في خضم تصاعد التوترات الدولية في الشرق
الأوسط، تتشابك مصالح القوى الكبرى على نحو يعكس صراعًا متعدد المستويات بين
الولايات المتحدة، إسرائيل، الصين، وروسيا، مع إيران كمحور رئيسي لهذه المواجهات.
هذه الشبكة المعقدة من التحالفات والمصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية تجعل أي
تحليل سطحي للأحداث مجرد تبسيط خاطئ. من الحروب بالوكالة، والتحكم في مصادر الطاقة
الحيوية، إلى التدخلات الدبلوماسية الدقيقة، يظهر بجلاء كيف تُدار الاستراتيجيات
الكبرى خلف الكواليس، بعيدًا عن الأضواء الإعلامية المباشرة.
وفي هذا الإطار، يقدم الدكتور عبد الرزاق
مقّري، الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم في الجزائر، قراءة معمّقة لهذه التحولات،
مستعرضًا الخطط الأمريكية لمواجهة الصعود الصيني وعزل روسيا، ودور القوى الكبرى في
إدارة الصراعات الإقليمية دون إشعال مواجهة عالمية مباشرة.
هذا التحليل الاستراتيجي الشامل يُنشر على
"عربي21" بالتزامن مع نشره على صفحة الدكتور مقّري على
"فيسبوك"..
لماذا امتنعت الصين وروسيا عن استعمال حق
النقض ضد إدانة إيران؟
تعجّب كثير من المتابعين عن عدم استعمال
الصين وروسيا حق النقض بخصوص قرار مجلس الأمن الذي أدان الضربات الإيرانية للأردن
ودول الخليج. وفي حقيقة الأمر لا يوجد ما يُتعحب منه، فالصين هي أكبر زبون للملكة
العربية السعودية في مجال المحروقات، وهي الدولة التي نجحت في التقريب بين إيران
والسعودية عبر اتفاق بكين، والإمارات العربية المتحدة هي الدولة الوسيط في التهرب
من الحصار المضروب على روسيا من خلال آلية إعادة تصدير البضائع الروسية وضمان
توريدها روسيا مواد أساسية تحتاجها. وللصين وروسيا كلاهما علاقات جيدة جدا مع دول
الخليج في مختلف المجالات، وكان لهما دور كبير في ادخال المملكة العربية السعودية
والاتحاد الإماراتي لمنظمة البريكس، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغامر هاتان
الدولتان بمصالحهما المتشابكة مع الدول الخليجية باستعمال حق النقض ضدها.
ولكن هل هذا يلغي ما هو شائع بأن الصين
وروسيا يقدمان دعما كبيرا لإيران في حربها ضد الولايات والأمريكية المتحدة والكيان
الصهيونى؟ فالجواب أن تحليل الخلفيات الاستراتيجية للعدوان تؤكد أن هذه
الحرب ليست
مصيرية لإيران فقط بل لروسيا والصين كذلك، وخاصة الصين. ولذلك تلجأ الصين وروسيا
إلى الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن لكي لا يخسران الأصدقاء العرب، ولكن في نفس الوقت يقدمان دعما مهما لإيران لا
يمكن إثباته، خصوصا في مجال الاستخبارات وإحداثيات الضربات الصاروخية وأهداف
الهجومات بالمسيرات، وفي شراء النفط الإيراني ما أمكن، وفي المجال الدبلوماسي.
لا شك أن تأثير اللوبي الصهيوني والتيار
المسيحي الإنجيلي دور كبير في اندلاع الحرب، فنتنياهو يخطط لضرب إيران منذ سنوات
طويلة، وحاول مرارا دفع أوباما وبايدن لتحقيق ذلك وفشل، وهو يرى أن إيران
تمثل، مع حلفائها في المنطقة، تهديدا وجوديا وعائقا أساسيا
لتحقيق مشروعه التوسعي، وأن النجاح في تغيير النظام أو تمزيق البلد يصنع منه الملك
الأبديّ التاريخيّ للكيان، ومن جهة أخرى دفع التيار الديني الإنجيلي في أمريكا إلى
الحرب لأسباب دينية وأوهام اعتقادية عن ضرورة قيام دولة إسرائيل لتكون حرب مقدسة
يُقتل فيها أعداد عظيمة من اليهود من أجل عودة المسيح.
بينما يضغط هذا التيار المؤثر، بجناحيه،
بأمواله الطائلة على رجل الأعمال ترمب، يضغط المنتسبون إلى تيار "ماغا"
بقوتهم الانتخابية على الرئيس الذي انتخبوه وتوجوه رئيسا إذ وعدهم بأنه سيهتم
بأمريكا أولا لتكون قوية بالقوة الاقتصادية والعلم وخدمة المواطن الأمريكي.
لا شك أن تأثير اللوبي الصهيوني والتيار المسيحي الإنجيلي دور كبير في اندلاع الحرب، فنتنياهو يخطط لضرب إيران منذ سنوات طويلة، وحاول مرارا دفع أوباما وبايدن لتحقيق ذلك وفشل، وهو يرى أن إيران تمثل، مع حلفائها في المنطقة، تهديدا وجوديا وعائقا أساسيا لتحقيق مشروعه التوسعي،
بقي ترمب يتلاعب بالتيارين المتعارضين حوله
إلى أن قرر القيام بعملية عسكرية ضخمة وسريعة تؤدي إلى إسقاط النظام على
"النهج الفنزويلي" بثورة شعبية أو انقلاب عسكري من داخل النظام، فيُرضي
اللوبي الصهيوني "الذي يبدو أن الحرب حربه" ويعود لإرضاء التيار المعارض
للحرب بمسوغات "أخلاقية" تتعلق ب"جعل أمريكا أقوى" بتكلفة
حربية قليلة وقصيرة.
إن هذا التحليل الذي يميل إليه كثير من
الكتّاب والمحللين صحيح، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالتأثير الصهيوني استغل
وضعا استراتيجيا معينا يتعلق بالصين، يدور حوله نقاش كبير في مراكز صنع
القرار وقادة المؤسسات.
لقد كانت تدخلات اليهود الصهاينة حاسمة في التعجيل بإيقاد نار الحرب، ضمن بيئة مسيحية صهيونية
مؤثرة حول الرئيس الأمريكي، وفي سياق نرجسيةٍ وانفعالية مشهودة للرئيس البرتقالي
على اثر نجاحه في غزوة كراكاس. ولكن كان ذلك ضمن توجهات متصاعدة عند بعض صانعي
السياسات في التيار اليميني الأمريكي بأنه لا بد من استبدال "استراتيجية
المنافسة" مع الصين، ب"استراتيجية الإعاقة" للصعود الصيني.
توصل صناع القرار في أمريكا في بداية القرن
بأن قادة بلدهم ضيعوا وقتا طويلا وثمينا في الشرق الأوسط، عبر حروب طويلة في
العراق وأفغانستان بحجة وقف انتشار السلاح النووي ومحاربة الإرهاب، تسببت في كلف
اقتصادية عالية وخسائر معنوية شديدة، وارتفاع مشاعر العداء ضد الولايات الأمريكية
المتحدة، وتأخر كبير في وتيرة الابتكارات العلمية والنمو الاقتصادي.
وفي ذلك الوقت كانت الصين تحقق طفرات
تاريخيّة في النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، وفي الهياكل القاعدية عبر مشاريع
الطريق والحرير. لقد كانت كالماء الهادئ المكتسح لكل الحدود بما يحمله من بضائع في كل المجالات، تصنع من
خلاله صداقات الربح المشترك عند كل الشعوب، ولدى حلفاء أمريكا، في أوربا وأستراليا
وكندا وأفريقيا وآسيا الوسطى والعالم العربي. لم تخف الصين طموحها بأنها تسعى لتكون القوة الاقتصادية الأولى في 2030
وربما القوة العسكرية الأولى في 2040، وتدفع مع قوى صاعدة أخرى نحو عالم متعدد
الأقطاب لا تكون فيه أمريكا سوى قوة دولية ضمن قوى أخرى مكافئة.
فهمت الولايات الأمريكية المتحدة بأنها تتجه
نحو فقدان مكانتها كقوة دولية متفردة بالسيطرة في العالم، وأنها لن تستطيع تحقيق
مصالحها بالقوة والإكراه والابتزاز، وأنه عليها أن تتقبل بروز عالم جديد يقوم على الاتفاقيات والمعاهدات، والمفاوضات بالندية مع الدول الصاعدة، وعلى رأسها
الصين، وأن تأثيرها الحصري على الحلفاء والدول التابعة سيتراجع وربما ينتهي. أي
نهاية العهد الأمريكي.
كانت الخطة لتجنب ذلك أن تتخفف الولايات
الأمريكية المتحدة من أعباء الشرق الأوسط بالتقريب بين حلفائها العرب
والإسرائليين، عبر تسريع وتيرة التطبيع، وتحويلها إلى "اتفاقيات
إبراهيمية" تكون فيها القيادة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية للكيان
الصهيونى، ويتفق الجميع على تصفية القضية الفلسطينية في مقابل ازدهارٍ موهوم للشرق
الأوسط تُثبَّت فيه عروش الحكام وينعم الناس بـ "العيش الرغيد!"، وكان
معيار نجاح الخطة أن تلتحق المملكة العربية السعودية بركب الاتفاقيات الإبراهيمية.
وعندئذ تنتقل الولايات الأمريكية المتحدة
إلى مواجهة الصين وروسيا عبر مجموعة من الخطط منها:
أولا ـ بخصوص الصين.
ـ رفع مستوى الإنفاق على البحث العلمي، بمقتضى قانون
الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act) الذي صوّت
عليه عام 2022 بالإجماع الديمقراطيون والجمهوريون. وهو قانون سمي عند بعض
السياسيين الأمريكيين بقانون الصين"
باعتبار أن المقصود منه مواجهة الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة
الكمومية، والروبوتات، واستعادة الريادة الأمريكية في تصنيع الرقائق التي انخفضت
حصتها عالميا من 40 ٪ في 1990 إلى حوالي 10 ٪ قبل صدور القانون، ومن حيث أن
التدبير تدبير اشتراكي خصص له 280 مليار
دولار أمريكي كتمويل حكومي لا ينسجم مع التوجهات الرأسمالية الأمريكية.
ـ تطويق الصين بسلسلة تحالفات من كل
الاتجاهات، فعلاوة على النفوذ الأمريكي المتصاعد في تايوان وبيع الأسلحة لحكومتها
خلافا للتفاهمات الصينية الأمريكية وفق مبدأ الصين الواحدة، شكلت وطورت الولايات الأمريكية المتحدة تحالفاتها
لاحتواء النفوذ البحري الصيني. فشكلت "حلف أوكوس" عام 2021 مع المملكة المتحدة وأستراليا لإنشاء
أسطول غواصات تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادي. ومتنت التحالف مع كوريا
الجنوبية واليابان، حيث حولته من حلف ثنائي إلى حلف ثلاثي عام 2023 عبر تكثيف وجود المعدات العسكرية الأمريكية،
والمناورات العسكرية الدورية، في منطقة المحيط الهادي والهندي وجنوب بحر الصين.
وعزّزت تحالفاتها في جنوب شرق آسيا بتفعيل معاهدة الدفاع المشترك مع الفلبين
وتطويرها إلى "اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز" عام 2014، وتطوير العلاقات الجيدة مع فييتنام إلى "شراكة
استراتيجية" كاملة عام 2023، علاوة على العلاقات الأمنية مع أندنوسيا لتعزيز
الأمن البحري وتحديث الدفاع.
ـ العمل على عزل روسيا عن الصين، ومحاولات
تعطيل المد الصيني في أفريقيا واسيا وأوروبا، وفي العالم العربي، بالضغط والإغراء
وصناعة الأزمات.
ثانيا ـ بخصوص روسيا.
حاولت الولايات الأمريكية المتحدة احتواء
روسيا بسياسة تمدد الحلف الأطلسي في أوربا الشرقية، وتعزيز نفوذها واتفاقياتها
الثنائية مع الدول التي كانت سابقا ضمن المعسكر الاشتراكي، كما عمّقت نفوذها في
آسيا الوسطى عبر ما يسمى "دبلوماسية الصفقات" والاستثمارات الاقتصادية
والأمنية لمحاولة عزل روسيا، وتقليص نفوذ الصين في منطقة "القلب
الأوراسي"، من خلال استثمارات ضخمة (12,2 مليار دولار) في البنية التحتية
والطيران، وعقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع دول المنطقة (كازخستان، أوزبكستان،
قيرغيزستان، طاجكستان، تركمنستان).
لقد كانت تدخلات اليهود الصهاينة حاسمة في التعجيل بإيقاد نار الحرب، ضمن بيئة مسيحية صهيونية مؤثرة حول الرئيس الأمريكي، وفي سياق نرجسيةٍ وانفعالية مشهودة للرئيس البرتقالي على اثر نجاحه في غزوة كراكاس. ولكن كان ذلك ضمن توجهات متصاعدة عند بعض صانعي السياسات في التيار اليميني الأمريكي بأنه لا بد من استبدال "استراتيجية المنافسة" مع الصين، ب"استراتيجية الإعاقة" للصعود الصيني.
سعت أوروبا، بتدبير ألماني، إلى إدماج روسيا
في الفضاء الأوربي من خلال ما سمي عقيدة "السلام الاقتصادي" (Wandel durch Handel)،
التي تقضي بدمج الاقتصاد الروسي بالاقتصاد الأوربي عبر الاستفادة من توريد الطاقة
الروسية الرخيصة مقابل التكنولوجيا والاستثمار وحرية التنقل، ولكن الولايات
الأمريكية المتحدة أفسدت هذه الرؤية بالتسبب بالحرب الروسية الأوكرانية عبر سياسات
التمدد للحلف الأطلسي شرقا والتمركز الاستخباراتي في أوكرانيا، التي لم تصبح روسيا
بوتين تتحملها.
وفي ظل هذه الحرب ترسّخ الوجود الأمريكي في
الدول القريبة من الحدود الغربية الروسية، حيث تم نشر حامية عسكرية دائمة في
بولندا - شريك الولايات المتحدة الأساسي
في المنطقة ـ وفيلق إضافي في رومانيا، ونشر آلاف الجنود في ما يسمى الجناح الشرقي
الأوربي (رومانيا، ليتوانيا، لاتفيا، وإستونيا).
ومع رجوع ترمب حاول اعتماد أسلوب التفاهم
الثنائي الأمريكي الروسي، والميل نحو إمكانية الاعتراف بالسيادة الروسية على إقليم
دونباس، كطريق محفوف بالمخاطر، لإبعاد روسيا عن الصين.
لم تنجح هذه السياسيات في الحد من الصعود
السريع والقوي للصين، فلم ينفع صندوق " قانون الرقائق والعلوم" في
اللحاق بالنمو العلمي والتنولوجي الصيني، ولم تنجح التحالفات والشراكات
والاستثمارات الأمريكية، في الحد من النفوذ الصيني، إذ ظلت الصين تُقدم للدول أفضل
ما تقدمه الولايات الأمريكية المتحدة على مختلف الأصعدة دون ابتزاز ولا مطالبات
سوى الاستثمار، والهياكل القاعدية، والمبادلات الاقتصادية. وبقيت روسيا صامدة في
أكرانيا، تعتمد على مقدراتها الطبيعية اللامحدودة، وتتجاوز إجراءات الحصار الغربية
عبر مبادلاتها وتحالفاتها مع الصين والدول الصاعدة، وما زادتها الحرب مع أكرانيا
إلا اقترابا مع الصين، وبات العالم يسير بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية، خلافا
لما أرادت الولايات الأمريكية المتحدة تعطيله.
عندئذ برز، في دوائر تصميم السياسات في الولايات الأمريكية توجه يؤمن بأنه لا يمكن وقف
الزحف الصيني، وأنه لا بد من استبدال "استراتيجية المنافسة"
ب"استراتيجية الإعاقة". وهي الاستراتيحية التي أعلن عنها بلا مواربة
"إلبريدج كولبي" مهندس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 ـ تحت
عنوان "الردع بالحرمان": حرمان الصين من مقوّمات الهيمنة الإقليمية عبر
التحكّم في الجغرافيا والموارد قبل أن تصل إليها.
لم تكن تلك استراتيجية "الردع
بالحرمان" التي انتهجتها الولايات الأمريكية ضد الصين بعد تعثر استراتيجية
"المنافسة" خافية إلا على الذين لا يتابعون تصريحات الطبقة القيادية
المحيطة بترمب أو الذين لا يأخذون تصريحات هؤلاء مأخذ الجد قبل أن يتحول قولهم إلى
فعل. ففي السابع من مارس الحالي، أعلن "جارود أيغن"، المدير التنفيذي
لمجلس الهيمنة على الطاقة في البيت الأبيض، على شاشة فوكس بيزنس: " في نهاية
المطاف، لن نضطر إلى القلق بشأن مشكلات
مضيق هرمز، لأنّنا سننتزع كلّ النفط من
أيدي الإرهابيين"، وها هو ترمب يصرح بالتحضير لعملية عسكرية بغرض السيطرة على
مضيق هرمز ويحاول أن يجر معه دولا أخرى تستعمل المضيق لمرور بضائعها، من أجل
المشاركة في الكلفة وبغرض المشهدية السياسية.
إن الاستراتيجية التي يعتمدها ترامب وفريقه
لإعاقة الصين أو لـ "ردعها بالحرمان" تقوم على الأسس التالية:
أولا ـ حرمان الصين من النفط، أو إعطاؤها
إياه بإرادة أمريكا وعن طريقها، وهذا الذي صرّح به ترمب بشكل واضح أثناء اقتحامه
فنزويلا وسيطرته على القرار الطاقوي في
هذا البلد حيث قال: "نرحب بالصين ويمكن أن نصل إلى اتفاق عظيم بشأن حصولها
على نفط فينزويلا" ، فهو إذن الذي يتفق مع الصين بشأن نفط فينزويلا!.
وهو كذلك ما ذكره جارود أيغن، المشار إليه
أعلاه، بشأن نفط إيران، وما يخطط له ترمب للسيطرة على جزيرة خرْج الإيرانية (التي
يمر عليها 90% من النفط الإيراني)، بشكل مباشر أو عبر حكام إيرانيين جدد موالين لأمريكا.
إن الضرر الذي يصيب الصين سيكون كبيرا إذا سيطرت الولايات الأمريكية المتحدة على نفط إيران بعد أن سيطرت على نفط فينزويلا، ضمن خطة "الردع بالحرمان" التي تنتهج ضدها.
لقد كانت الصين تأخذ 68% من نفط فينزويلا
بأسعار رخيصة (144 مليون برميل عام 2023) ضمن ترتيبات سداد ديون فينزويلا للصين
المتراكمة كقروض مستحقة بنحو 19 مليار دولار ضختها الصين في استثمارات وهياكل
قاعدية. وهي تستورد في حدود 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني (عام 2025)
يصل إليها بأسعار رخيصة تحت أعلام مزيفة للتحايل على العقوبات.
إن الضرر الذي يصيب الصين سيكون كبيرا إذا
سيطرت الولايات الأمريكية المتحدة على نفط إيران بعد أن سيطرت على نفط فينزويلا،
ضمن خطة "الردع بالحرمان" التي تنتهج ضدها.
إذا نجح العدوان الذي سمي "الغضب
الملحمي" سيكون بين يدي الإدارة الأمريكية ثروة نفطية تتجاوز 30٪ من الاحتياطي العالمي ( مجموع
احتياطي فنزويلا وايران). علاوة على أنه
لا يستبعد أن تكون السعودية والدول الخليجية الأخرى هي المحطة الموالية التي يفرض
فيها ترمب نفسه وسيطا بالإكراه لبيع نفطها للصين. علما بأن نصف واردات الصين من
النفط تأتي من الشرق الأوسط ( السعودية، العراق، الإمارات، إيران، البحرين)، وهي
أكبر مستورد للنفط في العالم (11 مليون برميل يوميا)، وقوتها الاقتصادية
تعتمد بشكل أساسي على الطاقة المستوردة.
فهل يعقل أن تسمح الصين بأن تقع في يد أمريكا بإسقاط إيران في حجرها؟
ثانيا ـ لا تكتفي الولايات الأمريكية
المتحدة بحرمان الصين من حرية الوصول إلى مصادر الطاقة، وإبرام الصفقات المناسبة
لها مع الدول المصدرة، بل تسعى إلى خنق
حركتها التجارية كلها، بإعاقة مشروع الطريق والحرير، والسيطرة على الاختناقات الجغرافية في العالم،
الحيوية بالنسبة للصين، خصوصا قناة بنما،
ومضيق هرمز ومضيق مالاقا.
ـ أول مضيق بدأ ترمب التضييق بشأنه على الصين هو مضيق
بنما، ضمن مخطط السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي وتعهُّد إدارة ترامب
بـ" منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي" من السيطرة فيه على
"الأصول الحيوية استراتيجياً"، وطرد الشركات الأجنبية التي تُقيم
بنية تحتية مهمة هناك.
تمثل قناة بنما ممرا مائيا استراتيجيا لتجارة الصين الخارجية، بين
آسيا والساحل الشرقي للأمريكتين، وتعد دولة بنما هي الدولة الأولى في القارة
الأمريكية التي انضمت لمشروع الطريق والحرير، وبلغت استثمارات الصين في حدود 2.5
مليار دولار في موانئ القناة والبنية التحتية، وهي طرف شريك فاعل في إدارة القناة،
عبر شركات صينية خاصة، على طرفي القناة.
وقد اعتبرت الولايات الأمريكية المتحدة هذا النفوذ المتصاعد خطرا على مصالحها في
المنطقة.
صرح ترمب في خطاب توليته الثانية بأن الصين
تسيطر على قناة بنما، مدعيا بأن القناة هي في أصلها أمريكية منحتها الحكومة
البنمية للصين، وتلتها تصريحات العديد من مسؤولي البيت الأبيض يتهمون فيها الصين
بأنها تمثل خطرا أمنيا ويمكنها أن تسيطر على الملاحة البحرية عبر القناة في وقت
الأزمات.
رد الرئيس البنمي ومدير القناة على هذه
المزايدات، وأكدا أن الوجود الصيني ضمن اتفاقيات قانونية وأن بنما تعمل ضمن قواعد
حيادية واحدة مع الجميع، ومع ذلك أفلحت الضغوطات الأمريكية حيث ألغت المحكمة
العليا في بنما هذا العام عقود تشغيل ميناءين رئيسيين (بالبوا وكريستوبال) لشركة "سي كيه هاتشيسون"
الصينية، وهو ما أثار حفيظة الصين فلجأت إلى المحاكم الدولية وأطلقت تهديدات شديدة
اللهجة في اتجاه حكومة بنما تتنافى مع أسلوب الصين في التعامل مع القضايا الدولية،
مما يؤكد تضررها من سياسة "الردع بالحرمان" الذي تنتهجه الإدارة الأمريكية.
ـ أما عن مضيق هرمز فإن الصين تستحوذ وحدها على 37.7٪ من
تدفقات النفط الخام الذي يمر عبره، متقدمة بفارق كبير عن أي دولة أخرى، وكانت خطة
الحرب تقتضي تحكم الولايات الأمريكية المتحدة في هذا الشريان الحيوي للصين من خلال
حكومة إيرانية موالية بعد إسقاط النظام أو استسلامه. غير أن العدوان لم يحقق هدفه
إلى الآن، بل صارت إيران هي المتحكمة في
حركة المرور البحري في المضيق.
لم يكن في خطط الأمريكيين وقف تدفقات النفط
الإيراني، بل المحافظة عليه، وضمان استمرار إنتاجه ثم التحكم فيه وفي تدفقاته
وتدفقات النفط الخليجي تجاه الصين عبر التحكم في مضيق هرمز، فإذا بالمضيق يتحول
إلى سلاح في يد إيران صنعت به أزمة اقتصادية عالمية بات الجميع يحمل البيت الأبيض
مسؤوليتها.
يحاول ترمب حل هذه المشكلة باحتلال مضيق
هرمز، ولكنه يعلم بأن الأمر ليس سهلا، فقد حاول حل مشكلة باب المندب بالقوة ضد
الحوثيين فلم يفلح حتى اضطرّ إلى التفاوض. وهو يحاول تشكيل تحالف دولي للسيطرة على
المضيق، وقد يكون ذلك فرصة لترقيع حالة غياب الشرعية الدولية لحربه على إيران. غير
أنه لم يتلق استجابة من أي دولة إلى الآن، وقد ذكّره وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن بعثة "أسبيدس" البحرية التي شكلها الاتحاد الأوربي لم تكن فعالة في تنفيذ مهمتها في حماية باب المندب فقال: "لهذا السبب فأنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس
لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن".
وهذا الإخفاق هو الذي جعل ترمب ينتقل إلى
التهديد باحتلال جزيرة خرج الإيرانية، عبر تدمير دفاعاتها العسكرية مع الحفاظ على
البنية التحتية النفطية. ولكن ايران ردت بالتهديد بأنه في حال حدوث مثل هذا
العدوان، سيتم إحراق وتدمير كافة البنى التحتية للنفط والغاز في المنطقة، والتي
تستفيد منها أمريكا وحلفاؤها الغربيون"، وعليه ستتعاظم الأزمة الاقتصادية
العالمية، علما بأن كثيرا من الاقتصاديين في العالم حذروا بأن العالم مقبل على
أزمة عالمية أخطر من أزمة 2008 بسبب استمرار الحرب وتداعيات ارتفاع أسعار البترول
وتعذر التجارة العالمية.
أما عن مضيق هرمز فإن الصين تستحوذ وحدها على 37.7٪ من تدفقات النفط الخام الذي يمر عبره، متقدمة بفارق كبير عن أي دولة أخرى، وكانت خطة الحرب تقتضي تحكم الولايات الأمريكية المتحدة في هذا الشريان الحيوي للصين من خلال حكومة إيرانية موالية بعد إسقاط النظام أو استسلامه. غير أن العدوان لم يحقق هدفه إلى الآن، بل صارت إيران هي المتحكمة في حركة المرور البحري في المضيق.
ـ أما عن مضيق مالاقا فهو أزحم ممر مائي في العالم، يمتد
طولا إلى 805 كلم، وعرضا بين حوالي 60 و250 كلم بين أندنوسيا وماليزيا، وتطل عليه
كذلك سنغافوريا في مخرجه الشرقي. تمر
عبره 100 ألف سفينة في العام، يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، وتمر حوله
80٪ من واردات الصين واليابان من النفط.
يمثل المضيق معضلة للصينينين، يسمونها
"معضلة ملاقا"، بسبب تواجد الأسطول السابع الأمريكي في جواره وانتشار
القواعد العسكرية الأمريكية، خصوصا في سنغافوريا، وكون الدول الثلاثة المطلة عليه
صديقة لواشنطن ( أندنوسيا، ماليزيا) أو حليفة ( سنغافورة )، مما يهدد الواردات
الصينية في حال حدوث حرب أو اضطرابات دولية. لذلك تسعى الصين للبحث عن موصلات برية
بديلة عبر دول صديقة أو شريكة في مشروع الطريق والحرير.
ربما يمثل ثبات إيران في الحرب القائمة،
وقدرتها على ضرب البوارج الأمريكية، وإخراج حاملة الطائرات أبراهام لينكلن من
الخدمة، حسب التصريح الإيراني، أفقا جديدا سيخفف من حدة "معضلة مالاقا"،
إذ بينت هذه الحرب أن حاملات الطائرات الأمريكية وقوتها العسكرية الجبّارة صُممت
لزمن أضعفت التكنولوجية العسكرية المتطورة أهميتها، وصارت أسلحة زهيدة الثمن تعجز قدرات عسكرية باهضة الثمن.
لو كنا في زمن سابق لأدى العدوان على إيران
إلى حرب عالمية ثالثة بشكل سريع ومباشر، ولكن التطور التكنولوجي أصبح يتيح خوض
الحروب بالوكالة بكفاءة عالية.
ولكل ما سبق يُفهم أهمية، بل ضرورة، تدخل
الصين إلى جانب إيران ضد الولايات الأمريكية المتحدة، دون الحاجة إلى إظهار ذلك،
لتجنب الحرب العالمية. ويبدو ـ بالفعل ـ أن أمريكا وقعت في ورطة كبيرة، وأن نهاية
الحرب دون أن تحقق هدف السيطرة على إيران سيغير العالم بشكل سريع وعميق.. مهما كان
ادعاء ترمب تحقيقه النصر الكامل.