعن كلّ استراتيجية تنموية والمراهنة وفقاً للعقيدة الليبرالية الجديدة على آليات السوق والانخراط في العولمة، وهو انخراط تحقق على مرحلتين الإعلان في 1986 ثم التجسيد الفعلي سنة 1995. وكلّ تقييم جدي لهذا الاندماج في العولمة عبر بوابة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تشير إلى مستفيدين رئيسيين: الاتحاد الأوروبي والأوليغارشية المالية التي كانت مرتبطة بمنظومة الفساد وإلى متضرر رئيسي هو الشعب التونسي وخاصة فئاته الهشة التي انتفضت تريد التغيير.

فقد توصلت الدولة التونسية إلى قيادة تحديث فوقي قادته الشريحة الثورية من الطبقة الوسطى ذات التوجه العلماني،ووضعت آليات الإدماج كما كانت دولة مهنوية، تقوم على تمثيل خصوصي للجماعات المهنية و للحرف والمصالح الكوربوراتية، لكنَّ هذا الخيار طبع بسمتين تهميش الريف (اقتصاديًا، ورمزيًا، وسياسيًا)، وبطريقة لا تشاركية ،وقد ظل هذا الإقصاء المزدوج يعتمل داخل المجتمع وانتهى بالدّولة إلى التسلطية والعجز عن استيعاب الغضب والتمرّد الاجتماعي الذي انتهى بإسقاط رأس النظام مع بداية عام 2011.

خلال العشرية السوداء(2011-2021)، تُعَدُّ مسألة التنمية غير المتكافئة من أكثر المسائل التي تطرقت لها الدراسات المرتبطة بالثورة سواء من جهة أزمة القطاع الفلاحي الهيكلية منذ بداية الاستقلال أو من جهة الوضع التنموي والانساني الذي خلّفته السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية التابعة في علاقتها بالريف أو بالمحافظات (الولايات) الداخية المهمشة والفقيرة.

فمن زاوية الاقتصاد السياسي اختارت الدولة التونسية أن "تقترح" حلّ الهجرة على سكان المناطق الداخلية لتعويض عجزها عن تحقيق التنمية في المكان عينه،وهو ما تجلى بوضوح عشية الثورة حين وقفت الدّولة نفسها على حجم الهوّة التي تفصل الولايات في الداخل التونسي عن الولايات الغنية من خلال مؤشرات التنمية الجهوية المنشورة سنة 2012 هذه العطالة التي أصابت الجهات الداخلية لم تعد مانعة للتنمية اقتصادياً فحسب، بل صارت مهدّدة لمقومات الحياة الأساسية للتونسيين القاطنين أريافهم .

لقد كشفت الثورة التونسية واقع الاختلال في مجال التنمية بين الولايات الداخلية للجنوب التونسي وولايات الوسط والشمال الغربي وبين ولايات الساحل وتونس العاصمة. ومن هنا تم التطرق في الدراسات السوسيولوجية التونسية لا سيما بعد الثورة إلى مصطلح "التهميش" بحثاً عن الدور الذي لعبه هذا الهامش في تعبئة المجتمع ضد النظام السابق، وكذلك الولايات الفقيرة والمحرومة تاريخيًا من مشاريع التنمية ،إذ تؤكد كل مؤشرات التنمية حجم الهوة التي تفصلها عن باقي البلاد. ويُحِيلُ أيضاً مصطلح "التهميش" إلى الأحياء الشعبية الضخمة حول المدن الكبرى ولاسيما تونس العاصمة والتي يقطنها خاصة الوافدون من المدن الدّاخلية بحثاً عن العمل وهروبًا من الريّف ويأسًا من الحياة في مناطق نائية.

من أبرز المظاهر التي يفرزها "التهميش"، استبطان الغبن والشعور بالظلم والإحساس بعدم تكافؤ الفرص واستقراء الدونية والاحتقار في التعامل مع السلطة المركزية للدولة، وفي التفاعل مع المجموعات الأخرى.فقد عكست الثورة التونسية التي انطلقت من المحافظات المهمشة تاريخيًا، أبرز التعبيرات عن تلك المشاعر،وأفصحت عنها الشعارات التي رفعتها الثورة التونسية ،حيث كان أبرزها "الكرامة".

تعود أسباب التنمية غير المتكافئة في تونس، إلى طبيعة نموذج التنمية التي اختارته الدولة التونسية في بداية الستينيات من القرن العشرين. فقد اضطلعت هذه الدولة التونسية الجديدة بتطبيق مشروعها التحديثي في نطاق علاقته بالمجتمع التقليدي الذي دمرت الرأسمالية الكولونيالية Le capitalisme colonial توازنه العرضي الذي كان سائداً والذي وَسمَ المجتمع التونسي الكولونيالي بالتجزؤ، والتذرر، والتباعد، والتنافر بين مختلف أطرافه، وخلقت بيروقراطيتها الحديثة ذات الطابع المركزي المهيمنة على هياكل ومؤسسات السياسة والاقتصاد، والمتغلغلة في بنى ومؤسسات المجتمع المدني الوليد، حيث أصبحت هذه الدولة الحديثة التي توحدت مع جهازها وبيروقراطيتها الحديثة خارجةً عن المجتمع المدني، ومنفصلة عنه.

وكانت هذه الدولة تمثل في الوقت ذاته العنصر التكويني الرئيسي للعلاقات الرأسمالية وكونها "العلاقات الرأسمالية" باعتبارها دولة كانت تبحث دائماً عن ممارسة سياسة وسط معينة بين النموذج الليبرالي ونموذج رأسمالية الدولة، وكانت تجسد رأسمالية الدولة التابعة للمراكز الرأسمالية الإمبريالية الغربية بامتيازٍ.

يقول  الكاتب الصافي سعيد: حاولت أن ابحث عن معادلة جديدة لمستقبل تونس. رأيت أن الثورة التي لا تعمل على بناء دولة قوية هي نوع من الفوضى أو الغضب الطافح أو الترف المزاجي. تسلحت بعدة أفكار تأسيسية ثم صغت رؤية جديدة ذات لمسة من الخيال يحتاجها فكرنا السياسي. فقد آن الأوان لكي نحلق بالواقع التونسي الذي أقعدته الأفكار الصغيرة والثقيلة. من هذا المنطلق، لا تريد "المعادلة التونسية" أن تقدم وصفة لحكم تونس فتونس طالما حكمت بمنطق الوصفة. إنما هي "رؤية" قابلة للتحقق متى توفرت الظروف والأدوات والإرادة.

إن قيم التنمية الثلاثة: الحرية والعدالة والقوة متداخلة مع بعضها. فكل نقص في الحرية نابع عن عدم القدرة على إنتاج مقومات القوة. وكل نقص في العدالة هو نابع أساساً عن عدم القدرة على الحفاظ على الحرية.. فإذا قامت التنمية على نظرية الحاجيات المستعجلة والاستهلاكية فقط، فإن ديمومة التخلف تصبح سياسة لدى أولئك الذين يتبنون التوازن الجامد.. إن اقتصاديات التنمية الشاملة تتطلب أن ينظر إليها بمنظار أوسع لمجمل النظام الاجتماعي والسياسي في البلد بما في ذلك القيم والمعتقدات والتقاليد والحوافز والدوافع والقدرة على تحمل المخاطر وكذلك طبيعة المجتمع ودرجة الثقافة والنظام الطبقي.

إن السؤال الذي يمكن طرحه في الحالة التونسية بعد ما كشفت الأرقام المزيفة عن التنمية المنحرفة في العهود الماضية هو: ما الذي يجب أن نفكر فيه أولاً حين نضع خطة للتنمية الشاملة؟ أو ماهي القطاعات الأكثر حاجة إلى التطور لكي تسير البلاد إلى الأمام؟

يركز الصافي سعيد في الفصل الرابع و العشرين من الكتاب على موضوع الزراعة بوصفها"القاطرة الكبرى لأية تنمية. فالتخلف المستوطن أو الدائم يوجد أساساً في الجمود الزراعي. وكما كانت الأرض في الماضي هي المحرك الكبير للحضارة، فإنها لا تزال تلعب ذلك الدور في أغلب البلدان. فالإنتاجية الزراعية هي التي وضعت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على سكة الصناعة الأولى. وهذا القانون الأول للتنمية لا يزال صالحاً حتى الآن. فالبرازيل أو الصين أو تركيا أو جنوب إفريقيا قد عادت لتنهض بالزراعة من أجل إحداث توازن تنموي كبير. وهو ما ينطبق كذلك على روسيا الجديدة والأرجنتين والشيلي وألمانيا الموحدة الجديدة.. إن الإنتاج الزراعي في كل من روسيا وألمانيا رغم أنهما بلدان مصنعان ما انفك يتوسع ويتطور من أجل توازن مسارات التطور والسوق والأمن الغذائي ".

إن حالة القطاع الزراعي في تونس تبدو كما لو أنها حالة ميؤوس منها. وهذا نابع بالأساس من وعي النخبة القائدة التي فقدت الثقة في الأرض وانحازت إلى الحضر للتركيز على قطاعات صناعية هامشية أو سياحية. فهذه النخبة القائدة وهي في معظمها من البيروقراطيين الحضريين قد ضربت عرض الحائط بكل قواعد التطور المتفاعل تحت التأثير بالنماذج الهامشية لصناعة الثروة.

إن السياحة سوقاً دولية وصناعة تنافسية وهي تحتاج إلى الاستثمار والشراكات المتعددة والقدرة على التميز والخدمات السريعة وتطوير قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، ومع ذلك تظل دائماً قطاعاً هشاً ومعرضاً للانتكاسة لارتباطها الشديد بمستوى الخدمات والأمن والاستقرار والتحولات الإقليمية والمناخ الديمقراطي ثم أولاً وأخيراً القدرة الفائقة على المنافسة وزرع شبكات دولية لكسب السياح. إن موقع تونس المتوسطي يتميز بمنافسة شديدة على كسب السياح..
فبعدما انتهى منوال التعاضد المنظم والمعمم إلى الفشل في أواخر السبعينات، اتجهت النخبة السياسية ذاتها إلى اختيار نموذج اقتصادي هجين قام على توصيات البنك الدولي والإصلاح الهيكلي ما لبث أن سقط أو أفلس تحت الارتهان والديون وتزايد الحاجيات. وقد حاول برنامج الإصلاح الهيكلي وبرنامج الخوصصة أن يدفع بالمبادرات الخاصة وتشريك القطاع الخاص، لكن ذلك لم يؤد إلى تغيير جذري أو إلى نضوج تنموي لأنه لم يحدد كما يجب القطاعات القائدة لهذه المرحلة كما لم يستجب للتحولات العميقة التي طرأن على المجتمع التونسي.. إن الجمود السياسي للنظام قد حد من توسيع أو من نجاح منوال الخوصصة. كما أن الأداء في الإدارة أو في التسويق قد جعل السوق محدودة ومعرضة للاهتزازات بالإضافة إلى أن الدبلوماسية التونسية غير الناشطة والساكنة قد خربت فرصاً عديدة سواء في التجارة أو الصناعة أو التبادل أو التعاون الخارجي.

لم تستطع الدبلوماسية التونسية أن تنسج علاقات متينة مع جيرانها المغاربيين فظلت مترددة ومحتشمة سواء في مبادراتها العربية أو المغاربية. فالحقبة السوداء التي مرت بها الجزائر في التسعينات قد باعدت بين البلدين وأضعفت التعاون التجاري بفعل المراقبة الأمنية والحذر السياسي. كما أن سنوات الحصار على ليبيا بسبب عملية لوكربي لم تنتج إلا تجارة الشنطة وتهريب السلع وتجميد كل المشاريع المشتركة التي من شأنها أن تساعد البلدين على بناء قاعدة للتعاون والتبادل. وعموماً لم ينظر إلى المنطقة العربية إلا كصندوق للتسليف أو المساعدات أو القروض أو التشجيع على الاستثمارات السياحية التقليدية.

إن غياب التحفيز على الاستثمار بالمناطق الداخلية قد أدى إلى تفاوت فظيع بين الأقاليم والجهات. وهذا أيضاً ما أدى بالاستثمار الخارجي إلى التركيز على المناطق الساحلية أو القطاعات ذات المردودية السريعة أو ذات القيمة المضافة المنخفضة.

إن إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي تبدو هي الحاجة الملحة اليوم لأية حكومة تريد أن تنتج الثروة ثم تعيد توزيعها. وإذا لم تضع أية حكومة نصب عينها الأمن الغذائي هدفاً استراتيجياً فإنها لن تخرج من شرنقة النماذج القديمة والمرتهنة. إن التشغيل وتثبيت السكان وتحسين خرائط الطرق والتوزيع والمياه وبناء السدود وتطوير البحث العلمي والتركيز على الخصوصيات المحلية والمناخية وإعفاء الفلاحين الصغار من ثقل الديون تصب كلها في ما يمكن أن يسمى بثورة زراعية تبدأ بتحرير أراضي الدولة من البيروقراطية وطرحها أمام الشعب لكي يقوم باستثمارها باعتباره مالكاً ومنتجاً للثروة ومستهلكاً للإنتاج.

إن أكثر القطاعات تضرراً في المراحل السابقة أو في النماذج السابقة للتنمية في تونس هي القطاع الزراعي. أي الشعب والأرض وإنتاج الثروة. وربما وجد من يدافع عن ذلك المنوال الجامد والمحدود، ولكن التجاذبات للرأسمال الخارجي وعجز الدولة الوطنية عن فهم تلك المعادلة والذهاب في رهانات هامشية كالسياحة بلا فرامل قد أنتج في النهاية عجزاً تنموياً ظهر في أرقام استيراد الغذاء وغلاء المعيشة وتصحير الأراضي وتفقير السكان وتهجيرهم ثم الدفع بهم إما إلى الهجرة أو إلى العمل السياحي الهامشي ولم تخسر الدولة من إهمال الزراعة فقط، بل خسرت الزراعة عمالها ومياهها وأراضيها ثم قيمتها.. وفي نهاية المطاف ظلت تونس مزرعة لإنتاج الزراعات السياحية كما في الماضي.

وينتقد الكاتب الصافي سعيد منوال التنمية في تونس، الذي تحتل فيه السياحة موقع الريادة على حساب الزراعة المهملة، فيقول :ففي عهد الاستعمار فرضت زراعات الكروم بأنواعها لتلبية حاجيات المستهلك الأوروبي. أما في عهد الاستقلال، فقد فرضت الزراعات السياحية سواء للتصدير أو لاستهلاك السياح.. وقد لعبت البنوك دوراً كبيراً في ذلك بإسنادها القروض للذين يندمجون في هذا الخيار كما أن سياسة الدولة التي كانت تريد سياحة بأي ثمن وعملة صعبة بلا ثمن" قد شجعت على ذلك وكأنها لم تكن تعرف أنها كانت تشجع على تدمير الأراضي والإنتاج الغذائي والبيئة والتنمية عموماً. إن إهمال الزراعة الذي تم عبر التهميش حيناً وعبر مركزة الدولة في أحيان أخرى وعبر التلاعب بأراضي الشعب في أحيان عديدة قد ساهم في تهميش الاقتصاد التونسي باعتماده على القروض والمساعدات من أجل الاستثمار في القطاع الصناعي، بل أن التوجه العام كان في أغلبه مطبوعاً بنزعة سياحية تسولية حتى أن ما كان يزرع أو يصنع كان في أغلبه تحت تأثير حمى النزعة السياحية التي سيطرت على النخب الحاكمة طوال العقود الماضية.

ويضيف الصافي سعيد: لن نقول أبداً أن السياحة لا تدخل في إنتاج الثروة أو أن السياحة لا حاجة لنا بها. وإنما التركيز عليها بهذا الهوس ضيع على تونس فرصاً أخرى لخلق نموذج آخر للتنمية أكثر ثباتاً وعدالة وإنتاجية. إن السياحة سوقاً دولية وصناعة تنافسية وهي تحتاج إلى الاستثمار والشراكات المتعددة والقدرة على التميز والخدمات السريعة وتطوير قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، ومع ذلك تظل دائماً قطاعاً هشاً ومعرضاً للانتكاسة لارتباطها الشديد بمستوى الخدمات والأمن والاستقرار والتحولات الإقليمية والمناخ الديمقراطي ثم أولاً وأخيراً القدرة الفائقة على المنافسة وزرع شبكات دولية لكسب السياح. إن موقع تونس المتوسطي يتميز بمنافسة شديدة على كسب السياح (مقتطفات من الفصل الرابع و العشرين من الكتاب ـ صفحات 299 ـ 306).
التعليقات (0)

خبر عاجل