من أزمة الصواريخ الكوبية إلى حرب رمضان الكبرى.. الردع النووي في مفترق الخطر

إنّ أخطر ما في المرحلة التي تمرّ بها المنطقة ليس امتلاك السّلاح النّووي، بل العيش في بيئة تتراجع فيها القدرة على منع الخطأ قبل أن يتحوّل إلى حدث لا يمكن التّراجع عنه. الأناضول
إنّ أخطر ما في المرحلة التي تمرّ بها المنطقة ليس امتلاك السّلاح النّووي، بل العيش في بيئة تتراجع فيها القدرة على منع الخطأ قبل أن يتحوّل إلى حدث لا يمكن التّراجع عنه. الأناضول
شارك الخبر
في أكتوبر 1962، حين رفض الضابط السّوفييتي فاسيلي أرخيبوف الموافقة على إطلاق طوربيد نووي خلال أزمة الصّواريخ الكوبية، لم يكن يدرك أنّه يؤسّس، بذلك التردّد الفردي، لوعي استراتيجي عالمي مفاده أنّ أخطر ما في السّلاح النّووي ليس القرار باستخدامه، بل احتمال الخطأ في تقدير لحظة استخدامه. من تلك الحافّة وُلدت فلسفة كاملة لضبط الرّدع التي تشتمل على معاهدات، وآليات تفتيش، وخطوط ساخنة مفتوحة، وإدارة محسوبة للمخاطر.

لم يكن الهدف إلغاء الرّدع، بل تنظيمه ومنع تحوّله إلى تفاعل أعمى. لقد أدرك المجتمع الدّولي أن الرّدع الذي لا تحيطه مؤسّسات وآليات شفافة يصبح سيفًا ذا حدّين، إذ يعطي الإحساس بالأمن لكنّه يضاعف فرص الفهم الخاطئ عندما يتعرّض لضغطات مفاجئة أو معلومات مضلّلة. لذلك، صارت آليّات الشّفافية المتبادلة والتّواصل الدّوري جزءًا لا يتجزّأ من البنية الاستراتيجية التي حوّلت خطر الاستخدام إلى قدرة منع قابلة للإدارة.

هذا الإرث هو ما بدأ يتآكل تدريجيًا خلال العقد الأخير، إلى أن وصل إلى لحظة رمزية مع انتهاء صلاحية معاهدة نيو ستارت في 5 فبراير 2026، أي فقط قبل أقل من شهر من اندلاع الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، وقد كانت تلك المعاهدة آخر إطار فعّال لضبط الترسانتين الاستراتيجيتين الأكبر في العالم؛ ترسانة روسيا والولايات المتحدة.

لم يعنِ سقوط هذا الإطار تحرير الأرقام من القيود وحسب، بل وإزالة طبقة الشفافية والاتصال المنتظم التي كانت تقلّص احتمالات سوء الفهم، أيضا. ومع غياب طبقة الشفافية تلك، بات الرّدع أقل قابلية للإدارة، وبالتالي أكثر عرضة للاهتزاز بالضرورة. ليس المقصود هنا أننا أصبحنا أمام مجرّد ثغرة قانونية أو تقنية، بل بتنا نواجه تغيّرا نوعيا في مناخ الثّقة بين الدّول الكبرى؛ فغياب الالتزامات الدورية لتبادل معلومات عن مواقع وبرامج الصواريخ وتحديثات القدرات يترك فراغًا تتراكم فيه الشّكوك، ويجعل كل إشارة عسكرية تُقاس بعين الرّيبة قبل عين العقل.

انتهاء معاهدة نيو ستارت مطلع 2026 لم يكن حدثًا تقنيًا يتعلّق بالأرقام، بل سقوط آخر إطار يضبط العلاقة النووية بين واشنطن وموسكو. ومع الحرب الجديدة في الخليج، تتضاعف خطورة هذا الفراغ. فقد أضحت القوى النّووية الكبرى منخرطة ـ مباشرة أو عبر الحلفاء ـ في صراع إقليمي قابل للتّصعيد، من دون شبكة أمان مؤسّسية فاعلة.

التحوّل المفصلي من الرّدع المنظّم إلى الرّدع القتالي

لقد غيّر اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضدّ إيران المعادلة من "ردع نظري" إلى "ردع تحت النار"، ونقل هذا الاهتزاز من المستوى النظري إلى الميدان العملي. فحين تتقاطع الضّربات الجوية والصاروخية مع منشآت نوويّة، أو مع بنى تحتية استراتيجية حسّاسة، يصبح الخطر النّووي أقلّ ارتباطًا بقرار سياسي واعٍ وأكثر عرضة لسوء تقدير، أو لقراءة خاطئة لإشارات الخصم.

لقد غيّر اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضدّ إيران المعادلة من "ردع نظري" إلى "ردع تحت النار"، ونقل هذا الاهتزاز من المستوى النظري إلى الميدان العملي. فحين تتقاطع الضّربات الجوية والصاروخية مع منشآت نوويّة، أو مع بنى تحتية استراتيجية حسّاسة، يصبح الخطر النّووي أقلّ ارتباطًا بقرار سياسي واعٍ وأكثر عرضة لسوء تقدير، أو لقراءة خاطئة لإشارات الخصم.
ففي مثل هذه البيئة، لا يحتاج الانزلاق إلى نيّة استخدام نووي، بل يكفيه سوء قراءة لإشارة، أو تفسير تصعيد تكتيكي على أنّه تهديد استراتيجي. إنّ تحويل مواقع بحثيّة أو منشآت مدنيّة إلى أهداف عسكرية يغيّر من إيقاع القرار؛ فالمؤشّرات التقنية يمكن أن تُقرأ على أنّها استعداد لخطوة استراتيجية، والإجراءات الدّفاعية التي تُتخذ على أساس تقديرات آنية قد تُقابَل بردّ فعل أكثر عنفًا من المتوقّع عندما يشعر الخصم بأنّه بات يقف على حافّة الوجود.

هنا تتّضح العلاقة السّببية؛ حيث يجعل تآكل منظومة الضّبط الدّولي أيّ حرب تقليدية كبرى أكثر خطورة، لأنّ سقفها غير محاط بقواعد مستقرّة. وفي الحالة الإيرانية، أضافت الضّربات العسكرية بُعدًا نفسيًا واستراتيجيًا جديدًا. فالدّولة التي كانت تدير برنامجها النّووي ضمن معادلة تفاوضية مرنة باتت تنظر إلى المسألة من زاوية البقاء والرّدع.

تاريخيًا، كانت الدّول، التي تتعرّض لضربات على بنيتها الاستراتيجية، تعيد تقييم كلفة البقاء من دون مظلّة ردع قصوى. لا يعني ذلك انتقالًا فوريًا إلى خيار نووي عسكري، لكنّه يعزّز منطق "القدرة الكامنة" كضمانة ضدّ تكرار السيناريو. هذا التحوّل الذهني ـ من معادلة تفاوض إلى معادلة بقاء ـ يضاعف الحوافز لتسريع برامج مبطّنة، لتثبيت بنية يمكن أن تُستعرض كرسالة ردع مستقبلية حتى وإن لم تُستخدم فعليًا، لأنّ وجود القدرة يغيّر من معادلات التّهديد والتكلفة.

إسرائيل.. الغموض النّووي تحت ضغط الواقع

في المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة مختلفة. فسياستها التقليدية، القائمة على الغموض النووي، تفترض إدارة صراعات بالوكالة أو مواجهات محدودة. أمّا الحرب المباشرة مع إيران فتدفع بهذا الغموض إلى حافة الاختبار، فكلّما طال أمد المواجهة أو ارتفع مستوى المخاطر، ازداد الضّغط الدّاخلي لتعزيز الرّدع علنًا، ولو عبر لغة أكثر صراحة. حتى من دون استخدام فعلي، فإنّ انتقال الخطاب من الإيحاء إلى التّلويح يرفع مستوى التوتّر الإقليمي ويغيّر حسابات الخصوم. وأكثر من ذلك، فإنّ الرّغبة في توضيح حدود الرّدع يمكن أن تُترجم إلى استعراضات استراتيجية ـ نقل قوات، تجارب صاروخية، شراكات أمنية معلنة ـ تُفسَّر خارجيّا كاستعداد فعلي للتّصعيد، وهو ما يؤدي إلى سلسلة من التحرّكات المضادّة التي تغذّي بدورها مناخ عدم اليقين.

الولايات المتحدة.. بين منع الانتشار ومنع الانزلاق

أمّا الولايات المتّحدة، فهي تخوض مفارقة استراتيجية مزدوجة؛ فمن جهة هي تسعى إلى منع خصم إقليمي من تعزيز موقعه، لكنها، من جهة أخرى، تفعل ذلك في بيئة دولية تفتقر إلى قواعد ضبط مستقرّة مع القوى النّووية الأخرى. ومع تعدّد مسارح العمليات ووجود قوى كبرى تراقب عن كثب، يصبح خطر الاحتكاك غير المقصود أعلى ممّا كان عليه في حقب سابقة كانت أكثر انضباطًا مؤسّسيًا. السّياسة الأمريكية هنا تبدو محكومة بتوازن بين رغبة في إضعاف قدرات خصم إقليمي ومنع امتداده، وبين الحاجة إلى عدم إشراك قوى كبرى في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة قد تتحوّل إلى مواجهة أوسع. وفي حالات التّداخل بين مصالح عابرة للحدود، تصبح مسألة إدارة معلومات الاستخبارات، وضمانات عدم استهداف منظومات بعينها، ووجود قنوات اتصال طارئة أمورًا مركزية لتفادي التباس الرسائل.

الخليج العربي.. مركز الارتدادات الاستراتيجية

في هذا السياق، يتحوّل الخليج العربي من هامش جغرافي إلى مركز ارتدادات استراتيجية. فالمنطقة تجمع بين كثافة عسكرية استثنائية، وتماسّ مباشر مع الملف النووي الإيراني، وأهمية اقتصادية عالمية باعتبارها شريان الطاقة الأساسي. لهذا فإنّ أيّ تصعيد، حتى لو كان محدودًا في نيّته، يحمل انعكاسات فورية على الملاحة والأسواق والاستقرار المالي. وهنا تظهر نتيجة منطقية لما سبق مفادها أنّه كلّما ضعفت القواعد الدولية لضبط الرّدع، إلاّ وزادت هشاشة المناطق التي تقع عند تقاطع القوى الكبرى. ولأنّ الاقتصادات العالمية متشابكة، فإنّ أيّ نزاع خليجي لا يبقى محصورًا جغرافيًا بل يتحوّل بسرعة إلى عامل ضغط على سياسات الطّاقة والتّمويل والسياسات الصّناعية في بلدان بعيدة، ما يعيد بدوره تشكيل دوافع التدخّل أو الحياد لدى الأطراف الخارجية.

منطق "التصعيد لإعادة الرّدع"

الخطر الأكبر لا يكمن في قرار واعٍ باستخدام السلاح النووي، بل في منطق "التصعيد لإعادة الرّدع". في الحروب المعقدة، قد يلجأ طرف إلى ضربة أقوى لإعادة تثبيت صورة الرّدع، معتقدًا أن الرسالة ستُقرأ ضمن سقف معين. لكن في بيئة خالية من آليات ثقة متبادلة، قد تُقرأ الرسالة بوصفها كسرًا لمحظور استراتيجي، فيأتي الرد أعلى من المتوقع. وهكذا يتحول التصعيد المحدود إلى سلسلة تفاعلات يصعب التحكم في مسارها. ومن ثم يصبح لأي حادث تكتيكي ـ هجوم على منشأة، إسقاط طائرة، أو خطأ في استهداف ـ القدرة على إطلاق ديناميكية تصعيدية غير متوقعة، لأن المتلقين للرسالة ليس لديهم أطر مرجعية مشتركة لتصحيح التقديرات أو لطلب توضيح فوري.

الخطر الأكبر لا يكمن في قرار واعٍ باستخدام السلاح النووي، بل في منطق "التصعيد لإعادة الرّدع". في الحروب المعقدة، قد يلجأ طرف إلى ضربة أقوى لإعادة تثبيت صورة الرّدع، معتقدًا أن الرسالة ستُقرأ ضمن سقف معين. لكن في بيئة خالية من آليات ثقة متبادلة، قد تُقرأ الرسالة بوصفها كسرًا لمحظور استراتيجي، فيأتي الرد أعلى من المتوقع.
من هنا، يصبح الربط واضحًا؛ فانهيار الضّبط النّووي الدّولي لا يؤدّي بذاته إلى حرب نووية، لكنّه يجعل كلّ حرب تقليديّة كبرى أكثر قابلية للانزلاق. والحرب الدّائرة ضدّ إيران تضع الخليج داخل هذا الهامش الخطِر، حيث تتجاور القوّة القصوى مع انعدام اليقين. وإذا كانت منطقة الخليج قد عاشت سابقًا فترات من التوتّر العالي تحت سقوف تفاهمات ضمنية، فإنّ فقدان الآليات الرّسمية يعني أنّ هذه التّفاهمات ستصبح هشّة وقابلة للتفكّك عند أوّل اختبار. وهذا يطرح سؤالا استراتيجيّا محوريًَا: كيف تُبنى مقاربات احتواء محلّية أو إقليمية في غياب أدوات ضبط دولية قويّة؟ الجواب المؤقّت يميل إلى الحاجة إلى مزيج من التّفاهمات الثّنائية، وآليّات طوارئ تقنية (كقنوات اتّصال مباشرة بين ساحات القيادة)، ومجموعات ثقة إقليمية تعمل على تبادل المعلومات وتقليل احتمالات الفهم الخاطئ.

إذا كان سؤال مرحلة ما قبل الحرب هو من سيضغط الزرّ؟ فإنّ سؤال المرحلة الرّاهنة أدقّ وأخطر: هل تستطيع الأطراف المتحاربة إبقاء الصّراع ضمن حدود تقليدية في نظام دولي لم يعد يملك أدوات موثوقة لإدارة الرّدع؟ وهو سؤال لا يُختزل في قدرات أنظمة الأسلحة أو في حجم التّرسانات، بل يتّصل بوجود مؤسّسات تسمح بتصحيح الأخطاء فور وقوعها ـ مؤسّسات يمكن أن تضيف زمنًا للتأمّل قبل الانزلاق النهائي. وفي غياب مثل هذه المؤسّسات، تصبح قرارات القادة أسرع، وأكثر انفعالية، وأقل قابلية للناحية الإصلاحية في اللّحظات الحرجة.

ثمّ ماذا بعد؟

في أزمة 1962، أنقذ التردّد العالم لأنّ المنظومة لاحقًا تعلّمت من حالة الوصول إلى الحافّة. أمّا اليوم، فالتحدّي لا يكمن في انتظار "أرخيبوف جديد"، بل في إدراك أنّ الحروب في عصر تآكل المعاهدات لا تُقاس فقط بنتائجها الميدانية، بل بقدرتها على اختبار السّقف الذي يفصل بين الرّدع والانفلات. وبدلا من الاعتماد على عنصر الحظّ أو تردّد فردي في اللّحظة الحاسمة، يتطلّب الأمر اليوم إعادة بناء آليات عملية للشفافية والاتّصال، ولو على مستويات إقليمية أو قطاعية، لتعويض الفراغ في المعاهدات الكبرى. يحتاج الأمر إلى مبادرات فنية وسياسية لخلق ممرّات معلوماتية آمنة، وبروتوكولات طوارئ مشتركة، ونظم إنذار مبكّر متفقًا عليها لتقليص احتمالات الانزلاق.

وبالنّسبة لدول الخليج العربي، فإنّ أخطر ما في المرحلة التي تمرّ بها المنطقة ليس امتلاك السّلاح النّووي، بل العيش في بيئة تتراجع فيها القدرة على منع الخطأ قبل أن يتحوّل إلى حدث لا يمكن التّراجع عنه. الأهمّ الآن ليس فقط مراقبة التحرّكات العسكرية بل بناء طبقات احترازية مؤسّسية تحمي المنطقة من تداعيات سوء الفهم عبر بناء قنوات اتصال بين القادة العسكريين، ووضع آليات إشراف فني على المنشآت الحيوية، وإيجاد أطر سياسية إقليمية تسمح بتبريد الأزمات سريعًا. وإذا كان تحقيق هذا، على مستوى دولي مع القوى الكبرى، يبدو معقّدًا في الظرف الراهن، فبإمكان الفاعلين الإقليميين والمجتمع الدولي العمل على اجتراح حدّ أدنى من شروط الشفافية المشتركة وسبل التواصل الفورية لتفادي السيناريوهات التي لا يعود فيها الرّدع وسيلة للمنع بل يتحوّل إلى عامل محفز على الانفلات.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم