وليد الخالدي "الأب الشرعي للتاريخ الفلسطيني".. قراءة للمؤرخ بشير نافع

الخالدي يعد من أبرز المؤرخين الفلسطينيين- مؤسسة الدراسات الفلسطينية
الخالدي يعد من أبرز المؤرخين الفلسطينيين- مؤسسة الدراسات الفلسطينية
شارك الخبر
ولد المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي (1925 – 2026)، الذي أعلن عن وفاته الأربعاء 8 مارس/ آذار، لواحدة من أقدم العائلات الفلسطينية في القدس.

قدمت العائلة الخالدية على مر القرون عدداً لا يحصى من العلماء والفقهاء والقضاة. وكما عائلات العلماء الكبيرة في حقبة ما بعد التحديث العثماني، اتجه أبناء العائلة إلى التعليم الحديث.

أحمد سامح الخالدي (ت. 1951)، والد وليد، تلقى العلم في الآستانة والجامعة الأميركية ببيروت؛ وبعد الاحتلال البريطاني، تولى أحمد سامح عمادة الكلية العربية بالقدس، دار المعلمين الرئيسة في فلسطين الانتدابية، التي تخرج فيها عدد كبير من أبرز المثقفين والعلماء الفلسطينيين قبل النكبة. أما وليد فقد تلقى تعليمه المبكر في القدس، ونال البكالوريوس من جامعة لندن في 1945، ودرجة الماجستير من جامعة أوكسفورد في 1951. عمل وليد مدرساً في معهد الدراسات الشرقية بأكسفورد، ولكنه استقال من منصبه احتجاجاً على العدوان البريطاني على مصر في 1956. خلال العقود التالية، قام بالتدريس في برينستون وهارفارد والأميركية ببيروت.

وليد الخالدي هو الأب المؤسس لمدرسة التاريخ الفلسطيني الحديث، والحارس الأمين للذاكرة الفلسطينية. وهذا المقال، الذي كتب في 2013، نشر في عدد خاص من مجلة الدراسات الفلسطينية (96، خريف 2013، صفحات 441 - 447)، كرس لتحية الأستاذ وقد شارف التسعين من العمر.

التاريخ يكتبه المؤرخون
I
كنت أخطو خطواتي الأولى لدراسة الدكتوراه، بقدر كبير من الخشية وفقدان الاتجاه، عندما ذهبت لمقابلة ‏الأستاذ ألبرت حوراني كي أعرض عليه ما أفكر فيه وأبحث عن شيء من الطمأنينة‎.‎‏ ناقشني الأستاذ في بعض المصادر، وسألني، ضمن عدد من الأسئلة سؤالين محددين حول المسألة الفلسطينية:‎‏ الأول، بشأن ما ‏كنت أتصور من أسباب لتبنّي بريطانيا مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين؛ والثاني، حول الأسباب التي أدت إلى ‏هجرة الفلسطينيين، في معظمهم، من مدنهم وبلداتهم في سنة ‏‎1948‎، ونجاح الحركة الصهيونية، بعد ‏ذلك، في إقامة دولة ذات أغلبية يهودية في فلسطين‎.‎‏ كان ردي على السؤالين أقرب إلى رؤى المؤرخين الهواة، ‏مستعرضاً، في الإجابة عن السؤال الأول، المفاهيم الشائعة في المصادر التقليدية التي أبرزت تأثير وايزمان وقادة ‏الحركة الصهيونية ‎(الأسطوري) على السياسيين البريطانيين في سنوات الحرب العالمية الأولى؛ والتي بالغت في ذكر ‏ما كان لقيم الشرف لدى العرب، من جهة، ودور الجيوش والأنظمة العربية، من جهة أُخرى، من تأثير ‏في مغادرة الفلسطينيين، في الإجابة عن الثاني‎.‎‏ لم يعلق الأستاذ طويلاً على إجابتي، لكنه نصحني بالبحث في الدوريات ‏عن ما نشره المؤرخ الإسرائيلي مائير فاريت ( Verete‎‏ ‏‎ Mayir )، وما نشره المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، قبل أن أضع مخطط رسالتي‎.‎

في النهاية، أخذ عملي البحثي مساراً مختلفاً، مبتعداً عن جدل دبلوماسية الحرب الأولى في الشرق العربي ـ ‏الإسلامي، وانتهى عند بداية الحرب العالمية الثانية، من دون أن يعالج نكبة ‏‎1948‎‏ وعواقبها‎.‎‏ لكن الدرس كان بليغاً‎:‎‏ إن ‏التاريخ يصنعه المؤرخ، وإنه ليس ثمة رواية نهائية للتاريخ، وإن التاريخ في الحقيقة هو عملية مستمرة‎.‎‏ نُشرت مجموعة ‏مقالات فريت بعد وفاته في كتاب، لكن أعمال الأستاذ وليد الخالدي، الذي لم أدرس على يديه مباشرة ولم أقابله شخصياً، ‏سترافقني على مرور الأعوام، ومنذ لحظة البداية‎.‎

II
أصبح من المبتذل الآن القول إن القضية الفلسطينية هي أطول قضية تحرر وطني منذ ولادة الدولة الحديثة وتبلور فكرة تقرير ‏المصير‎.‎‏ وهذا الأمر هو ما جعل تاريخ الصراع على فلسطين محل اهتمام كبير من مؤرخي العلاقات الدولية، التاريخ الحديث، ‏وتاريخ الشرق الأوسط، كما من دارسي العلوم السياسية، وبكافة اللغات‎.‎‏ إلّا إن الخالدي يحتل موقعاً خاصاً بين هؤلاء جميعاً‎:‎‏ ‏بحرفية بالغة، وصبر وأناة فريدين، وقف الأستاذ، وحده في أغلب الأحيان، كي يواجه الرواية السائدة بشأن فلسطين‎:‎‏ مَن هم ‏الفلسطينيون؟ وما الذي أوقع بفلسطين والفلسطينيين؟ نشر الخالدي دراسته عن سقوط مدينة حيفا في سنة ‏‎1959‎، وعاد بعد أربعة ‏عقود، في سنة ‏‎1999‎، لينشر دراسته عن مذبحة دير ياسين‎.‎‏

وبينهما، في سنة ‏‎1961‎، نشر الدراسة بشأن ‏‎"‎خطة دالِت‎"‎، ‏وذلك قبل أعوام طوال من ظهور أول دراسات المجموعة التي ستُعرف بعد ذلك بالمؤرخين الإسرائيليين ‏الجدد‎.‎‏ غير أن أعمال الخالدي، الفلسطيني، ابن القدس والأسرة المقدسية العريقة، لم تثر الضجيج الذي أثارته كتابات ‏المؤرخين الإسرائيليين بعد ذلك، إذ لم يكن من المفترض أن يكون هناك سردية فلسطينية للتاريخ‎.‎‏ وهذا فعلًا ما حاوله الأستاذ ‏الخالدي في أعماله الثلاثة هذه، وأُخرى لا تقل أهمية، ربما‎:‎‏ تقديم سردية فلسطينية لتاريخ ما حدث، سردية مسلحة بأدوات ‏المؤرخ وشكوكه المستمرة في النموذج السائد‎.‎

في الرباعيات الأربع، كتب ت‎.‎‏ إس‎.‎‏ إيليوت، إن ‏‎"‎الطريق إلى الأمام هو الطريق إلى الخلف‎".‎‏ والواضح، في اشتغال العالم ‏بهذه القضية المديدة، أنه لم يعد من السهل، أو الممكن، أو حتى العقلاني، البحث عن مخرج من دون العودة إلى الخلف‎.‎‏ لقد بات ‏من الطبيعي اليوم، في قاعات الدرس أو دوائر السياسة، أن يثار جدل ‏‎(طبيعي، إلى حد ما، على أية حال‎) بشأن العنف المنهجي، ‏والتطهير العرقي المخطط والواسع النطاق، اللذين مارستهما الجماعات اليهودية المسلحة، وواكبا ولادة دولة إسرائيل وأسسا ‏لها‎.‎‏ لكن هذا لم يكن ممكناً قبل عقود؛ ليس لأنه لم يكن مسموحاً به بالضرورة، وإنما لأنه لم يكن تاريخاً أصلًا‎.‎‏ التاريخ ‏يصنعه المؤرخ؛ وقد أصبح وليد الخالدي أحد كبار صنّاع تاريخ تلك اللحظة التحولية في تاريخ الفلسطينيين والعرب‎:‎‏ سنة ‏‎.1948‎

بيد أن الأستاذ الخالدي لم يتوقف هنا؛ لم يتوقف عند حدث النكبة وولادة دولة إسرائيل‎.‎‏ ففي دراسته عن شركة الأراضي ‏اليهودية ـ العثمانية،‎ يقرأ وليد الخالدي واحداً من أول مشاريع الاستيطان الاستعماري اليهودي في فلسطين‎.‎‏ وفي عملين ‏كبيرين آخرين‎:‎‏ ‏‎"‎قبل الشتات‎:‎‏ التاريخ المصور للشعب الفلسطيني، ‏‎1876‎‏ ـ ‏‎"1948‎‏ ‏‎(مؤسسة الدراسات الفلسطينية‎:‎‏ ‏‎1987)، ‏و‎"‎كي لا ننسى‎:‎‏ قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة ‏‎1948‎‏ وأسماء شهدائها‎"‎‏ ‏‎(مؤسسة الدراسات الفلسطينية‎:‎‏ ‏‎1997)، عمل الخالدي على استعادة وجود الإنسان والمكان الفلسطينيين في التاريخ‎.‎‏ في كلا العملين، تتجلى حرفة ‏المؤرخ الأولية ـ أن يعمل على تقديم رواية مفهومة، واضحة، صلبة، وصارمة، وترتكز إلى أسس منطقية يمكن ‏استقراؤها ورصدها في أجلى صورها‎.‎‏ لكن الأهم، وليس لدارسي تاريخ فلسطين والمشرق فحسب، بل لنا أيضاً ، نحن أبناء هذا البلد، أنه يجعلنا  "‎نتقاسم الرغيف مع مَن مضوا‎"‎، على ما قال الشاعر الإنجليزي دبليو‎.‎‏ إتش‎.‎‏ أودن‎.‎‏ فقبل ‏أن تُعلَن دولة إسرائيل بثلاثة أرباع القرن، وقبل أن يُعقد المؤتمر الصهيوني الأول بأكثر من عشرين عاماً، كان ثمة شعب في ‏هذه البلاد، شعب كما كل الشعوب الُأخرى، شعب من الفلاحين والنبلاء، من سكان الريف والمدن، من الأطفال والرجال والنساء، ‏ومن الحرفيين والتجار، نراهم بحليّهم، وبأزيائهم، وبأصواتهم، وهم يغادرون، بقوة التحديث العثماني، وإن بخطى بطيئة، ربما، ‏القرن التاسع عشر إلى العشرين، لمواجهة صدمة الاحتلال الأجنبي وتحديات أكبر صراع يمكن لشعب أن يواجهه في الزمن ‏الحديث‎.‎‏ ونراهم مرة أُخرى خارج المكان، وقد اقتُلعت جذورهم من قراهم، بشراً وهوية؛ القرى التي ستكتسب بعد ذلك أسماء ‏جديدة وتواريخ جديدة وسكاناً جدد‎.‎

III
أدرك وليد الخالدي من البداية أن الصراع على فلسطين ليس صراعاً على قطعة الأرض الفلسطينية فحسب، بل إنه صراع ‏على المشرق العربي كله أيضاً، وأن آثاره تمس أوضاع دول المشرق جميعها‎.‎‏ وعندما بدأ العدوان الثلاثي على مصر في سنة ‏‎1956‎، استقال الخالدي من موقعه التعليمي في جامعة أكسفورد، احتجاجاً على التورط البريطاني في العدوان‎.‎‏ ليس ثمة شك في أن ‏الخالدي حمل قناعات قومية عربية، غير إن من غير الضروري البحث عن هذه الاقتناعات لتفسير وعيه الدائم بمحيط فلسطين ‏العربي؛ إذ ليس لمؤرخ عاصر الصراع منذ عقوده الأولى أن يكون قومياً ـ عربياً كي يرى الأبعاد العربية للصراع‎.‎‏ وهذا ‏الأمر هو الذي سيدفع الخالدي إلى تكريس جزء كبير من أعماله لمتابعة شؤون وتحولات المجال العربي ومصائر دوله ‏وشعوبه‎.‎‏ في الببليوغرافيا،‎‏ التي نشرها في سنة ‏‎1974‎، رأى الخالدي المسألة الفلسطينية باعتبارها صراعاً عربياً ـ إسرائيلياً، ‏على الرغم من أن السبعينيات شهدت صعوداً غير مسبوق للوطنية الفلسطينية، ومقولة استقلالية القرار الفلسطيني التي ‏رفعتها حركة ‏‎"‎فتح‎"‎، القوة القائدة آنذاك للحركة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير‎.‎‏ بعد أعوام قليلة، في سنة ‏‎1983‎، نشر ‏الخالدي كتابه عن الحرب الأهلية اللبنانية‎، التي كانت، في جانب رئيسي منها، تجلياً لتداعيات المسألة الفلسطينية‎.‎‏ وفي سنة ‏‎1991‎، نشر دراسة ثاقبة عن أزمة الخليج الأولى‎، التي وُلدت من احتلال العراق للكويت، من ناحية، ومن ‏مخاوف خلل محتمل في توازنات القوة بين إسرائيل وجوارها العربي، من ناحية أُخرى‎.‎‏ والحقيقة، إن مقاربة الخالدي ‏للأبعاد العربية للصراع على فلسطين بدأت منذ وقت مبكر جداً في حياته الأكاديمية، عندما أخذ في الاقتراب من التجربة الناصرية ‏واستكشاف آفاقها‎.‎

في ‏‎22‎‏ تشرين الأول ‏‎/‎‏ أكتوبر ‏‎2012‎، والعالم العربي يموج بقوى الثورة والتغيير، ألقى وليد الخالدي كلمة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن،‎ تطرق فيها إلى الوضع الفلسطيني، وأسهب في ملاحظاته بشأن الحالة ‏العربية‎.‎‏ وربما تلخص الفقرة الطويلة التالية من هذه الكلمة رؤية الخالدي إلى الوضع العربي في نصف القرن الماضي‎:‎

‎]...‎‏ منذ رحيل عبد الناصر لم يعد هناك مركز ثقل أخلاقي أو سياسي في العالم ‏العربي، لا نجم هادياً، ولا بوصلة، ولا دفة قيادة، كما إن الدولة العربية التي تمتلك طاقات ‏روحية أصيلة هائلة، بالإضافة إلى ثرائها المادي الطافح، لم ترتقِ، ولا يبدو أنها ‏سترتقي، إلى مستوى التحديات، بينما تثابر جاراتها الصغيرات الثريات السجود للعجل ‏الذهبي‎.‎‏ وفي الهلال الخصيب، يتهاوى نظام الدول الذي أوجدته اتفاقية سايكس ـ ‏بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى‎.‎‏ وهذا ليس أمراً سيئاً في حد ذاته لولا أنه صار ‏يُستبدل بارتداد عن الحواضر إلى المكونات القديمة، الطائفية، الإثنية لمجتمعات هذه ‏الدول، بما ينطوي عليه ذلك من جسيم الأخطار‎.‎‏ ويواصل هذا المسار جريانه في سورية ‏أمام بصرنا حافلًا بالأهوال التي يحملها في أحشائه‎.‎‏ وفي الوقت نفسه، ثمة قيادات ‏عربية ليس للمسؤولية منزلة فيها، وهي لا تفتأ تنفخ في لهيب نزاع سنّي ـ شيعي بشع لا ‏مبرر له إطلاقاً، يشكل الانقسام الأشد تفجّراً وتدميراً في العالَمين العربي والإسلامي‎.‎ وبالتزامن مع هذا الوضع المتحرك بلا توقف، تطغى ظاهرتان إقليميتان‎:‎‏ الأولى، ‏استمرار أفول القومية العربية العلمانية، التي تقترب بسرعة، وربما تكون قد بلغت، مرحلة ‏الاحتضار؛ والثانية، استمرار صعود الإسلام السياسي بقوة في أعقاب أفول القومية العربية‎.‎

سيداتي سادتي
لا يوجد في العالم الغربي معجبون بالقومية العربية بسبب عدائها لإسرائيل والاستعمار ‏الغربي‎.‎‏ لكن ما ينساه الغرب هو الدور الرئيسي الذي أدته القومية العربية العلمانية في ‏التصدي للمدّ الشيوعي والحؤول دون انتشاره في الشرق الأوسط، ومن خلاله إلى ‏إفريقيا‎.‎‏ وقد سحقت الأنظمة العربية التي تعاملت مع الاتحاد السوفياتي، وخصوصاً في ‏مجال الأسلحة، الأحزاب الشيوعية في بلدانها، بوحشية‎.‎ ويرجع فشل القومية العربية إلى عدة أسباب: أحد الأسباب الذي أعتقد أننا لم نعره ‏اهتماماً كافياً نجده في المستوى النظري ـ التنظيمي‎.‎‏ فمثلًا عندما انهارت الوحدة ‏المصرية ـ السورية في سنة ‏‎1961‎، لم يكن هناك بالمطلق أية كتابات أو دراسات ‏جدية باللغة العربية تعالج موضوع الوحدة أو الفدرالية ـ لا شيء، ولا حتى مؤلّف واحد‎.‎‏ ولا زال حيّاً في ذاكرتي كم صُعقنا عندما انهارت الوحدة، وبدأنا نسأل ‏أنفسنا‎:‎‏ لماذا حدث ذلك؟ وفجأة، لاحظنا أنه لم يكن هناك في المكتبة العربية، في أي مكان، ‏ما يقارب أو يقترب ولو عن بعد من " ‎الأوراق الفدراليةFederalist Papers ‎‏The "[...
كيف نقرأ هذه الرؤية المتشائمة لوضع المجال العربي بعد عامين على اندلاع حركة الثورة العربية؟ هل ثمة حنين ينتاب ‏المؤرخ إلى عصر يبدو اليوم، والمجال العربي يعيش سلسلة من الانقلابات السياسية الاجتماعية، أكثر يقيناً ومدعاة للاطمئنان؟ ‏أم إن وليد الخالدي يشعر بغربة ما في بيئة عربية تشهد صعوداً حثيثاً لقوى التيار الإسلامي السياسي؟

كل هذا صحيح، ربما‎.‎‏ نشأ وليد الخالدي في أسرة مقدسية وثيقة الصلة بالإصلاحيين العروبيين الإسلاميين الذين سيطرت ‏رؤيتهم للعروبة الحاضنة والإسلام التوافقي مع العالم الحديث على الثقافة العربية في حقبة ما بين الحربين‎.‎‏ ومع أن ‏التجربة الناصرية التي رآها الخالدي مركزاً ناظماً للمحيط العربي، ولدت هي الُأخرى من رحم ‏الإصلاحية العروبية ـ الإسلامية، إلّا إن الانقسام المصري الداخلي بعد ثورة ‏‎23‎‏ تموز ‏‎/‎‏ يوليو ‏‎1952‎، والمخاطر المتزايدة ‏للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتجاذبات الحرب الباردة، سرعان ما دفعت المشروع الناصري بعيداً عن جذوره العروبية ـ ‏الإصلاحية‎.‎‏ لكن عنصراً بالغ الأهمية ظل حياً وفاعلًا في السياسة والثقافة العربية طوال معظم القرن العشرين‎:‎‏ فعلى غرار ‏الإصلاحيين العروبيين ـ الإسلاميين، والمشروع الناصري، يدرك وليد الخالدي الصلة الوثيقة بين انهيار الرابطة العثمانية، ‏وتجزئة المشرق العربي في نظام سايكس ـ بيكو، وولادة المسألة الفلسطينية؛ وأن الرابطة العربية هي البديل الوحيد الممكن للرابطة ‏العثمانية، وهي طريق الخلاص للشعوب العربية وللفلسطينيين على السواء‎.‎

لم يكن صعود الإسلاميين هو ما أطاح بالمشروع الناصري، وريث الإصلاحيين العروبيين ـ الإسلاميين، ‏لكن أزمة المشروع وتراجعه أفسحا مجالًا أمام صعود الإسلاميين، كما تلاهما تراجع حثيث في قدرة الدولة ‏العربية الوطنية على الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية‎.‎‏ وفي النهاية، كان لا بد للقوتين، قوة الدولة المتحللة وقوة ‏الإسلام السياسي، من أن يصطدما، كما هي الحال منذ اندلاع حركة الثورة العربية في كانون الأول ‏‎/‎‏ ‏ديسمبر ‏‎.2010‎‏ والسؤال الذي يبحث الخالدي اليوم عن الإجابة عليه، والذي بدا في الخمسينيات والستينيات أن ‏العرب أوشكوا على التوصل إليها، هو ما إن كان عرب ما بعد حركة الثورة قادرين على إعادة بناء نظام عروبي ‏إقليمي فاعل، وما إن كان بإمكانهم احتواء الانفجارات الإثنية والطائفية التي أحدثها تحلل الدولة وصعود الإسلام ‏السياسي‎.‎

IV
في سنة ‏‎1963‎، قام وليد الخالدي ومجموعة من رفاقه بتأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في ‏العاصمة اللبنانية بيروت‎.‎‏ كان هذا أول مركز للبحث والتفكير متخصص في الشأن الفلسطيني، وربما حتى الأول بين ‏مراكز البحث المتخصصة في العالم العربي ككل‎.‎‏ وعلى الرغم من محاولات لاحقة في هذا المجال، فإن أياً من المراكز ‏التي نشأت بعد هذه المؤسسة لم يستطع تجاوزها، لا في نوعية الإنتاج ولا في كميته؛ بل إن المؤسسة التي بدأ عملها من ‏مدينة بيروت باللغة العربية، سرعان ما اتسعت إلى مركزين آخرين: واحد بالإنجليزية في واشنطن، وآخر بالفرنسية في ‏باريس‎.‎‏ وإلى جانب عدد كبير من الدراسات والأبحاث والنصوص المترجمة التي نشرتها المؤسسة، فإن ‎مجلة الدراسات ‏الفلسطينية‎، بلغتيها الإنجليزية والعربية ‏‎)بعدما توقفت المجلة الفرنسية عن الصدور‎(، تُعتبر الدورية المتخصصة الأهم بالشأن الفلسطيني في العالم كله‎.‎

تقف المؤسسة اليوم، وبعد خمسة عقود على تأسيسها، شاهداً على نهضة العقل الفلسطيني إلى مستوى التحدي الذي واجهه هذا ‏الشعب الصغير، وعلى تفاني الخالدي الأكاديمي وإخلاصه المقيم لمادة بحثه ونزعته المؤسساتية‎.‎‏ كان الصراع على فلسطين منذ ‏البداية صراعاً على التاريخ نفسه، وعلى غرار الخالدي، خاضت المؤسسة منذ تأسيسها معركة التاريخ كما يجب، مرتكزة إلى ‏أكثر تقاليد البحث رفعة‎.‎

بيد أن المدهش أن المؤسسة، وعلى الرغم من مرور عقود على بروزها وتحوّلها إلى واحدة ‏من أهم قلاع العقل الفلسطيني، لم تستطع، أو لم تحاول، حتى الآن، استكشاف آفاق استراتيجية بديلة للمسألة الفلسطينية‎.‎‏ في ‏سنة ‏‎1988‎، نشر وليد الخالدي في  ‎شؤون خارجية‎ الأميركية مقالته ‏‎"‎نحو سلام في الأرض المقدسة‎"‎،‎ التي انتهى فيها إلى ‏أن ولادة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ سنة ‏‎1967‎، هو التصور الوحيد الممكن للتوصل إلى السلام، وأن ‏من دون ذلك، سيستمر الصراع إلى ما لا نهاية‎.‎‏ هذه، طبعاً، كانت الرؤية الفلسطينية الرسمية، التصور ‏العرفاتي، إن شئت، الذي سحب به المرحوم ياسر عرفات البساط من تحت أقدام القوى الفلسطينية الُأخرى جميعاً، القوى التي لم ‏تستطع تقديم برنامج عملي، واقعي وقابل للتصور، للنضال الفلسطيني‎.‎‏ كانت رؤية الدولة الفلسطينية تعاني خللًا جوهرياً منذ ‏البداية، لكن حتى إن لم تكن كذلك، فالواضح اليوم إن الشق الثاني من استنتاج الخالدي بات هو الأقرب للتحقق‎:‎‏ الصراع ‏المفتوح‎.‎‏ وهذا ما يطرح السؤال المهم عمّا إن كان هناك إطار استراتيجي آخر للنضال الفلسطيني‎.‎

V
لم يكن وليد الخالدي أول مؤرخ فلسطيني في العصر الحديث، وهو ليس آخرهم بالتأكيد‎.‎‏ فقبله بقليل، وبين معاصريه، برز من ‏غير المتخصصين‎:‎‏ جورج أنطونيوس (1891 ـ ‏‎1941)؛ عارف العاف (1891‎‏ ـ ‏‎1973)؛ محمد عزة دروزه ‏‎(1887 ـ ‏‎.1984). ومن المتخصصين‎:‎‏ عبد اللطيف الطيباوي (1910‎‏ ـ ‏‎1981)؛ ونقولا زيادة (1907‎‏ ـ ‏‎.2007). ‏لكن أحداً منهم لم يجمع بين امتلاك أدوات المؤرخ الحديث وصرامته البحثية، من ناحية، والمعرفة التخصصية الفائقة ‏بالتاريخ الفلسطيني، وتكريس حياته البحثية بأكملها من أجل خدمة هذا التاريخ، من ناحية أُخرى‎.‎‏ وليد الخالدي كان هذا المؤرخ، وهو ‏بذلك الأب الشرعي لمدرسة التاريخ الفلسطيني‎.‎

قرأت الأغلبية الساحقة من الجيل الثاني والثالث من المؤرخين الفلسطينيين أعمال وليد الخالدي، وتعرفت إلى طريقته ‏في البحث والعمل، حتى إن لم تكن هذه الأعمال ضرورية لمجالها التخصصي‎.‎‏ وعلى الرغم من تراجع دراسة التاريخ في ‏العالم العربي، وضيق الفرص المتاحة في الجامعات الغربية، فإن هناك اليوم عدداً ملموساً من المؤرخين الفلسطينيين الذين ‏يدرسون ويبحثون في مجالات شتى من حقل الدراسة التاريخية؛ لكنهم جميعاً، على نحو أو آخر، مدينون لوليد الخالدي‎.‎

مصادر أخرى:
1- Walid Khalidi, “The Jewish – Ottoman Land Company: Herzl’s Blueprint for the Colonization of Palestine”, Journal of Palestine Studies, vol. 22, no. 2 ‎(Winter 1993), pp. 30-47.
2-Walid Khalidi, Palestine and the Arab-Israeli Conflict: An Annotated Bibliography (Beirut & Kuwait: Institute for Palestine Studies and University of Kuwait, 1974). ‎
3-Walid Khalidi, Conflict and Violence in Lebanon: Confrontation in the Middle ‎‎3 East (Cambridge, Mass.: Harvard University, Center for International Affairs,‎ 1980).
‎4‎‏- وليد الخالدي، ‏‎"‎أزمة الخليج‎:‎‏ الجذور والنتائج‎"‎، ‎مجلة الدراسات الفلسطينية‎، العدد ‏‎5‎‏، (‎شتاء 1991)، ص‎.31-3 ‎
‎ 5- وليد الخالدي، ‏‎"‎حول الوضع الراهن في الشرق الأوسط‎"‎، ‏‎"‎مجلة الدراسات الفلسطينية‎"‎، العدد ‏‎93‎‏ (‎شتاء، 2013)، ص ‏‎.9-8‎
6- Walid Khalidi, “Toward Peace in the Holy Land”, Foreign Affairs (Spring 1988), pp. 771-789.

من منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية
التطهير العرقي في فلسطين
إيلان بابِهْ
‎374‎‏ صفحة 
التعليقات (0)