من تفكيك الاستشراق إلى مساءلة ما بعد الكولونيالية.. قراءة في كتاب

يناقش هذا الجزء كيف تحوّل نقد الاستشراق من كونه تفكيكاً لخطاب الهيمنة الغربية إلى مشروع أوسع يسائل بنية المعرفة ذاتها..
يناقش هذا الجزء كيف تحوّل نقد الاستشراق من كونه تفكيكاً لخطاب الهيمنة الغربية إلى مشروع أوسع يسائل بنية المعرفة ذاتها..
شارك الخبر
الكتاب: من كتاب "الاستشراق" إلى ما بعد-الكولونيالية-لعبة القراءة ما بين "المعرفة المبهمة "و"العلمية المنحولة"
الكاتب:نجيب جورج عوض
الناشر:مؤمنون بلا حدود للنشر و التوزيع، لبنان بيروت، و الإمارات  العربية المتحدة-الشارقة، الطبعة الأولى 2025، (عدد الصفحات 384 من القطع الكبير).


في هذا الجزء الثاني من القراءة الخاصة التي يكتبها الباحث والكاتب التونسي توفيق المديني لـصحيفة "عربي21" حول كتاب "من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية: لعبة القراءة ما بين المعرفة المبهمة والعلمية المنحولة" للباحث نجيب جورج عوض، تتواصل مساءلة الأسس المعرفية والفكرية التي حكمت تشكّل خطاب الاستشراق وتحوّلاته داخل فضاء النقد ما بعد الكولونيالي. فهذه القراءة لا تكتفي بتتبع إرث كتاب الاستشراق لـإدوارد سعيد، بل تنفذ إلى طبقات أعمق من الجدل النظري الذي نشأ حوله، من خلال استعراض الاعتراضات والتوسعات التي قدّمها مفكرون مثل وائل حلاق وطلال أسد وغياتري سبيفاك.

يناقش هذا الجزء كيف تحوّل نقد الاستشراق من كونه تفكيكاً لخطاب الهيمنة الغربية إلى مشروع أوسع يسائل بنية المعرفة ذاتها، وآليات إنتاج الحقيقة، والعلاقة المركبة بين السلطة والثقافة والتاريخ. كما يتوقف عند الجدل بين النقد السعيدي ومراجعاته اللاحقة، التي حاولت تجاوز حدود القراءة الأولى للاستشراق نحو مساءلة أشمل للحداثة الغربية، وللخطابات التي تدّعي التحرر فيما قد تُعيد إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة.

وفي هذا السياق، يضيء النص على التأسيس النظري لبراديغم ما بعد الكولونيالية، بوصفه حقلاً نقدياً متعدداً لا يقتصر على مقاومة الاستعمار التاريخي، بل يمتد إلى تفكيك بقاياه المعرفية والثقافية والسياسية في عالم ما بعد الإمبراطوريات.

نقد إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق الاستعمار الغربي

انْتَقَدَ إدوارد سعيد في كتابهِ الأضخم الاستشراق( الذي ربط اسمه بحقل من الدراسات الثقافيّة المهتمّ بدراسة الاستشراق والاستعمار ونقد الحداثة، والذي ما زالت بصمته عليها حتى الآن)، الخطابَ الغربيَّ عن العالمِ الإسلاميِّ والمرحلةِ الاستعماريةِ الأوروبيةِ لدُوَلِ العالم الثالثِ منذُ بداياتِ القرنِ الثامنِ عشر حتى منتصف القرن العشرين، كما انْتَقَدَ المرحلةَ الجديدةَ مِنَ الْهَيْمَنَةِ الْغَرْبِيَةِ على دُوًلِ الْعَالمِ، والتَحَكُمَّ في مُقَدِّرَاتِ الشُعوُبِ وثَرَوَاتِهَا، وفرضِ النمطِ الثقافيِّ الغربيٍّ عليها؛ وبالرغم من أَنَّ فِكْرَ ما بعد الكولونيالية كان سائدًا في الجامعاتِ الغربيةِ إلا إنَّ كتاباتَ إدوارد سعيد أسْهَمَتْ في رفدهِ بمفاهيمٍ وتحليلاتٍ جديدةٍ مَكَّنَتْ من فهم أعمقٍ للظاهرةِ الاستعماريةِ وتمظهراتها المختلفةِ، حيث اندمجتْ كتابات سعيد مع التصوراتِ السابقة لفِكْرِ مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ لتشَكِّلَ نظريةً نقدية ًللظاهرةِ الْكُولُونْيَالِيَةِ ومحاولة إرساءِ رؤيةٍ جديدةِ لفضاءٍ ثقافيٍّ تَعَدُدِيٍّ يَسْتَوْعِبُ جميع الثقافاتِ دون التركيزِ على ثقافةٍ مركزيةٍ مُحَدٍّدَةٍ.

 حيث يقول إدوار سعيد : لقد وَجَدْتُ اسْتِخْدَامَ مَفْهُومَ ميشيل فوكو للخطاب، كما يصفه في كتابيه "حفريات المعرفة والمراقبة والعقاب" ذا فائدةٍ هنا لتحديدِ هويةِ الاسْتِشْرَاقِ وما أَطْرَحُهُ هنا هو أنَّنَا ما لم نكتنه الاستشراق بوصفه خطابًا، فلن يكون في وسعنا أبدًا أنْ نفهم الفرع المنظم تنظيمًا عاليًا الذي استطاعتْ الثقافةُ الغربيةُ عن طريقه أنْ تَتَدَبَّرَ الشرق ـ بل حتى إنْ تُنْتِجَهُ ـ سِيَاسِيًا واجتماعيًا وعسكريًا، وعقائديًا وتخييليًا، في مرحلة ما بعد عصر التنوير،وعلاوة على ذلك؛ فقد احتل الاسْتِشْرَاقُ مَرْكزًا من السيادة بحيث إنَّنِي أُؤْمِنُ بأنَّه ليس في وسع إنسانٍ يكتبُ عن الشرقِ، أو يُفَكِّرُ فيه، أَوْ يُمَارِسُ فِعْلاً متعلقًا به أنْ يقوم بذلك دُونَ أنْ يأْخُذَ بعين الاعتبارِ الحدود المعوقة التي فرَضَها الاستشراق على الفكر، والفعل ولا يعني هذا أنَّ الاستشراقَ بمفردهِ، يُقَرِّرُ ويُحَتِّمُ مَا يُمْكِنُ أنْ يقال عن الشرق، بل إنَّه يُشَكِّلُ شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورةٍ لا مَفَرَّ منها في كل مناسبةٍ يكون فيها ذلك الكيان العجيب "الشرق "موضعًا للنقاش".

لقد تأَثَّرَ إدوارد سعيد بمنهجية ميشيل فوكو (1926م - 1984م) في دراسة العلاقة بين الخطاب والسلطة ،وفلسفة جاك ديريدا (1930م - 2004م) التفكيكية من أجل الكشف عن التمركزات في الثقافة الغربية، واستحضر الرؤية الفكرية لأنطونيو غرامشي (1891م - 1937م) في الحديث عن التسلط الثقافي، وقد ربط خطابه الاستشراقي بنزعة التباين والاختلاف بين الشرق والغرب مبينًا التفوق الغربي مقابل التخلف الشرقي في مجالات الفكر والثقافة والتمدن حيث مثل الاستشراق الغربي نوعًا من التسلط الثقافي.

إن كتاب إدوارد سعيد الاستشراق يهدف في الجوهر إلى دعوة علماء الدراسات العربية والإسلامية الغربيين على وجه الخصوص، لإعادة تقييم وإعادة التدقيق في علاقات الغرب الماضوية بباقي أجزاء العالم... إدوارد سعيد أبعد ما يكون عن تقديم خطاب ديني - طائفي أو خطاب متطرف راديكالي في كتابه، فهو يعلم علم اليقين أن كلا الخطابين المذكورين لن يكونا مثمرين في السياق الغربي العلماني والأكاديمي، حيث يُفترض بالطروحات البحثية أن تخضع للنقاش والتقييم بمعزل عن أية تحديدات واختزالات ضيقة طائفية، أو فئوية، أو دينية.
فقد تسلح "الغرب" بكل مقولاته المركزية للهمينة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لإخضاع "الشرق" والسيطرة عليه، وينحو حمداوي إلى أن الاستشراق بحسب إدوارد سعيد يقوم بدور مهم جدا، ومميز في مشروع الهيمنة والسيطرة والإخضاع والتغريب وبربط الشرق وأفريقيا بالمصالح الإمبريالية الغربية، ثم التبجح بالسرديات التاريخية للحضارة الغربية المتمثلة في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في حين ينعت "الشرق" وأفريقيا بالاستبداد والتخلف والبدائية، وهكذا يكون الغرب هو العقل والمركز والاستشراق.

يجادل إدوارد سعيد على أن العالم تهيمن عليه وتتحكم فيه الإمبريالية الغربية منذ بداية القرن الثامن عشر حيث اتخذ "الغرب" ذرائع واهية وشعارات وهمية بدعوة نشر التحضر والتنوير استمالة "الشرق" المتخلف، وجذبته لينكشف بعد ذلك زيف شعارات "الغرب" البراقة والخداعة وتتضح أطماعه التوسعية والاستغلالية وتهميش ثقافة الآخر؛ ويظهر ذلك في المنتجات العظيمة للثقافة الغربية، إذ يمكن لهذه المنتجات الغربية المتناقضة أن تكون أعمالا عظيمة من إبداع الخيال، وأن تضم ـ في ذات الوقت وجهات نظر سياسية بشعة تسلخ الإنسانية عن غير الأوروبيين وتبرز شعوبا متخلفة ودونية، جاعلة إياها مقتضية لحكم المستعمر الأوروبي.

وائل حلاق وتقده لكتاب الاستشراق

إن كتاب إدوارد سعيد الاستشراق يهدف في الجوهر إلى دعوة علماء الدراسات العربية والإسلامية الغربيين على وجه الخصوص، لإعادة تقييم وإعادة التدقيق في علاقات الغرب الماضوية بباقي أجزاء العالم... إدوارد سعيد أبعد ما يكون عن تقديم خطاب ديني - طائفي أو خطاب متطرف راديكالي في كتابه، فهو يعلم علم اليقين أن كلا الخطابين المذكورين لن يكونا مثمرين في السياق الغربي العلماني والأكاديمي، حيث يُفترض بالطروحات البحثية أن تخضع للنقاش والتقييم بمعزل عن أية تحديدات واختزالات ضيقة طائفية، أو فئوية، أو دينية.

لهذا، فإنَّ سلخ خطاب إدوارد سعيد في كتاب الاستشراق عن سياق كتابته الأصلي، أو التبني الحرفي لمحتوى نصه كما هو، ومن ثم فرض ادعاءاته وخلاصاته قسراً على سياقي فكري ولعبة لغة مناقضة كلياً تقريباً له تخص الشرق الأدنى العربي، ما هو إلا خطأ قاعدي فادح.

يقول  الكاتب نجيب عوض: "في أعقاب العام 2002، قرأت كتباً أخرى عديدة لإدوارد سعيد دون أن أحاول قراءة كتاب الاستشراق مرة ثانية. لقد قمت بالإشارة إلى هذا العمل الرئيس، كما دعوت قراء دراساتي وطلابي لدراسته في بعض المناسبات، وكذلك المحت للكتاب في بعض مؤلفاتي ومحاضراتي التي قدمتها في الصفوف الجامعية عبر السنوات الماضية. وقد ظل هذا هو الحال حتى مجيء عام 2020. ففي تلك السنة، عاد كتاب إدوارد سعيد الاستشراق ـ بقوة وإلحاح إلى ذهني. ففي تلك السنة بالتحديد، حظيت بفرصة قراءة كتاب وائل حلاق، إعادة صياغة الاستشراق Restating Orientalism سأخصص فصلاً في هذا الكتاب له في كتابه المذكور، يتجادل حلاق بشكل صارم مع زميله الفلسطيني وسلفه في جامعة كولومبيا، وبشكل خاص حول أطروحة كتاب الأخير، الاستشراق. يَتَّهِمُ حلاق إدوارد سعيد بشكل أساسي بالفشل الذريع، أو بالإهمال المبين، في حرث كما يقول حلاق منطقة أنماط المعرفة التي يتأرضُ الاستشراق فيها. ويدعي حلاق أنَّ هذا التجاهل يجعل إدوارد سعيد يمر مرور الكرام وبصمت مطبق على العلاقة ما بين الخطابات الاستشراقية النصوصية textual دون أخذها الفعلي بعين الاعتبار في الحقل الكولونيالي. ويُشدّد حلاق بوضوح أن هدفه النقدي ليس أن يبين أن نقد إدوارد سعيد للاستشراق غير صالح، وإنما أن يقول إنَّ حدوده النقدية متهافتة ومفككة بل وحمقاء، وأنها تفتقر لتعيين حدود صارمة وواضحة كفاية للمنطقة المصوّب عليها.

يتابع بعدها حلاق كلامه قائلاً: إن المشكلة في مقاربة إدوارد سعيد لتلك المسألة أي الاستشراق لا تكمن في أنه صوب في الاتجاه الخاطئ، بل إنها تكمن في أنَّ مَسحَه التعميمي الجغرافي والزماني غير المبرر أخفى خلفه، إن لم يكن كبت، هيكليات معرفية أعمق كان بإمكانها أن تتيح له الفرصة ليبين التمايزات بشكل أقوى.

بكلام آخر، يلوم حلاق إدوارد سعيد؛ لأنه لم يكن هجومياً ونقدياً واتهامياً بشكل كاف في نقده للاستشراق. وتكمن مشكلة حلاق الأساسية مع إدوارد سعيد في أن هذا الأخير لم يركب موقفاً اكتساحياً ماهوياً واختزالياً essentializing وحكمياً judgmental ضد الاستشراق بالدرجة التي يمكن للمرء أن يبلغها في اتخاذ مثل هكذا موقف: لم يكن إدوارد سعيد راديكالياً بما فيه الكفاية، وما كتاب وائل حلاق سوى محاولة من قبل الأخير للبرهان على أنه حلاق شخصياً يمكنه أن يحقق ما فشل إدوارد سعيد في إنجازه. فبحسب رأي حلاق، لقد قاد التساهل إدوارد سعيد إلى أن ينتقي، في معرض نقده، مجموعة من المؤلفين المستشرقين الذين لا يُعبر أي منهم عن صوت يمثل بشكل مرجعي ومعياري كافٍ، الإطار الواسع والشمولي للهيمنة الكولونيالية 2. ولهذا السبب، لم يكن إدوارد سعيد نقدياً بالشكل الكافي والوافي ولم يكن ضد كولونيالي كما ينبغي كي يدعم كتابه الاستشراق، عملية شيطنة الحداثة Modernity في حد ذاتها؛ إذ إنّ ما يُعرف تلك الحداثة بشكل ممتاز ما هو إلا الكولونيالية عينها دون سواها 3. باختصار، يتهم وائل حلاق كتاب إدوارد سعيد، الاستشراق، بـ التصغير والتقليل minimizing، ويدعو إلى معالجة هناته وتقصيراته بواسطة الاختزال الجوهري essentializing والشَّيطنة "wdemonizing.

لقد أعادني نقد خلاق الراديكالي فوراً إلى كتاب إدوارد سعيد، الاستشراق، لمرة جديدة، وبعد مرور كل تلك السنوات. وقد لاحظت هذه المرة أنَّ التصادم بين استراتيجيات القراءة وجدلية المؤلف - القارئ التثنوية binarism لا تلقي بظلالها على اللعبة الذهنية ما بين النص الأصلي وترجمته للغات أخرى فقط ـ تلك التثنوية الجدلية التي واجهتها في عام 2000، بل يبدو أن آثار تلك الجدلية التثنوية تنسحب على تصادم مماثل يحضر أيضاً في لعبة المؤلف ـ القارئ التي يمكن أن تجري ما بين مُؤلّف إدوارد سعيد وقارئ باحث وائل حلاق كلاهما منخرط في دراسة الاستشراق ضمن فضاء اللغة والتفكير الأنجلوفونيين، وكلاهما ينتمي إلى نفس الفضاء الفكري الأوسع، ناهيك عن الفضاء الأكاديمي الأصغر جامعة كولومبيا، لا بل ويتشارك كلاهما الموقف النقدي نفسه تجاه علم الاستشراق هذا على الأقل ما يعلنه قارئ كتاب إدوارد سعيد، حلاق، شخصياً. ليس بالضرورة دائماً، إذن، أن تكون هذه الثنائية التصادمية تحدياً يرتبط بعملية الترجمة بالرغم من واقعية هذه الحقيقة، بل ويمكنها أن تتبدى في التفاسير والهرمنيوطيق المفاهيمي الافتراضي الذي يُقرر قواعد التفكير. هي ليست مجرد ثنائية تعبر عن لعبة لغة، وإنما ألعاب قراءة وتفاعل أيضاً.

طلال أسد وتفكيكه المبكرللاستشراق

هناك حقيقةٌ مُبرَمَةٌ في الاعتقاد أنَّ حقل الدراسة المقترن بما بعد الكولونيالية هو وليد عَدَدٍ من لحظات انفجار كبير فكرية قوضت دعائم المشهد الأكاديمي الغربي خلال الثلث الأخير من القرن العشرين. واحد من تلك الانفجارات الرئيسة التي أولدت ما بعد الكولونيالية كان كتاب إدوارد سعيد، الاستشراق. ولكن، وعلى الرغم من الإجماع المتعارف عليه، والذي يكاد يصبح بديهياً، والمتعلق بهذه القناعة، فإن تفكيك إدوارد سعيد لعلم الاستشراق لم يكن في الواقع الهجمة الأولى والأسبق التي شهدها المشهد الأكاديمي الغربي في القرن العشرين. لم يكن خطاب إدوارد سعيد في الحقيقة، خطاباً غير مسبوق، كما قد نعتقد. فقبل بضعة سنوات من إنتاج إدوارد سعيد لكتابه الاستشراق في عام 1978، قام باحث آخر ينحدر أيضاً من الشرق الأوسط العربي بإطلاق العنان لنقد تفكيكي معرفي للاستشراق ومن نفاذ ضد كولونيالي صريح.

هناك حقيقةٌ مُبرَمَةٌ في الاعتقاد أنَّ حقل الدراسة المقترن بما بعد الكولونيالية هو وليد عَدَدٍ من لحظات انفجار كبير فكرية قوضت دعائم المشهد الأكاديمي الغربي خلال الثلث الأخير من القرن العشرين.
في نطاق الاستعراض للكتاب الذين انتقدوا الاستشراق الغربي، يقدم لنا الكاتب نجيب عوض تحليل عالم الأنثروبولوجية الثقافية المولود في المملكة العربية السعودية، طلال أسد ، فيقول في عام 1973؛ أي قبل خمس سنوات بالضبط من لحظة انفجار كتاب الاستشراق المعرفية، بادر ، بتقديم مساهمة بحثية في أنثولوجية Anthology عن علاقة الأنثربولوجية بالكولونيالية؛ تلك الأنثولوجية التي قام طلال أسد شخصياً بالمشاركة في تحريرها وبكتابة مُقدِّمة لها.

 في الفصل الذي ساهم به في هذه الأنثولوجية، يقدِّم طلال أسد الاستشراق بصفته الحقل الذي يأتي في المرتبة الثانية في الفضاء العلمي بعد حقل الأنثربولوجية الاجتماعية الوظيفية Social functionalist anthropology الذي وظفته الكولونيالية الأوروبية في خدمة سياسة فرض نظرتها الأمبريالية والمانيفستو الأيديولوجي الخاص بها عن الشرق الأوسط المُسلم. يُقدِّم أسد في عرضه ما يمكن للمرء أن يعده بشكل مشروع مانيفستو مضاد counter-manifesto مبكر وأولي ضد الاستشراق. فالعديد من عناصر خطابه المؤسسة في هذا الفصل المذكور، كما سنبين لاحقاً، ستطفو بوضوح على سطح خطاب إدوارد سعيد اللاحق في كتاب الاستشراق، ولسوف تترك آثاراً عميقة في موقف إدوارد سعيد من علم الاستشراق عموماً. أما الفرق الأساسي ما بين مقاربات إدوارد سعيد وأسد الضّد - كولونيالية، كما سيظهر لاحقاً، فيكمن في حقيقة أنه، في الوقت الذي يُعامل فيه إدوارد سعيد الاستشراق كحالة، أو نموذج، حاضرة وواقعية تعبر عن الجذور والمؤسسات الكولونيالية الكامنة في حقل دراسات نظرية النقد الأدبي الغربية Literary Theory، فإنَّ طلال أسد يَضَعُ الاستشراق، كحالة أساسية بنيوية، في قلب الإطار البحثي الأوسع لحقل التفكير العلمي الكولونيالي الأوروبي البريطاني تحديداً والمسمى علم الأنثربولوجية الاجتماعية Social Anthropology. (ص 36).

في عام 1973، اشترك طلال أسد في تحرير أنثولوجية عن الأنثربولوجية والكولونيالية، شرح فيها حقل الدراسات المدعو الأنثربولوحية الاجتماعية الوظيفية بأسلوب مشابه جداً لما سيفعله إدوارد سعيد، بعد خمس سنوات، ولما سيفعله هومي بابا، بعد عقدين من الزمان في تشريحهما لحقل دراسات نظرية النقد الأدبي. في المقدمة التي كتبها لتلك الأنثولوجية، يقوم أسد بإجراء تفكيك جراحي عميق للرابط الجوهري ما بين الكولونيالية وعملية خلق وارتقاء علم الأنثربولوجية الاجتماعية، في بريطانيا أولاً ثم في الولايات المتحدة الأمريكية تالياً. أما الافتراض المفاهيمي الفلسفي، الذي حفّز تقييم أسد وتحكم به فيما يتعلق بهذا الحقل، فقد كان افتراضه القاعدي أنَّ أي موضوع يتعرض للتطويع والتلاعب ما هو، جزئياً، إلا نتاج علاقات هيمنة. وبالتالي، فإنَّ إهمال تلك الحقيقة سيقود إلى سوء استيعاب طبيعة هذا الموضوع الحقيقية. يعني هذا أنَّ المرء لا يسعه أن يفهم طبيعة الأنثربولوجية الاجتماعية وسيرتها الذاتية وبنيتها ودورها وحتى غايتها القصوى، ناهيك عن فهم الظروف التي قادت إلى ارتقائها وشعبيتها ولا حتى فهم الأسباب التي قادت العديدين لإعلان تراجعها الحالي وتهافتها، وفق أسد، ما لم يتقص المرء اللحظة الأولى في قصة ولادة علم الأنثربولوجية الغربية الأوروبية ومسار نموها، والتي تُعيدنا إلى ولادة هذا العلم من رحم الكولونيالية وتحت جناحي أمومتها.

يكشف أسد مبدئياً دحضه لمقاربة الأنثربولوجية الاجتماعية بصفتها، أولاً، مساعداً للإدارة الكولونيالية، أو بصفتها مُجرَّد انعكاس للأيديولوجيا الكولونيالية. مع ذلك، فإنَّ أسد يُقِرُّ بشدَّةٍ، ويُقرِّرُ بلا مواربات، أنَّ الأنثربولوجية الاجتماعية هي إحدى تمظهرات، إن لم يكن نتائج المحيط الكولونيالي وتأثيره على التفاعل الأوروبي العالم ثالثي في العصر الحديث. يتطلب هذا الترابط فحصاً دقيقاً وسبرياً كيما نستكشف كيفية هيمنة علاقات القوة ما بين المهيمِن والمهيمَن عليه ، كما يقول أسد، وكيفية ربطها ديالكتيكياً بالظروف العملانية وافتراضات الممارسة ومنتجات التفكير الخاصة بكافة حقول المعرفةِ الَّتِي تُمثل الفهم الأوروبي للبشر غير الأوروبيين.

إقرأ أيضا: الاستشراق وإشكال ما بعد الكولونيالية.. مسارات المعرفة النقدية.. قراءة في كتاب
التعليقات (0)