الثروة في باطن الأرض والفقر فوقها.. سؤال التنمية المفقود في تونس

لم يعد خافياً اليوم ما مدى نفوذ شركة مثل شركة "بريتش بتروليوم" التي تعمل في تونس في حقول النفط والغاز منذ نحو 35 عاماً.
لم يعد خافياً اليوم ما مدى نفوذ شركة مثل شركة "بريتش بتروليوم" التي تعمل في تونس في حقول النفط والغاز منذ نحو 35 عاماً.
شارك الخبر
الكتاب: المعادلة التونسية -كيف نصنع المستقبل؟ رؤية متكاملة 20/2030
الكاتب: الصافي سعيد
الناشر: سوتيميديا للنشر والتوزيع، تونس ، الطبعة الأولى 2019
(عدد الصفحات 513 من القطع الكبير)


في الجزء الثاني من هذه القراءة الخاصة التي يكتبها خصيصاً لـ"عربي21"، يواصل الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني تفكيك أطروحات كتاب الصافي سعيد "المعادلة التونسية ـ كيف نصنع المستقبل؟ رؤية متكاملة 20/2030"، من خلال التوقف عند أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المسألة التونسية: كيف يمكن لبلد يمتلك هذا القدر من الإمكانات الطبيعية والبشرية أن يظل أسير اقتصاد هش، وتنمية غير متوازنة، وتهميش اجتماعي ومجالي متواصل؟

ويكشف المديني، من خلال قراءة الأرقام والمعطيات التي يستند إليها الصافي سعيد، عن مفارقة تبدو عصية على الفهم للوهلة الأولى: تونس لا تعاني فقط من ندرة الموارد، بل من سوء إدارة مواردها ومن ضعف قدرتها على تحويل الثروة إلى قيمة مضافة وإلى رفاه اجتماعي وتنمية مستدامة. فالسياحة، التي جرى تقديمها طويلاً باعتبارها إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، تكشف أرقامها عن نموذج يقوم على كثرة الوافدين وضعف الإنفاق، بينما تكشف الثروات المنجمية والطاقة، من الفوسفاط والملح إلى النفط والغاز، عن اختلالات أعمق تتصل بالشفافية والعقود والسيادة الاقتصادية والقدرة التفاوضية للدولة.

لكن المسألة، في جوهرها، لا تتوقف عند حدود الفساد أو سوء التصرف في قطاع بعينه. فخلف هذه الوقائع الاقتصادية تبرز قضية سياسية واجتماعية أعمق: لماذا ظلت المناطق الأكثر ثراء بالموارد الطبيعية هي نفسها من أكثر مناطق تونس تهميشاً وحرماناً؟ وكيف يمكن بناء منوال تنمية جديد من دون معالجة جذور ما يسميه المديني بـ«الاستعمار الداخلي»، وما يرتبط به من تفاوت جهوي وتهميش تاريخي وعلاقة غير متوازنة بين المركز والأطراف؟

من هنا، تتحول قراءة "المعادلة التونسية" من مجرد مساءلة لأرقام السياحة أو الفوسفاط أو النفط إلى مساءلة للنموذج التنموي برمته: نموذج يستهلك الموارد أكثر مما يصنع الثروة، ويستنزف الجغرافيا المهمشة أكثر مما يدمجها، ويجعل من الثروات الوطنية موضوعاً للصراع والتنافس بدل أن يحولها إلى قاعدة لبناء مستقبل مختلف.

وفي هذا الجزء، يتتبع المديني هذه المفارقات، واضعاً ثروات تونس الطبيعية والقطاعات الاقتصادية الأساسية تحت مجهر النقد، وصولاً إلى السؤال الأكثر حساسية: هل تكمن أزمة تونس في نقص الثروة، أم في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل الثروة إلى تنمية وعدالة وسيادة؟

السياحة في تونس أرقام دالة

الأرقام تقول: أن السياحة كإستراتيجية تنمية هي إحدى الأكاذيب الكبرى في تونس. ذلك أن هذا القطاع قد يكون رافعة للتنمية لكنه ليس بإمكانه أن يكون صانعاً للتنمية حتى في البلدان الأكثر قدرة على المنافسة والأكثر استقبالاً للسياح. فهو لا يشكل مثلاً في فرنسا وهي اكبر دول المتوسط استقبالاً للسياحة أكثر من 1% من الدخل القومي. كما أنه لا يساهم في إسبانيا أو إيطاليا بأكثر من 2.5. وحين نأتي للطبقة الوسطى من بلدان المتوسط استقبالاً للسياح كاليونان وتركيا وقبرص، فإن قطاع السياحة لا يزيد عن 4 أو 5 من الدخل القومي. ونأتي للطبقة الثالثة من بلدان المتوسط مثل المغرب ومصر ولبنان وسوريا فنجد أن الأرقام إما أنها متباعدة وإما أنها غير شفافة، وكمثال بينما تشير أرقام السياحة في مصر أن مداخيلها السنوية تساهم بنحو 10% من الدخل القومي نجد أن مداخيل السياحة في تونس تساهم بنحو 15% أو 20% من الدخل القومي..

في الجانب الآخر من الصورة نجد أن السائح القادم إلى تونس هو -أرخص- سائح في بلدان المتوسط. فإقامته الكاملة لليلة واحدة لا تزيد عن 10 دولار بينما تبلغ أرقام السائح في تركيا لليلة واحدة نحو 35 دولار، وفي المغرب نحو 25 دولار. أما في إسبانيا فتبلغ تكلفة الإقامة لليلة واحدة نحو 45 دولار، مما يعني أن كل 3 سياح ونصف يدفعون ما يدفعه سائح واحد في تركيا. وكل سائحين ونصف يدفعون ما يدفعه سائح واحد في المغرب، الأمر الذي يفسر لنا كيف أن عدد السياح القادمين لتونس هم في الغالب العام أكثر عدداً من سياح مالطة مثلاً ومع ذلك فإن دخولات مالطة هي أرفع بكثير من دخولات تونس كلفة الليلة في مالطة نحو 35 دولار، وفي العام 2013 بينما بلغت مداخيل تونس من السياحة حوالي ملياري دولار ارتفعت مداخيل المغرب إلى نحو 7.5 مليار دولار ومداخيل مالطة إلى نحو 6 مليار دولار مالطة جزيرة بمساحة أقل من جزيرة جربة..

تونس بلد زراعي بامتياز، لكن لديها ثروات طبيعية في باطن أرضها لا سيما الفوسفات، إذْ تُعَدُّ تونس سادس منتج للفوسفاط في العالم :60مليون طن سنوياً عالمياً. وتبيع تونس سنوياً بما قيمته نحو ملياري دولار بحساب عام 2010 إذ بلغ الإنتاج إلى نحو 5 ملايين طن، غير أن تلك المبيعات قد انخفضت إلى أكثر من النصف ما بين 2011 و2012 ثم عادت لترتفع تدريجياً دون أن تبلغ مستواها قبل الثورة ويعتبر قطاع الفسفاط المورد الأول للعملات الصعبة والمشغل الأول لليد العاملة فيما يتعلق بالقطاعات المنجمية ما بين 13 و15 ألف..
بلغت مداخيل السياحة في تونس لعام 2010 نحو 3,5 مليار ونصف المليار دينار حوالي 2.2 مليار دولار حسب أسعار الصرف آنذاك أما في العام 2013 فقد بلغت نحو 3,250 - ثلاثة مليار وربع دينار أي 2 مليار دولار. الانخفاض كان في حدود ربع مليار دينار فقط.

وما يدهش فعلاً أن عدد الوافدين في العام 2010 6,8 مليون لا يرتفع كثيراً عن مثيله في العام 2013 ونستنتج من ذلك أن الوضع السياسي الذي تعيشه البلاد التونسية لم يكن مؤثراً على حركة السياح، وإنما عدم تطوير هذا القطاع هو السبب الأول في عدم زيادة المداخيل. وبهذا الحساب فإن السائح القادم إلى تونس يدفع حوالي 500 دينار أقل من 220 يورو لكي يتمتع بإقامة كاملة لمدة ما بين 8 و15 يوما فـ 3,250 مليار حين نقسمها على 6.2 مليون سائح، نجد التكلفة نحو 500 دينار... حوالي 150 دولار حسب اسعار الصرف لعام 2019.

إن السياحة التونسية علاوة على كونها هشة ومتخلفة، فهي بؤرة كبيرة للفساد وتهريب الأموال وتبييضها. فكم من فندق لم يعد قادراً على العمل؟ وكم من مؤسسة سياحية لم تعد قادرة على تسديد ديونها؟ وكم من مليارات استثمرتها الدولة التونسية في قطاع السياحة؟ وكم من أموال أنفقت في سنوات الـ90 دون أن يعرف أحد مصدرها؟ وهل ثمة دراسة أو حتى نية لتطوير هذا القطاع؟ وإلى متى سنظل نبيع الطقس والشمس ورمال البحر إلى الأجانب. وإلى متى سيظل السائح المتجه إلى تونس هو أرخص السياح وأقلهم إنفاقاً؟ ثم هل تتعادل قيمة ما ندفعه ونستثمره وننفقه في قطاع السياحة مياه، أراض، غذاء، أموال مع ما نجنيه في كل عام من هذا القطاع. وأخيراً إلى متى نظل نشغل أنفسنا بخلق مواطن شغل هي إما مؤقتة، وإما هي غير منتجة. فالنادل في أي مقهى أو نزل يكاد لا ينتج شيئاً طوال يومه، وإنما هو يقوم بخدمة غيره على نحو مكرر..

تعرض ثروات تونس الطبيعية للنهب التاريخي والاحتيال

تونس بلد زراعي بامتياز، لكن لديها ثروات طبيعية في باطن أرضها لا سيما الفوسفات، إذْ تُعَدُّ تونس سادس منتج للفوسفاط في العالم :60مليون طن سنوياً عالمياً. وتبيع تونس سنوياً بما قيمته نحو ملياري دولار بحساب عام 2010 إذ بلغ الإنتاج إلى نحو 5 ملايين طن، غير أن تلك المبيعات قد انخفضت إلى أكثر من النصف ما بين 2011 و2012 ثم عادت لترتفع تدريجياً دون أن تبلغ مستواها قبل الثورة ويعتبر قطاع الفسفاط المورد الأول للعملات الصعبة والمشغل الأول لليد العاملة فيما يتعلق بالقطاعات المنجمية ما بين 13 و15 ألف..

 غير أن هذه الثروة الكبيرة كثيراً ما تعرضت للهدر والفساد وكثرة الإضرابات الأمر الذي جعلها باستمرار بؤرة للخصومات واللا استقرار والانتفاضات، لم تعرف حكومات ما بعد الثورة كيف تضع حلولاً عادلة لتلك الإشكالات ولا برنامج إصلاح وتأهيل وإعادة اعتبار لتلك الثروة، فأسعار المبيعات التونسية لا تزال متدنية بالمقارنة مع مثيلاتها في المغرب أو الأردن وعقود المبيعات معتم عليها بعناية، وهي لا تعقد في أغلبها مباشرة مع الحكومة أو الشركة المنتجة الأم وإنما عبر وسطاء آخرين. كما أن أسواق هذه المبيعات غير مؤمنة لا عن طريق الالتزام الثنائي ولا حتى بالنسبة لتدفق المنتجات بالإضافة إلى ذلك فإن ما تجمعه الحكومة التونسية من مبيعات قد لا يفي في خلال السنوات التي أعقبت الثورة بتغطية كلفة الإنتاج والاستخراج.

يقول الكاتب الصافي سعيد في معرض استعراضة لهذه الثروة المنهوية في الفصل السابع و العشرين:"إن الفوسفاط ثروة ولكنه لا يزال بعد أكثر من قرن ثروة مهملة وغير مكيفة مع الأسواق العالمية وغير مؤهلة للتطور في ظل عجز الحكومة وغضب الأهالي والمنتجين ولو قارنا حجم المبيعات بكلفة الإنتاج آلات + عمال + بيئة لوجدنا أن قطاع الفوسفاط قد تحول إلى عبء على كل طرف وخاصة على الحكومة. ومن أجل أن يصبح هذا القطاع أكثر مردودية لا بد لأية حكومة أن تتصدى لكل المشاكل وتتخذ القرارات الأكثر جرأة للدفع بهذا القطاع المنجمي..

إن مخزون الثروة سيظل متدفقا على نفس الوتيرة لأكثر من قرن آخر حسب الاستطلاعات والاستقراءات الحالية، كما أن اكتشافات أخرى قد بدأت تتأكد في أقاليم أخرى من الجمهورية بالإضافة إلى أن حاجة السوق الدولية ما انفكت تتزايد فللفوسفاط وعليه فإنه من الممكن للحكومة التونسية أن تضاعف من مبيعاتها وإنتاجها وتعدل من أسعارها وتبعد كل الوسطاء والطفيليين عن أسواقها. وهذا كله من شأنه أن يجلب الخزينة التونسية ضعف ما تحصل عليه الآن... وسوف يظل قطاع الفوسفاط واعداً إذا ما اختارت الحكومة التونسية الشفافية وإعادة التأهيل وإدماج كل المنتجين في برنامج التنموي كبير تعود فوائده على الجميع وفي مقدمتهم أهالي المنطقة. أما إذا استمر التلكؤ والتعتيم والتجاهل، فإنه من المحتمل أن تتحول تلك الثروة إلى نكبة على الحكومة وسكان المنطقة والبيئة. إن أية ثروة قد تتحول إلى مصدر الإنتاج الخصومات والعنف إذا لم تجد من يحصنها ويرفع من قيمتها ويحولها إلى مصدر للرفاه.

وتبرز المفارقة هنا في أن أكثر الأقاليم حرماناً وتخلفاً هي الأقاليم الأكثر ثراء من حيث الموارد الطبيعية. فمناجم الفوسفاط ومناجم الملح والغاز والنفط وكذلك الشموس والرياح لتوليد الطاقة النظيفة كلها تقع في الأقاليم الجنوبية من الأراضي التونسية الأكثر حاجة وحرماناً. وتشير آخر التقارير العلمية الصادرة عن مراكز البحث الأوروبية أن الصحراء التونسية (ثلث المساحة العامة) تعتبر من أفضل المواقع لإنتاج الطاقة الشمسية خاصة لقربها من أوروبا. وقد تعاقدت الجزائر في العام 2010 مع ألمانيا لإنتاج مثل هذه الطاقة بدءاً من العام 2015، غير أن تونس لم تهتم بتلك الطاقة المهملة. رغم أن عراقيل كثيرة قد اعترضت المشروع الألماني/ الجزائري (إذ تراجعت الجزائر بسبب التقدير في الأسعار) إلا أن تونس لم تتحرك حتى الآن بشكل جدي لاستكشاف آفاق ذلك المخزون الاستراتيجي. إن شمس الصحراء التونسية بإمكانها أن تستطع على أوروبا على نحو دائم لتوفر للخزينة التونسية مداخيل خيالية تقدر بأكثر من 20 مليار دولار في السنوات العشر الأولى ثم ترتفع إلى نحو 50 مليار دولار في كل عشر سنوات. وهذه المبالغ تعادل مداخيل الفوسفاط والنفط والغاز والحديد مجتمعة بالأسعار الحالية(ص 352).

ثروة الملح

ليست ثروة الفوسفاط وحدها الثروة المنهوبة منذ عهد الاستعمار، بل هناك ثروة أخرى ، إلى جانب الفوسفاط والمياه الجوفية والطاقة الشمسية، ثمة مخزون من الملح يحتاج إلى إعادة تشريع وتشريح.

هذا ما يستعرضه الكاتب الصافي سعيد في نفس الفصل، حين يقول :إن تونس تعتبر مصدرًا كبيرًا لإنتاج ما يطلق عليه "بالذهب الأبيض". فالملح موجود وبكثرة في الشمال والوسط والجنوب الشرقي والغربي، وهو مادة مطلوبة في الأسواق العالمية لاستعمالها في الطعام والأدوية وإذابة الثلوج وبعض الصناعات الأخرى. وقد تبالغ بعض الدراسات في قيمة هذه المادة التي ما انفكت تتراجع بسبب كثرتها في مناطق عديدة من العالم. ولكن المخزون التونسي القريب من أوروبا والذي يعتبر من المواد الإستراتيجية لايزال غير مؤمم حسب كراسات الشروط والتشريعات التي تعود إلى ما قبل الاستقلال. فالشركات المستغلة لهذه المادة أجنبية ولا تملك الدولة التونسية فيها الحصة الكافية لجعلها صاحبة السيادة. وبمقتضى اتفاقية تعود إلى العام 1949 لا تزال الشركات الفرنسية صاحبة اليد الطولى على مناجم الذهب الأبيض.

وحسب تقديرات الخبراء ومن بينهم مسؤولون حكوميون فإن الحكومة التونسية تخسر ومنذ عقود ما قيمته 700 مليون دولار سنويا ثلث مداخيل الفوسفاط وتعتبر الشركة العامة للملاحات التونسية المتهم الأساسي في نهب هذه الثروة إذ تتستر على هذا الملف بالاشتراك مع شركات أجنبية مثل "كوتزال" الفرنسية منذ الإدارة الاستعمارية. و"تونسيال" التي يملكها شريكان إيطالي ونرويجي. وتعمل هذه الشركات في مناطق كثيرة قرب البحر والسباخ وبن قردان وشط الجريد وهي مختصة في الإنتاج والتعليب والتسويق الغذائي والصناعي والبيئي تشتري أوروبا سنويا ما يعادل 40 مليون كيس من فضلات الملح لتذويب الثلوج. ويبلغ سعر الكيس الواحد نحو 16 دولار - أي ما مجموعه نحو 650 مليون دولار.

ورغم أن المسؤولين في شركة كوتزال يتكتمون على أرقام الإنتاج والمعاملات وينفون تلك الأهمية المبالغ فيها لهذه المادة ويقولون أن الملح موجود بكثرة في العالم، إلا أنهم لا ينفون استحواذ الشركات الأجنبية على هذه الثروة الوطنية. كما تعترف الحكومة التونسية بضرورة تحيين كراسات الشروط او اعادة التعاقد وفق شروط جديدة لإنتاج هذه المادة تحت السيطرة الوطنية. وهذا ما لن يتم قبل 2029 حيث قامت حكومة جمعة المؤقتة بتجديد العقد القديم ومدته 15 عاماً قابلة للتجديد إلا إذا أعربت الحكومة عن وقف التعاقد قبل عشر سنوات من تاريخ انتهاء التعاقد القديم الامر الذي قام به رئيس الحكومة الحالي الشاهد في العام 2017 حين أرسل إلى شركة توتزال الفرنسية تنبيها يفيد بوقف التعاقد القديم في العام 2029 وسواء تمت المبالغة في تقدير هذه المادة الملح وحجمها أو لم تتم، فإن سبب كل ذلك هو الغموض والتكتم والفساد وعدم السيطرة الذي ينسحب على قطاعات أخرى مثل النفط والغاز(ص 353)

الثروة النفطية خاضعة لتهب الشركات البترولية الأجنبية

من الصعب الاعتماد على بيانات المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية. ولو صدقنا رقم الإنتاج اليومي الذي يظهر في مواقع الانترنت، فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل: كم تبلغ مبيعات تونس يوميا بحساب البراميل المنتجة 95 ألف برميل يومياً؟

في أقل التقديرات بأسعار العام 2017 و2018، فإن هذه المبيعات من المفترض أن تبلغ نحو 3 مليار ونصف المليار دولار في أقل التقديرات حوالي 5 مليار دينار غير أن البنك المركزي لا يعترف أبدا بمثل تلك الأرقام. هل ثمة مغالطة في حجم الإنتاج؟ هل ثمة تلاعب في الفوترة؟ أم أن النفط التونسي غير مؤمم ويخضع للشركات الأجنبية إنتاجا وتسويقا وتصنيعا؟ (لا يعود للدولة التونسية أكثر من 20% من سعر كل برميل).

يقول الكاتب الصافي سعيد:"إن العقود المبرمة بين الشركات الأجنبية سواء للاستكشاف أو للتنقيب أو للإنتاج لا تعرض أبداً على مجلس النواب لا سابقاً ولا حالياً. وحتى العقود المبرمة في السنوات الأخيرة لم تعرض ولم تناقش في لا المجلس التأسيسي ولا في مجلس نواب الشعب. فهي من اختصاص وزارة الصناعة والشركاء الأجانب الذين يفرضون شروطاً تصل إلى حد عدم الكشف عن محتوى هذه العقود. وما يمكن أن يلاحظه أي مراقب، ذلك الإصرار على التعتيم والاكتفاء بالإشارة إلى أن حصص الإنتاج سيتم تقاسمها بين الشركة الأجنبية والمؤسسة التونسية... فعلى أي أساس يتم تقاسم الحصص؟ وبالتحديد ما هي حصص المؤسسة التونسية من كل عملية إنتاج؟ ولماذا تقبل تونس بمثل هذه المشاركة المغشوشة، وهي تحتاج إلى كل قطرة نفط؟!

الأجوبة تكاد تكون غائبة لأن لا أحد ينطق بها. فقانون الصمت في تونس يبدو ضارباً في القدم ويعود إلى السنوات الأولى من الاستقلال. فقد عاشت تونس إلى حدود العام 92 على مجلة محروقات قديمة لا تحفظ حق التونسيين في ثروتهم. وحين تم تنقيحها خضعت المزايدات وصراعات خفية لم يكن للحكومة التونسية أية قدرة على مواجهتها الأسباب تتعلق بالفساد والارتباط والخضوع لإرادة الشركات الكبرى(ص 354).

يقدر خبراء الطاقة في تونس المخزون الوطني من النفط الخام والقابل للاستخراج حالياً بحوالي 450 مليون برميل. وهذا الرقم قابل للارتفاع ليصل إلى احتياطي مستكشف وقابل للاستخراج يقدر بنحو 600 مليون برميل أي بمعدل 30 مليون برميل سنوياً على مدى عقدين 20 عاما أي وبأسعار اليوم ما يعادل 3 مليارات من الدولارات سنويا. وهي ضعف فاتورة النفط التونسية سنوياً.
ويقدر خبراء الطاقة في تونس المخزون الوطني من النفط الخام والقابل للاستخراج حالياً بحوالي 450 مليون برميل. وهذا الرقم قابل للارتفاع ليصل إلى احتياطي مستكشف وقابل للاستخراج يقدر بنحو 600 مليون برميل أي بمعدل 30 مليون برميل سنوياً على مدى عقدين 20 عاما أي وبأسعار اليوم ما يعادل 3 مليارات من الدولارات سنويا. وهي ضعف فاتورة النفط التونسية سنوياً. ولو أن الحكومة التونسية باتت قادرة على امتلاك ثرواتها بلا منازع وبلا شركاء، فإنها ستوفر فاتورة نفطها كاملة مع مداخيل إضافية تصل إلى حدود الملياري دولار سنوياً بحساب ارتفاع الأسعار للعقدين المقبلين من المحتمل أن يصل سعر برميل النفط إلى حدود 120 دولار كمتوسط للعقد المقبل.

وتأتي تونس حالياً في المرتبة 55 عالمياً من حيث الإنتاج بواقع 95 ألف برميل يومياً. وتقوم بهذا الإنتاج نحو ست شركات عالمية كبرى على رأسها "بريتش بتروليوم" البريطانية فيما تتوزع حالياً نحو 50 شركة أجنبية للاستكشاف والتنقيب. ويوجد من بين هذه الشركات الكثيرة، شركات صورية تعمل في الوساطة وبيع الحقول في مرحلة الاستكشاف أو عند بدء التنقيب. كما أن عدداً من هذه الشركات غير قادرة أساساً على الاستثمار الكبير في البحث والتنقيب.

ومن هنا غالباً ما تقع مضاربات تذهب بحقوق التونسيين في ثروتهم أو تطمس بعض آبارهم بدعوى أنها غير مربحة ليقع بيعها لاحقاً لشركات أخرى كبرى. ويبدو أن مرد ذلك كله هو فساد الإدارة التونسية وضعف الإرادة السياسية وعدم الاهتمام بالثروات الوطنية. ورغم ذلك فإن آخر تقارير الأوبيك تشير إلى أنه من المحتمل أن تصبح تونس عضواً من أعضاء الأوبيك المنظمة المصدرة بواقع نصف مليون برميل يومياً. ما يعادل من المبيعات سنوياً نحو 18 مليار دولار، أي مرة ونصف حجم الميزانية الحالية لعام 2019.

ويختم الصافي سعيد هذ الفصل بالقول: إن الهدر الذي ألحق بهذه الثروة الوطنية يعود كله إلى مبدأ نهب الثروات الذي يحكم سياسات الشركات والدول الأجنبية. وفيما استطاعت دول كثيرة أن تقوم بتأميم وتحصين ثرواتها. وقد خاضت حروباً وصراعات شرسة من أجل استرداد حقوقها، استسلمت تونس للنهب المنظم تحت قانون الخوف تارة وتحت قانون الابتزاز تارة أخرى. ولم يعد خافياً اليوم ما مدى نفوذ شركة مثل شركة "بريتش بتروليوم" التي تعمل في تونس في حقول النفط والغاز منذ نحو 35 عاماً. وقد فاحت بعض الفضائح مؤخراً حين تحدثت بعض التقارير عن منح هذه الشركات مساعدات مالية لرجال سياسيين جدد في تونس بعد الثورة، وذلك حفاظاً على العلاقات الخاصة التي تربطها بتونس.

ولا يزال من الصعب تأكيد مثل تلك التقارير، ولكن أعضاء من المجلس التأسيسي في العام 2012 قد أثاروا الشبهات حول تلك الشركة. ولا شك أن شركات أخرى مثل توتال الفرنسية وشال الهولندية واينا الإيطالية تشارك في صناعة ـ الفقر والفساد ـ في تونس، ولكن ثورة لاسترجاع تلك الثروة الوطنية تحتاج إلى إرادة سياسية لا تزال غير متوفرة. فالاتهامات الأخيرة قد طالت رئيس الحكومة التونسية السابق  مهدي جمعة الذي حشر اسمه في صفقات مشبوهة مع شركات تنقيب نفطية تونسية و أجنبية.إن الدولة التونسية لا تكاد تحصل على أكثر من 20% من كل عملية إنتاج ،  وهو أقل مستوى من السيطرة و الفائدة في جميع أنحاء العالم، ولو أن النفط أو الغاز قد ظل في باطن الأرض ، فإن مستقبل الأجيال التونسية سيكون محصنًا أكثر مما هو عليه الآن.(ص 356).

لم يعالج كتاب الصافي سعيد في نطاق طرحه مستقبليات تونس لعام 2030، معضلة التهميش و الاستعمار الداخلي، وهما أهم معضلتين يعاني منهما المجتمع التونسي، و لا سيبل لبلورة منوال تنمية جديد من دون تقيم إجابات عقلانية وموضوعية لحلهما.

إقرأ: من ثورة الكرامة إلى معركة التنمية.. هل آن أوان تغيير المنوال التونسي؟ كتاب
التعليقات (0)

خبر عاجل