كتب

أكبر سجن على وجه الأرض.. الحرب خيار كان من الممكن تجنبه.. قراءة في كتاب

الكتاب هو تاريخ لقوى الاحتلال أكثر منه تاريخًا للشعب الخاضع للاحتلال
الكتاب هو تاريخ لقوى الاحتلال أكثر منه تاريخًا للشعب الخاضع للاحتلال
إن جوهر المشروع الصهيوني استيطاني ـ اجتثاثي ـ إحلالي، فالصهيونية لم تكن تتوخى، بخلاف الكولونيالية الكلاسيكية، الاستيلاء على وطن، ونهب موارده، والسيطرة على سكانه، باستغلالهم كيدٍ عاملة بسعر رخيص، بل كانت تتوخى بالأحرى خلق مجتمع جديد في مكان مجتمع أصلاني قديم.

ثمة أمر مؤكد: "إن سلوك الجيش الإسرائيلي خلال الصراع كان يندرج في إطار المشروع الصهيوني لإنشاء دولة يهودية من دون عرب". وبذلك ظهرت إسرائيل، كـ"جمهورية من الدم والعقيدة"، أي ديمقرطية محددة على أسس طائفية وعرقية، مفتوحة أمام كل أنصار الشريعة الموسوية.

هذا ما يعتقدهُ المؤرّخ الإسرائيلي إيلان بابيه، مؤلِّفُ كتاب "أكبر سجن على وجه الأرض"، والذي ترجمه حديثاً إلى العربيّة أدونيس سالم، عن دار هاشيت أنطوان ـ بيروت 2020.

الكتاب هو "تاريخ لقوى الاحتلال أكثر منه تاريخًا للشعب الخاضع للاحتلال، فهو يسعى لتفسير الآلية التي تم استحداثها لحكم ملايين الفلسطينيين، وليس لاستعادة مراحل حياتهم".

يعرض بابيه في الفصل الأول "الحرب خيار كان ممكنًا تجنّبه"، المشهد التاريخي العام، للمحطات الرئيسية 1948، و1957، و1958، و1967، باعتبارها مراحل من مشروع استعماري متواصل هدفه تهويد فلسطين وسلب هويتها العربية. في عام 1967، يؤكد المؤلف أن إسرائيل لم تكن تواجه أيّ أخطار وجودية. كما أن مناورات جمال عبد الناصرلم  تختلف أبدًا، لا في طبيعتها ولا في نطاقها، عن أيّ من خطواته تصرفاته، إلى ذلك لو اتبعت سياسة إسرائيلية أقل عدوانية واستفزازية على الحدود السورية لنجحت في تهدئة الوضع على تلك الجبهة. ويري بابيه أن الحرب "لم تكن سوى استمرار للتطهير العرقي وتجريد الفلسطينيين من كامل ممتلكاتهم".

في الفصل الثاني "ابتداع السجن الكبير"، يروي الكاتب أنه أثناء حرب 1967، "سيطرت إسرائيل على كامل أراضي فلسطين التاريخية، وفرضت حكمها على أكثر من مليون فلسطيني في الضفة الغربية، و450 ألف آخرين في قطاع غزة". وفي 8 يونيو، أعلن رئيس الحكومة، ليفي إشكول، "أن القدس الجديدة الموحدة الشطرين ستكون العاصمة الأبدية لإسرائيل. وقبيل نهاية الشهر ذاته، أي في 23 يونيو، أعلن إشكول في الكنيست عن بقاء الضفة الغربية وقطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، وأكد أنه لن يُسمح مطلقًا بأيّ وجود عسكري فيهما، سواء كان فلسطينيًا أم عربيًا، ووعد أيضًا بأن تعمل إسرائيل على استعادة السكان حياتهم الطبيعية في تلك الأراضي".

توافقت الحكومة الإسرائيلية على الخطوط العريضة للسياسة الخاصة بهذا الواقع الجديد، من خلال جدل حُسم فيه مصير الأراضي المحتلة، ووضع السكان فيها، ومسألة طردهم، ومستقبل القدس. وكانت آلية العمل الفعلية للتحكم بحياة الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة. تُرك للجيش أن يتولى إدارة شؤونهم، بعد أن تحولوا فجأة إلى شعب بلا دولة، محرومين من أيّ وضع قانوني معترف به دوليًا، يكفل حماية حقوقهم المدنية والإنسانية الأساسية. ويصف بابيه هذه الإجراءات بـ"بيروقراطية الاحتلال" لإقامة سجن فلسطيني كبير.

يشير المؤلف في الفصل الثالث "القدس الكبرى مشروعًا تجريبيًّا" إلى إنشاء الاحتلال "مجال فلسطيني محاصر وسط عدد من المناطق التي استوطنها اليهود، نتيجة لجهود مشتركة أدّت إلى إعطاء السجن الضخم شكله النهائي". وضع بابيه قائمة طويلة باسماء المستوطنات، ومساحات الأراضي المصادرة، والمجالات المُدُنية التي استحدثت. ويصف التخطيط الدقيق والتنفيذ السريع لهذه الخطة خلال السنة الأولى بعد نهاية حرب 1967.

يعرض الكاتب في الفصل الرابع "الرؤية التي قدّمها آلون"، رؤية مستقبلية إلى حد ما، تولت تقديم تلك الرؤية شخصيّتان، هما، إيغال آلون وموشيه ديان.  ويؤكد بابيه أن آلون، "لم يكن يسعى للتوصل إلى تسوية، بل إلى التوسّع. كان أول من بحث عن أفضل طريقة لاستغلال الاستيطان اليهودي لضمان قضم المساحة السكانية من دون دمج السكان". وترجمت هطة آلون إلى استراتيجيتين كبيرتين رسمتا معالم الحياة في الأرض المحتلة لسنوات كثيرة تلت: الأولى استراتيجية جغرافية خدّدت بوضوح الأجزاء المنوي تهويدها واستيطانها؛ والثانية واقع إداري خدّد طبيعة المكافآت والعقوبات المترتّبة على قبول الحكم الإسرائيلي أو رفضه".

يسرد بابيه في الفصل الخامس "مكافآت اقتصادية وعقوبات انتقامية"، الأسس لواقع جديد في الضفة الغربية وقطاع غزة، عن طريق إرساء واقع اقتصادي جديد، يستفيد منه المستوطنون الجدد، بالهيمنة على السكان الأصليين.

تمحور النقاش الإسرائيلي، في بناء مجموعتين من المصالح للسكان الأصليين، فقد تعاملوا منذ البداية مع الحاجات الاقتصادية للسكان الأصليين بصفتها مكافأة على "حسن السلوك"، ووسيلة عقابية ردًا على "السلوك السيّئ".

يؤكد المؤلف في الفصل السادس "التطهير العرقي في يونيو 1967"، أن حزب العمل الإسرائيلي خلال العقد الأول من الاحتلال كان أكثر شؤمًا، ونفذ عمليات تطهير عرقي في المناطق التي احتلتها في عام 1967؛ من منطلق أن تقليص عدد السكان فور انتهاء الحرب هو إجراء مناسب يمكن تطبيقه قبل أن يهدأ غبار المعركة.

في الفصل السابع "إرث حزب العمل من 1968 ـ 1977"، يناقس بابيه أكذوبة "العقد المستنير"، الفترة الممتدة بين 1967 و1977، أي سنوات عشر من فرص السلام والتقدّم للفلسطينيين. لكن الحقيقة كما يرويها المؤلف هي واقع مختلف، قائمًا على ترسيخ حكم أحاديّ أبقي سكان الأراضي المحتلة محتجزين في سجن لمدى الحياة، هم وأولادهم وأحفادهم. ومنذ اليوم الأول من ذلك العقد، كانت حياتهم خاضعة لبيروقراطية رأت فيهم تهديدًا محتملًا واعتبرتهم مصدر خطر، ما لم يخضعوا كليًّا لنزواتها ومطالبها. يري بابيه أن مسؤولية تضليل العالم خلال ذلك العقد على عاتق حزب العمل، وشيمون بيريز، الذي كرم بعد وفاته في 2016، بصفته بطلًا للسلام.

يعرض الكاتب في الفصل الثامن "بيروقراطية الشرّ"، خطوات الخطة الإسرائيلية، فقد انتهت الاجتماعات الإسرائيلية في يونيو 1967 إلى اتخاذ قرار باستبعاد الضفة الغربية وقطاع غزة من أي مباحثات سلام، ونقل الحكم في كليهما إلى الجيش، وإباحة بعض عمليات طرد السكان بشرط عدم تحولها إلى طرد جماعي، ودمج الأراضي المحتلّة بالدولة اليهودية من دون ضمها رسميًّا، ما يعني ترك سّكان تلك الأراضي في حالة ضياع على صعيد الحقوق المدنية كما على الصعيد الشخصيّ.

يشير بابيه إلى تولى زمام أمور السجن الفلسطيني، إلى لجنة المديرين العامّين. التي تأسست في 15 يونيو، وقد جمعت محاضر اجتماعات تلك اللجنة في مجلّدين يحتويان على آلاف الصفحات.

وهكذا كان مشروعهم يتمثل في تعزيز الوجود اليهودي في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة بنسبة أقل.

في الفصل التاسع "في الطريق نحو الانتفاضة (1977- 1987)"، يعرض بابيه الإجراءات الإسرائيلية، ويصف الفترة (1977 ـ 1987) بـ"عهد المستوطنين"، فالحافز للسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة هو ذاته ما دفع القيادة الصهيونية إلى القيادة الصهيونية إلى القيام بتطهير عرقي لمعظم أرض فلسطين في 1948.

"السجن الكبير والمتوّحش الذي فكرت إسرائيل في إنشائه سنة 1963 وأنجزت بناءه سنة 1967، يبلغ عمره مع نهاية الكتاب خمسين سنة". إن "تفكيك هذا السجن الكبير في فلسطين سوف يبعث برسالة مختلفة، أكثر تفاؤلًا ـ لكل من يعيش في هذا الجزء المضطرب من العالم".
يصل المؤلف في الفصل العاشر "الانتفاضة الأولى (1987- 1993)"، إلى الحديث عن الانتفاضة الأولى، التي انطلقت شرارتها في 8 ديسمبر 1987، دهست شاحنة أربعة أشخاص من سكان مخيم جباليا للاجئين في غزة، فكانت هذه الحادثة بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى. تفاعل الشعب الفلسطيني مع هذه الحادثة ديسمبر، وأطلق ردًا غير مسبوق في شدّته ونطاقه، إذ لم يحدث منذ سنة 1937 أن شهدت فلسطين مشاركة شعبية كبيرة ضدّ القمع وتجريد الناس من ممتلكاتهم. وبذلك انهار تدريجيًّا نموذج السجن المفتوح.

شكلت السنوات بين 1987 و1993 فترة تأسيسية صيغت خلالها بعض الوقائع القائمة اليوم في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة حتى سنة 2005، وكان ذلك زمنًا أظهرت فيه بيروقراطية الاحتلال سلطتها المطلقة بتحويل السياسات المؤقتة، بما فيها العقوبات إلى سياسات روتينية.

في الفصل الحادي عشر "تمثيلية أوسلو والانتفاضة الثانية"، يصف بابيه اتفاقية أوسلو بـ"التمثيلية"، في 13 سبتمبر 1993، وقعت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إعلانًا للمبادئ، عُرف باسم اتفاقية أوسلو، في حديقة البيت الأبيض برعاية الرئيس بيل كلينتون. يحلل المؤلف فشل أوسلو، بالقول: "كانت عملية السلام طرحًا فاشلًا منذ البداية، لسببين، الأول، فرض التقسيم الجغرافي أو المناطقي كأساس حصري للسلام؛ أما الثاني، فكان إنكار حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وإقصائه عن طاولة المفاوضات".

يعرض المؤلف ما حدث في مفاوضات كامب ديفيد 2000، فقد كان العرض الإسرائيلي النهائي خلال محادثات كامب ديفيد في صيف 2000، وتضمن القبول بدولة فلسطينية صغيرة، عاصمتها أبو ديس، من دون أي تفكيك حقيقي للمستوطنات وأيّ أمل في عودة اللاجئين. رفض الفلسطينيين لهذه الصفقة، وترجم الغضب الفلسطيني الأولى إلى الانتفاضة الثانية. نجح الإسرائيليون مؤقتًا في قمع الانتفاضة الثانية، عبر عملية "الدرع الواقي" البربرية في 2002.

يري بابيه أنه "في الضفة الغربية اليوم نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يقابلهم نحو 400 ألف مستوطن إسرائيلي. ولقد تمكنت  الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية من استعمار فلسطين بكاملها تقريبًا بغضّ النظر عن كونها أقلّية ديمغرافية. بيد أن هؤلاء المستوطنين أقوى بكثير من الصهاينة الأوائل ومن غير المرجّح أن ينجح أحد في منعهم من السيطرة على ما تبقّى من الضفة بطريقة أو بأخرى. وخلال الفترة ذاتها، أخضعت إسرائيل غزة إلى قمع أقسى بكثير وإلى النموذج الأشدّ وحشية، حتّى اليوم، للسجن المشدّد الحراسة".

يحدثنا الكاتب في الفصل الثاني عشر "نموذج السجن المشدّد الحراسة: قطاع غزة"، عن عملية  بناء مدينة عربية وهمية في صحراء النقب عام 2004، لها حجم مدينة حقيقية وفيها شوارع (أعطيت جميعها أسماء محددة) ومساجد وأبنية عامّة وسيارات، بلغت كلفة هذه المدينة الشبح 45 مليون دولار. وتحولت إلى غزة مزيّفة في شتاء 2006". كان إنشاء المدينة الوهمية "للتحضير للسينايور المتوقع حدوثه في الأحياء المكتظة لمدينة غزة".

يختم بابيه كتابه بالقول: "السجن الكبير والمتوّحش الذي فكرت إسرائيل في إنشائه سنة 1963 وأنجزت بناءه سنة 1967، يبلغ عمره مع نهاية الكتاب خمسين سنة". إن "تفكيك هذا السجن الكبير في فلسطين سوف يبعث برسالة مختلفة، أكثر تفاؤلًا ـ لكل من يعيش في هذا الجزء المضطرب من العالم".

*مؤرخ فلسطيني
التعليقات (0)