الخطاب العربي بين أزمات التأثير والاستقلال والجمهور: كيف تُبنى قصة الحدث ومن يملك حق تفسيره للجمهور؟

مهند سامر
"المنطقة التي أنهكتها الحروب لا تحتمل انتقالا من صراع إلى صراع، ولا من هيمنة إلى فراغ أخطر"- الأناضول
"المنطقة التي أنهكتها الحروب لا تحتمل انتقالا من صراع إلى صراع، ولا من هيمنة إلى فراغ أخطر"- الأناضول
شارك الخبر
نعيش في زمن تغيب فيه رواية المتخصص العربي صاحب الرؤية الاستراتيجية للمستقبل، بينما يحضر بقوة مؤثرون وأصحاب مواقف عاطفية، بل إن لبعضهم سابقة فشل في اختبار دور المثقف العربي في زمن الحروب. وحتى الآن لم تظهر شخصيات متوازنة حقيقة تطرح آراء الخبير المدرك إلا القلة في مجالها، مثل اللواء فايز الدويري، الذي أبدع في تقديم تحليلات احترافية خبيرة وإيجابية عززت لدى متابعيه روح الأمة. وهنا يبرز دور الإعلام في تصدير الرواية الأولى، التي غالبا ما تبقى في ذهن الجمهور.

شعارات حادة وصور ساخرة وانفعالات لحظية

في عصر الإعلام الرقمي أصبحت الصورة أقوى من النص، ومن يتابع وسائل التواصل اليوم يدرك سريعا أن العالم العربي ليس منقسما في هذه الحرب إلى تيارين فقط "غربي وإسلامي"، بل إلى أكثر من عشرة تيارات. ومع ذلك اكتفى كثير من المثقفين بترديد مشاعر الشارع، وسارعوا إلى تبني الترند، غير مدركين أن دورهم الحقيقي هو نقل النقاش من رد الفعل إلى التفكير في النتائج، ومن لحظة الغضب إلى سؤال المرحلة التالية.
المثقف لا يُقاس فقط بوضوح موقفه، بل بقدرته على تعميق النقاش وتوسيعه، وتوعية الجمهور بطرح الرواية السليمة حول مجريات الحدث، لا اختزال القضايا الجيوسياسية المعقدة في شعارات شعبوية
فالمثقف لا يُقاس فقط بوضوح موقفه، بل بقدرته على تعميق النقاش وتوسيعه، وتوعية الجمهور بطرح الرواية السليمة حول مجريات الحدث، لا اختزال القضايا الجيوسياسية المعقدة في شعارات شعبوية.

شعبوية تهيمن على فضاءات التواصل الاجتماع

لا شك أننا بشر ونتأثر بأحداث الماضي ونشعر بوطأة الحدث الآني، خاصة مع المتابعة المستمرة لوسائل التواصل، ومع ذلك يستمر غياب الرواية العربية الواضحة، وحلول روايات معادية بدلا من الطرح المنهجي للنقاش الشفاف حول الأحداث. ويبدو أننا ما زلنا نبحث عن المؤثرين المتخصصين القادرين على تحويل الغضب المشروع إلى رؤية ورواية عربية لا تضخم العداءات عبر الانتشار غير المنضبط في المنصات الرقمية، بل رؤية تقرأ التوازنات، وتفكر في المآلات، وتضع المصلحة العربية في إطارها الأوسع: مصلحة الاستقرار، وتجنب الفوضى، وبناء نظام إقليمي أكثر توازنا.

أزمة في إنتاج الرواية الإعلامية للأحداث

إن من أهم أسباب تأخرنا عن الأمم أننا غالبا ما نكون آخر من يصله الخبر وآخر من يفهم دلالاته. فقد صيغت اتفاقيات أنهت دولة إسلامية كبرى، وأُتبع ذلك بوعد يمنح أرض القدس لليهود، ثم خُتم الأمر بقرار حمل اسم من وقّع عليه، فقُسمت المنطقة بخطوط رُسمت بقلم رصاص على خريطة، وترسخت تلك الوقائع جزءا من الذاكرة السياسية للمنطقة دون أن نعلم. أما اليوم فنحن أمام فرصة حقيقية لاستعادة دور المؤثرين في صناعة الوعي والمساهمة في صياغة المستقبل.

فالمنطقة التي أنهكتها الحروب لا تحتمل انتقالا من صراع إلى صراع، ولا من هيمنة إلى فراغ أخطر. ومن هنا فإن وظيفة الشباب اليوم ليست اللحاق بالترند، بل رفع مستوى الوعي العام وصنع وتبني رواية عربية واعية لمجريات الأحداث.

جمهور يميل إلى خطاب السريع ومواقف حادة
هل سنكتفي بدور المستهلك الغاضب لهذه السرديات، أم سنمتلك الشجاعة والمؤسساتية لصناعة روايتنا العربية الخاصة التي تفرض واقعا جديدا قبل أن يصبح الخبر مجرد تاريخ ندرسه ونبكي عليه؟

إن أزمة السردية العربية ليست في ذائقة الجمهور فحسب، بل في استسلام العقل الاستراتيجي لسطوة الخوارزميات. لقد انسحب المتخصص من الميدان الرقمي تاركا الفراغ لخطاب الاستقطاب العاطفي الذي يمنح مكافأة فورية من الإعجابات، بينما تتطلب الرواية العربية الواعية بناء جسور تقنية تربط بين رصانة التحليل ورشاقة العرض، لتحويل الغضب الرقمي إلى تراكم معرفي. كما يبحث الجمهور عن مواقف حادة تلبي احتياجه العاطفي؛ فنحن شعوب جياشة المشاعر، وقد كنا في الماضي نخوض حربا من أجل كلمة قيلت، وتسفك دماء كرامة لرجل غضب. لكن الأهم أننا اليوم فرغنا هذه المعاني في غضب إلكتروني، حتى تشعر أنه لا حاجة لذباب إلكتروني بيننا، فاندفاعنا العاطفي يكفي لذلك.

تتفجر اليوم مشاعر الغضب في الجمهور العربي، وهو غضب مفهوم في ظل ذاكرة سياسية مثقلة بتجارب مريرة في أكثر من ساحة إقليمية. وقد يرى كثيرون في إضعاف قوة إقليمية متهمة بالتدخل في شؤون المنطقة سببا للارتياح أو حتى للفرح، لكن تبقى أسئلة مفتوحة حول مصائر المنطقة، وحول دور إسرائيل وحلفائها الغربيين والأمريكيين، وكيف ستُعاد رسم خرائط النفوذ في الإقليم.

ويبقى السؤال هنا: هل سنكتفي بدور المستهلك الغاضب لهذه السرديات، أم سنمتلك الشجاعة والمؤسساتية لصناعة روايتنا العربية الخاصة التي تفرض واقعا جديدا قبل أن يصبح الخبر مجرد تاريخ ندرسه ونبكي عليه؟




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل