كتب

رؤية روسيا بعيون غربية (1 من 3)

هل تجاهل الغرب مصالح روسيا وإمكاناتها في لعب دور في العالم الجديد؟

الغرب لا يريد إدراك حجم التحولات التي حصلت في روسيا خلال العقدين الماضيين
الغرب لا يريد إدراك حجم التحولات التي حصلت في روسيا خلال العقدين الماضيين
الكتاب: هل يجب أن نكره روسيا؟
الكاتب: روبير شارفان
ترجمة د. مروان إسبر
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتب، دمشق 2022
(248 صفحة من القطع الكبير)

تتعرض روسيا اليوم، لا سيما بعد اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية في فبراير 2022، إلى هجمة شرسة إعلامية وسياسية وإيديولوجية من قبل الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مقدمة إياها في تلك الصورة الشيطانية. وأثارت التطورات الأخيرة بشأن إمكانية اللجوء إلى استخدام السلاح النووي التكتيكي من قبل الرئيس فلاديمير بوتين إلى مزيد من التوتير في العلاقات بين روسيا والعالم الغربي، ودخول العالم مرحلة جديدة من الحرب الباردة، وإن كان كثيرون يعتقدون بأنها لن تكون نسخة مماثلة للحرب الباردة التي انطلقت في خمسينيات القرن العشرين، على رغم أنَّ سياسيين روساً وأمريكيين يواصلون استعارة شعارات تلك المرحلة عند الحديث عن الأوضاع الراهنة في العالم والعلاقات بين الدول الكبرى.
 
لقد ترسخت قناعة لدى الرئيس فلاديمير بوتين وقطاع واسع من السياسيين والعسكريين الروس بأنَّ "الغرب لا يريد إدراك حجم التحولات التي حصلت في روسيا خلال العقدين الماضيين ويواصل الإصرار على تجاهل مصالح روسيا وإمكاناتها في لعب دور في العالم الجديد"، بحسب مسؤول في الديوان الرئاسي الروسي، الأمر الذي أسهم في جعل المواجهة الجديدة بين روسيا والغرب مسألة حتمية، لأنَّ المرحلة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي تميزت بتفرد الولايات المتحدة قائدة النظام الدولي أحادي القطبية في توظيف "انتصارها"، شهدت تصاعداً ملحوظاً للتوتر في العالم وميلاً الى استخدام القوة العسكرية في حل المشكلات الإقليمية والدولية، ومواصلة واشنطن  تشكيل محاور معادية لموسكو في الفضاء السوفياتي السابق، وتعزيز طوق عسكري سياسي حول روسيا عبر نصب شبكات رادار ومنظومات صاروخية على الحدود الروسية في دول أوروبا الشرقية.

ويرى الخبراء والمحللون أنَّ العالم يقف في الوقت الحاضر أمام استحقاق جديد لرسم ملامح الخريطة الجيوسياسية الجديدة، وهذا يعني الدخول في المرحلة الجديدة من بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، في ضوء أزمات النظام العالمي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة،ووصول المشروع الغربي إلى مأزقه التاريخي المحتوم.

في هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي: "هل يجب أن نكره روسيا"، الذي يتكون من مقدمة وثلاثة فصول كبيرة، وخاتمة، لمؤلفه روبير شارفان، الكاتب الفرنسي وأستاذ القانون الدولي في جامعة نيس، يتعرض فيه إلى الاستراتيجية التي تقودنا نحو حرب باردة جديدة على المستوى العالمي، ويحلّل في الجزء الأخير من كتابه وبدقة أهداف الولايات المتحدة وطرائقها، بخصوص هذه الحرب الباردة، ومن البديهي أن نتساءل هل ستكون هذه الحرب أشدّ برودة مما هي عليه أم شديدة الوحشية.

تستحق فرضية شارفان التفكير فيها: فوفقاً له إنّ تشويه مقاومة الماضي تهدف إلى إضفاء صورة شيطانية لروسيا اليوم، ربما يقصد مهاجمتها غداً. وهو هجوم قد أُعدّ له، في الواقع، منذ سقوط حائط برلين على الرغم من كل الوعود الرسمية في ذلك الوقت: يجب أن تُفهَم الأحداث في الشرق في هذه السنوات الأخيرة بوصفها تطويقاً منتظماً من خلال شبكة من القواعد العسكرية التي تقترب أكثر فأكثر من موسكو.

هذه الحملة الإعلامية التي تشيطن روسيا تطغى على وسائل الإعلام: من المستحيل فتح جريدة من دون أن نرى كلّ ما هو سيء عند بوتين الذي يقدّم على أنه إنسان متلاعب، غير نزيه، عدواني وتوسعي، إلخ. ولا يمكن على الإطلاق أن نثق به.

صناعة الخوف

في هذا الكتاب يستعرض شارفان الصور النمطية والأحكام المسبقة في أدب الغرب وعلم اجتماعه كليهما بين الماضي والحاضر، ووجد فيها ثابتاً واحداً وهو: "لا يمكن الوثوق بالروس، إنهم لا يشبهوننا". هذه الخطّة الإعلامية لن تعمل بالتأكيد إلا إذا كان القارئ أو المشاهد لا يفكر: لماذا وسائل إعلام أوروبا دائماً على حق؟ لماذا تعرف أوروبا دائماً بشكل أفضل من الروس والصينيين والأمريكيين الجنوبيين ومن العرب وفي الواقع من باقي العالم بأجمعه؟ لماذا نحن المعصومون عن الخطأ الذين يعطون الدروس؟ وبأيّ حظّ عظيم وُلدنا في المكان الجيد كي يكون الحق معنا دائماً؟أو ربما يجب أن نطرح المشكلة بشكل آخر ونحذر بشكل أكبر من الحملة الإعلامية التي تحيط بنا. ألا يمكن للإشاعة أن تكون فقط "عند الآخرين"؟

يقول الكاتب شارفان :"في عام 1988 أثبت هيرمان وتشومسكي في كتابهما المميز (Manufacturing Consent) صناعة القبول، كيف أنّ المنظومة الإعلامية الغربية ـ بشكل واعٍ أو غير واعٍ ـ تصنع رأياً إجماعياً يؤيد على الدوام الخيارات الكبيرة للحكومات. هذا التحليل يمكن ويجب أن يُطبّق على "صناعة الخوف".

أطلق بول هنري سباك (Paul Henri Spaak) (من الحزب الاشتراكي) في أيلول عام 1948، وهو رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي في منظمة الأمم المتحدة في باريس، خطاباً بقي معروفاً باسم "خطاب الخوف":"أساس سياستنا هو الخوف، على البعثة السوفيتية ألاّ تبحث عن تفسيرات معقدة لسياستنا. سأقول لها ما هو أساس سياستنا؟ إنَّه الخوف، الخوف منكم، الخوف من حكومتكم، الخوف من سياستكم".

ويضيف شارفان: "لدينا الحق ألاّ نحب بوتين إذا كنا يساريين، لدينا الحق أن نفكر أنّ النظام الاقتصادي والاجتماعي الموجود في روسيا سوف يولّد مشاكل خطيرة. غير أنّ هذا لا يعطي للغرب الحق في إحداث العديد من الحروب والتدخلات. التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لبلدٍ ما هي شيء، والتناقضات مع الأمم والتناقضات مع الأنظمة المختلفة هي شيء آخر. ولا يتم تسويتها بالطريقة نفسها" (ص12 ـ 13).

رغم أنَّ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يمنعان اللجوء إلى الحرب، ويعتبران أنَّ السياسة الشرعية الوحيدة هي في ترك الشعوب تقرر بنفسها أنظمتها ورؤساءها، وهذه أيضاً القاعدة الوحيدة الممكنة من أجل عالم يسوده السلام،فإنَّ الذي ينتهك ويخرق القانون الدولي هم "الغربيون اللطفاء" وبشكل مستمر، بينما يحترمه "الروس الأشرار".
 
من المفارقة الشديدة أن تطبق وبشكل منتظم وسائل الإعلام الغربية على الأزمات الإقليمية مفهوم المعايير المزدوجة، أو الكيل بمكيالين (مقياسين). على هذا، فإن لكوسوفو الحق في الانفصال، ولا يمكن للقرم أن يكون لها هذا الحق. ويجوز أن نصفق لانقلاب في كييف بينما لا تستطيع المقاطعات الشرقية في أوكرانيا أن ترفض حكومة مليئة بالأشخاص الأنصار للنازية. وأخيراً، إذا قصفت الولايات المتحدة في سورية فإنّ الأمر على ما يرام، بينما إذا قامت روسيا بالشيء نفسه (بناءً على دعوة الحكومة) فإن الأمر سيكون سيئاً. على ماذا يدل هذا النفاق؟

بعد عام 1989 هيمنت على العلاقات الدولية قوة خارقة وحيدة وهي الولايات المتحدة التي تعدُّ نفسها كالبوليس الدولي. ويسمح لها بالتالي أن تحطم كل انتفاضة ديمقراطية أو اجتماعية، وأن تشنّ الحروب أو تقوم بالانقلابات في كل مكان تقريباً في العالم لكي تضع "الحكام الجيدين". في الوقت الحالي هناك حرب تقريباً كل عام إذا عددنا الحروب غير المُعلنة والتي يقوم بها وكلاء واشنطن.

ولكنّ كثيراً من الناس، خارج أوروبا وأحكامها المسبقة، يحكمون بأنه من المفضل أن يكون هناك عالم متعدد الأقطاب، أي أن تكون -وهذا يعني أن تكون القوى العظمى المتنافسة ـ الولايات المتحدة أوروبا ـ روسيا ـ الصين بل حتى بلدان أخرى ـ تقريباً في حالة توازن. وهذا يترك قدراً أكبر من هامش المناورة للأمم الوسطى والصغيرة القلقة على استقلالها وعلى تطورها الذاتي وعلى احترام طبيعتها وعلى العدالة الاجتماعية.

محاولات الغرب تفتيت  الإمبراطورية الروسية 

خلال سنوات الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، قدمت روسيا التي كانت تسمى آنذاك الاتحاد السوفييتي بزعامة الراحل جوزيف ستالين ،22) مليوناً من ضحاياها، لإنقاذ أولاوبا من النازية الهتليرية. ولكن شُرِعَ بكل شيء من أجل "لَيِّ" التاريخ وجعل الناس ينسون هذه الجريمة الجماعية.

"روسيا ليست أوروبا": يتداول هذا القول في الغرب هؤلاء الذين هم أنفسهم قد لا يكون لديهم وجود من دونه. الدول الغربية بمساعدة مؤرخيها ورجال القانون ووسائل إعلامهم، فرضوا سيرة ماضي أوروبا عن باقي العالم على حساب روسيا التي أُبعِدت إلى منطقة ضبابية "أوروبية آسيوية"(أوراسيا). وهم يطالبون باستمرار من روسيا نوعاً من المعاقبة الذاتية لا يطبقونه على أنفسهم: فمتى، على سبيل المثال، أبدت قوى الاستعمار الأوروبي ندمها على ممارساتها بحق إفريقيا؟ ومتى استنكرت فرنسا الرسمية مجزرة كومونة باريس أو أدانت سياسة تعاونها مع النازية؟ ما المناسبة التي تشترط فيها أوروبا، في مفاوضاتها من أجل الدخول في سوق أوروبية أطلسية، التزامها بإدانة إبادة الهنود الحمر التي قامت عليها حضارة أمريكا العظيمة.

يقول شارفان:"في الواقع، إنّ المطلوب من روسيا ألا تكون روسيةَ وأن تُظهِر الندامة. هذا التلاعب التمييزي للتاريخ ليس فقط ظاهرة معاصرة، إنَّه يندرج ضمن استمرارية للعجرفة المحتقرة. وروسيا قد تكون قد عرفت "دخولاً متأخّراً في التاريخ"، وقد تكون إرادتها في الاستقلال حالة خاصة، ورفضها للتبعية هو رفض للحضارة الأوروبية. لم يكن هناك عبر القرون أيّ تساهل مع روسيا من قِبل الغرب إلا عندما تُحتَرم المصالح الاستراتيجية للقوى الغربية العظمى (كما هو الحال في الحرب العالمية الثانية) أو عندما تكون ضعيفة (وقد لوحظ ذلك خلال سنوات 1990)."الاهتمام الرئيسي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة هو في الحفاظ على حالة تصدع الاتحاد السوفييتي السابق والزيادة فيه إن أمكن"(ص 18).

في أحد المؤلفات المثيرة للجدل لأحد الصحفيين الفرنسيين في مواقفه التقليدية ضد الروس، يعجب من أنّ الرئيس فلاديمير بوتين تجرّأ على الابتعاد عن المواقف الأمريكية خلال اغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، ذاكراً بلد ا لجبال الصغير المتعذّر تقسيمه، أي بلد الشيشان، ومعبّراً بكل تسامح وتساهل عن "سنوات يلتسين" "الفوضوية بالكامل".

منذ نهاية الاتحاد السوفييتي، تنوي الولايات المتحدة، «بعيداً عن البحث عن إدارة ديمقراطية في كوكب الأرض» كما يشير إلى ذلك السيد (P.M. de la Gorce) وهو أحد الصحفيين الفرنسيين الأكثر شهرة ومدير مجلة "الدفاع الوطني"، "أن تُلزم أصدقاءها وخصومها بالعودة إلى الصواب". ويظهر ذلك العديد من الوثائق التي تبيّن ذلك الطموح. هناك وثيقتان صادرتان عن البنتاغون (تقرير وولفويتز /Wolfowitz/  وتقرير الأميرال جيرميا وهو معاون كولن بأول)، تتناولان التوجهات السياسية الخارجية الأمريكية في فترة الحرب الباردة. الهدف الأساسي هو في تأكيد الحفاظ على وضع الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة بعد انهيار المعسكر السوفييتي السابق. وضع الهيمنة هذا يجب أن يُحافظَ عليه ضدّ كل محاولة تتعرض له من خلال بروز مراكز قوى كبرى. ففي كل مكان حيث الوضع المتفوق للولايات المتحدة يمكن أن يكون موضع اتهام يكون للحضور العسكري الأمريكي أهمية كبرى جداً. ويذكر تقرير وولفويتز بطريقة واضحة جداً "مخاطر عودة التيار القومي إلى روسيا على أوروبا أو مخاطر محاولة ربط روسيا من جديد بالدول التي استقلت عن روسيا مثل أوكرانيا بيلاروسيا وغيرها".

إنّ الاهتمام الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية هو في الحفاظ على تصدّع الاتحاد السوفييتي السابق والزيادة فيه إن أمكن والحيلولة بأي حال من الأحوال دون أية إعادة لتكوين قوة كبرى في روسيا أو حولها. من بين الأمور التي يرتبط بها تقرير جيريميا هو احتمال نشوب صراع حول دول البلطيق. ففي المجال النووي سيكون من المناسب للولايات المتحدة الاستمرار في توجيه جزء من الترسانة الأمريكية ضد تشكيلات الترسانة السوفييتية القديمة "لأنّ روسيا تبقى القوة العظمى الوحيدة في العالم التي يمكن أن تدمّر الولايات المتحدة".

النقاش (0)