تعودنا في فترات خلت تقييد كل الأعمال المشينة التي يدرك القاصي والداني في
الظاهر من يقف خلفها ولكنها تظل مغلفة بالغموض وتكتسي طابع "السرية"؛ "ضد
مجهول" أو "أكله الذئب"، وغيرها من المصطلحات الرسمية الهادفة لطمس
الحقائق والهروب من "فخ" المواجهة مع الطرف الآخر المعلوم المعروف لكن
لا أحد يريد الاقتراب منه. وكي نكون أكثر وضوحا فنحن نقصد الجرائم والاغتيالات وحتى
الفتن المدبرة من لدن الكيان الصهيوني وتفتخر بها "الوحدة 8200" نهارا
جهارا، وتصر الأنظمة العربية على تجاهلها دائما.
مناسبة هذه المقدمة ما نراه اليوم من سعي حثيث من القيادة
الإسرائيلية على
توريط دول
الخليج وجرها لفخ
الحرب الدائرة رحاها مع
إيران؛ ولعل أكثر من "أنعش"
هذا الطرح هو الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون في برنامجه حين قال: "السلطات
في قطر والسعودية اعتقلت الليلة الماضية عملاء للموساد كانوا يخططون لتفجيرات في
هاتين الدولتين، وهذه الأنباء صحيحة"؛ ليضيف متسائلا: "لماذا قد ينفّذ
الإسرائيليون تفجيرات في بلدين خليجيين تعرضا أيضا لهجوم من إيران"، ليكمل
بالجواب التالي: "تريد إلحاق الضرر بإيران وقطر والإمارات والسعودية والبحرين
وسلطنة عمان والكويت، وقد نجحت في ذلك".
التفطن لخبث الطرف الصهيوني المحترف في استغلال واقتناص مثل هذه الفرص من أجل أهدافه ومصالحه الخاصة؛ التي خرجت من عتمة السر لتبصر النور وبمنتهى الوقاحة وعلى لسان رأس السلطة الصهيونية
والملفت أن شخصيات معروفة تبنت وجهة النظر هذه ولو من زوايا أخرى، على غرار
تصريح السفير الأمريكي السابق في السعودية تشارلز فريمان في حديثه مع قناة الجزيرة،
والذي لم يتوان في القول: "ستكتشف دول الخليج تلك المفارقة العجيبة، وهي أن
القواعد الأمريكية المقامة على أراضيهم، لم تكن لحمايتهم من ضربات إيران، بل
لتسهيل ضرب إيران من خلالهم، وسيعلمون أن المصالح بينهم وبين أمريكا غير متوافقة،
وأن تلك الحرب التي خاضتها أمريكا وورطتهم بها ستكلفهم ثمنا باهظا، حيث ستضطرهم
لوقف إمداداتهم وصادراتهم من البترول والغاز". وهذا دون إغفال "تسريبات" صحيفة واشنطن بوست التي كشفت أن ولي
العهد السعودي دعا الرئيس الأمريكي لاستهداف إيران رغم أنه يدعم في العلن التوصل
لاتفاق دبلوماسي بين الطرفين؛ فهل توقيت هذا التسريب يبدو بريئا؟ وما الهدف
الحقيقي وراءه سوى توريط السعودية والزج بها في المعترك الحالي؟
الفخ الصهيوني:
مع هذه الأخبار المتناسلة في الإعلام الغربي وحتى العربي؛ لا بد أن نتوقف
عند أحد أهم التصريحات الصادرة خلال هذه الأيام، وتحديدا من رئيس الوزراء القطري
الأسبق حمد بن جاسم الذي عبر عن إدراك ووعي كبير بالفخ الإسرائيلي، من خلال كشفه
بأن "هذه الحرب لا يجب أن تجعل الخليج أقرب إلى إسرائيل أو الاتفاق الإبراهيمي"؛
مشيرا إلى أن نتنياهو لا يتوان في عرض خرائط "إسرائيل الكبرى"، وبالتالي
هو يريد ضم دول عربية إلى خريطته وليس البحث عن اتفاقات سلام. وختم بالنقطة الأهم
في نظرنا، وهي أن "العمليات من إيران ضد المنشآت المدنية خاطئة، ولكن لا نؤيد
انخراطا في الحرب ضدها".
وهنا مربط الفرس الذي على قيادات الخليج مراعاته جيدا، والتفطن لخبث الطرف
الصهيوني المحترف في استغلال واقتناص مثل هذه الفرص من أجل أهدافه ومصالحه الخاصة؛
التي خرجت من عتمة السر لتبصر النور وبمنتهى الوقاحة وعلى لسان رأس السلطة الصهيونية،
مع السعي لاستثمار حالة التماهي الفاضح مع إدارة البيت الأبيض المنخرطة في السعي
لبلورة كل أوهام الكيان على أرض الواقع. ولعل في خرجة السفير الأمريكي مايك هاكابي
مؤخرا خير دليل على أنه قد حان أوان تنفيذ المخططات، فهل نعي حقا خطورة المرحلة
التي نحياها اليوم؟ والأهم ماذا أعددنا لها ودولنا اليوم تتلقى الطعنات في حرب
طاحنة أسقطت وستسقط العديد من الأقنعة لمن كانت الغشاوة على أعينهم والرافضين
لتصديق الحقائق كما هي، والمتوهمين بأن "العسل" أو بالأحرى "الوحل"
الصهيوني كفيل بنيل صكوك الغفران بل والعيش في رخاء ونعيم؟
هذه الحرب ستكون لها تداعيات واسعة على العلاقات الخليجية الأمريكية، بعد أن طفح الكيل وانكشفت كل الأوراق وصار اللعب على المكشوف بين كل الأطراف
وهْم "الحماية الأمريكية":
من حسنات الحرب على إيران أننا بدأنا نرى أصواتا تتعالى وتتحدث عن
"جدوى" الحماية الأمريكية لدول الخليج، بعد أن أماط ما يحدث اللثام عن
الحقيقة الصادمة بأن الأولوية القصوى لإدارة "أبي إيفانكا" هي حماية
الكيان الصهيوني أولا وأخيرا. ولعل من التصريحات الخليجية الصريحة في هذا الشأن ما
صدر عن الإعلامي السعودي سليمان العقيلي حين قال إن "أمريكا تدافع عن إسرائيل
ولا يهمها أمن دول الخليج، وهنالك عتب عليها من حلفائها العرب". وسمعنا كذلك
المحلل السعودي أحمد الإبراهيم على قناة العربية الإنجليزية يتحدث عن سعي "إسرائيل"
لجر بلده للحرب، مؤكدا هو الآخر صحة معلومات الأمريكي تاكر كارلسون عن إفشال قطر
والسعودية لمخططات الموساد والقبض على خلايا هناك.
لنتفق أولا على أن كل هذه الأسماء المقربة من دوائر صناعة القرار في
المملكة لا يمكن أن تتحدث بهذا الأسلوب دون موافقة رسمية على الجهر بهذه الآراء؛
وهذا ما يكشف بجلاء أن هذه الحرب ستكون لها تداعيات واسعة على العلاقات الخليجية
الأمريكية، بعد أن طفح الكيل وانكشفت كل الأوراق وصار اللعب على المكشوف بين كل الأطراف.
لكن هل ستملك هذه القيادات الجرأة اللازمة على تسمية الأشياء بمسمياتها،
ومواجهة التحديات العملاقة التي تنتظرها حتى وإن توقفت الحرب على الجارة الإيرانية
بأقل الأضرار؛ لأن ما يحاك من لدن العصابة المستبدة بالحكم في الأراضي المحتلة
ومعها "الراعي الذهبي" الأمريكي والخطابات التي تحمل نزعة دينية متطرفة من
أعلى الهرم؛ تفيد بأن القادم سيكون أعظم وأقسى إن لم تتدارك الدول العربية إجمالا
الموقف وتراجع مساراتها الفاشلة الكارثية، والخروج من قمقم الجبن والبحث عن
"الأمان المفقود" في حضن الوحش المفترس الهائج الذي يستعد لابتلاع
المنطقة برمتها ويبحث عن محو أي قوة أو طرف يمكن أن يقف في وجهه. وحديث السفاح
نتنياهو عن محور شيعي وآخر سني دليل واضح بأننا أمام عدو يعرف جيدا طريقه وإلى أين
يمضي ويتجه؛ والسؤال العريض المطروح اليوم: من سيقف في وجهه يا ترى وسط هذا الخنوع
والذل المستبد بأطراف هذا الوطن العربي الممزق؟ وهل هناك حقا وعي بحساسية ودقة هذا
الظرف المعقد؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.