أفكَار

البشري: الغلو الديني سيبقى ما بقيت هيمنة التغريب ولن يضعف إلا بضعفها (2/2)

تمثل رؤية البشري ـ وهو الأهم ـ مفتاحا لأي مشروع مستقبلي لصياغة حركة وطنية مصرية حقيقية جامعة، تبسط روح الاعتدال في النسيج الاجتماعي، بعيدا عن طرفي الغلو، الديني والتغريبي أو العلماني..
تمثل رؤية البشري ـ وهو الأهم ـ مفتاحا لأي مشروع مستقبلي لصياغة حركة وطنية مصرية حقيقية جامعة، تبسط روح الاعتدال في النسيج الاجتماعي، بعيدا عن طرفي الغلو، الديني والتغريبي أو العلماني..
شارك الخبر
في الجزء الثاني من هذا التحليل، يواصل المفكر والباحث المصري جمال سلطان استعراض رؤية المؤرخ والقاضي المصري الكبير طارق البشري حول السياق التاريخي للحركة الإسلامية في مصر، مع التركيز على جذور الغلو الديني. تأتي هذه القراءة لتوضح أن الحركات الإسلامية، بما في ذلك مظاهر التطرف والغلو، لم تكن ظاهرة عشوائية أو نتيجة ظرف اجتماعي محدود، بل هي رد فعل تاريخي طبيعي على صعود التيار التغريبي والعلماني الذي هيمن على السياسة والمجتمع بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة العثمانية، وما تبع ذلك من فصل بين النضال السياسي والنضال الثقافي والحضاري.

يقدّم البشري نموذجاً دقيقاً لتفسير هذه الظاهرة، مستنداً إلى تحليل العلاقة بين الهيمنة التغريبية في الفكر والسياسة وظهور الحركات الإسلامية، ويبيّن أن الغلو الديني سيظل حاضرًا طالما استمر التغريب في السيطرة على مفاصل المجتمع والدولة. هذه القراءة التاريخية والاجتماعية تمثل مفتاحًا لفهم صعود الحركة الإسلامية عبر قرن من الزمن، وهي ضرورية لأي محاولة لصياغة مشروع وطني معتدل جامع، يوازن بين الهوية الدينية والتطلعات الحديثة، ويعيد النضال السياسي والفكري إلى مسارهما المتكامل.

النص الذي نتابعه هنا يكشف، عبر قصة الأحداث التاريخية وتحليل الشخصيات البارزة، مدى ترابط الدين والسياسة والثقافة في تشكيل تيارات المجتمع المصري، ويقدّم إطارًا أساسيًا لفهم استمرار الغلو الديني أو تراجعه في ضوء تغير مستويات التغريب أو تصاعد الحركة الوطنية الحضارية.

رد فعل على التغريب

في كتابه "الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر"، يعود البشري ليؤكد على أن ظهور الحركة الإسلامية في المجتمع المصري جاء كرد فعل على صعود تيار التغريب في السياسة والمجتمع، ومحاولة صبغ المجتمع والدولة بصبغة لا تتوافق مع هوية المجتمع وجذره الحضاري وقيمه الأخلاقية الراسخة، وهو يقرأ بذكاء شديد، أن الحركة الوطنية المصرية ونضالها من أجل التحرر طوال القرن التاسع عشر كان يمتزج فيها النضال السياسي مع الروح الإسلامية ونزعة التجديد والإحياء الإسلامي، فكان قادة النضال السياسي هم أنفسهم قادة الدفاع عن الهوية الإسلامية والجامعة الإسلامية، على النحو الذي برز بوضوح مع تجربة الشيخ محمد عبده ثم مع الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل، غير أن الأمور اختلفت كثيرا بعد الحرب العالمية الأولى (ـ 1918)، حيث انفصل التوجهان، السياسي والفكري، فأصبحت القيادة السياسية الوطنية تمضي منفصلة عن الإحياء الديني، وبدا أن النضال السياسي في طريق آخر غير طريق النضال الثقافي والحضاري، فبرز لهذا رجال ولذاك رجال، وتوافق ذلك مع إنهاء الوجود الرمزي للخلافة العثمانية، آخر ظل لسلسلة الخلافة التي حكمت العالم الإسلامي منذ عصر النبوة، واحتفال النخب العلمانية بهذا الحدث، فكان طبيعيا ، وفق سياقات التدافع التاريخي أن تنشأ قوى اجتماعية وسياسية جديدة كرد فعل على هذا التوجه، لتملأ فراغا مجتمعيا حقيقيا.

يخلص الحكيم البشري من ذلك إلى القول بأن السياق التاريخي لمصر الحديثة يوضح أن صعود الحركات الإسلامية إنما جاء كرد فعل على تصدر التيار التغريبي للعمل السياسي والعمل الفكري معا، وانفصال النضال من أجل الاستقلال السياسي عن النضال من أجل الاستقلال الفكري والهوياتي، ومن ثم يؤكد على أن هذه الجدلية ستظل قائمة طالما اتسع نطاق التغريب إلا إذا تصورنا أن مصر تحولت إلى أندلس أخرى يمحى فيها أثر الإسلام على حد تعبيره.
يوضح البشري ذلك بقوله: "مع انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918، وفي السنوات القليلة التالية، تبدل الموقف، وأهم أوجه التغيير تعلقت بثلاثة أمور، أولها ظهور ما يمكن تسميته بالوطنين المتغربين أو بالوطنية العلمانية وقيادة هذا التيار السياسي بنماذج البناء الحضارية الغربية، وبدا هذا العنصر كما لو أنه انتصار حاسم للعلمانية والتغريب ، وثانيها الغاء الخلافة العثمانية الاسلامية في تركيا ، بما أفقد الاسلامية السياسية المؤسسة المجسدة لهويتها، وثالثها تجزئة بلادنا وتقسيمها أشلاء مبعثرة بين القوى الأوربية المنتصرة.

في هذا الظرف التاريخي، وقبل أن تمضى عليه سنوات قليلة، ظهرت الحركة الاسلامية السياسية. وكانت قد انفصلت الحركة الوطنية السياسية بقيادتها، عن حركة المقاومة الفكرية والحضارية للوافد الأجنبي . فاستوجب هذا الميدان جيشا آخر وقادة آخرين. ولقد قوى المد التغريبي والعلماني بعد أن أكسبته القيادة العلمانية الوطنية شرعية الوجود في المجتمع ، وبعد أن تشكل نموذج الإحياء الوطني على وفق صيغ الغرب. فعظم الصراع واحتدم في هذا الميدان، تقاوم فيه الحضارة الموروثة عن وجودها، فكرا وعقيدة. ولقد الغيت الخلافة كمؤسسة جامعة وزالت من الوجود وتناثرت البلاد أشلاء ، فلزم لم الشمل من جديد. وليس صدقة أن تظهر الحركة الاسلامية السياسية وتنمو سريعا في مصر، البلد الذي لم تكن العروبة كدعوة جامعة قد انتشرت فيه بعد" .

يخلص الحكيم البشري من ذلك إلى القول بأن السياق التاريخي لمصر الحديثة يوضح أن صعود الحركات الإسلامية إنما جاء كرد فعل على تصدر التيار التغريبي للعمل السياسي والعمل الفكري معا، وانفصال النضال من أجل الاستقلال السياسي عن النضال من أجل الاستقلال الفكري والهوياتي، ومن ثم يؤكد على أن هذه الجدلية ستظل قائمة طالما اتسع نطاق التغريب إلا إذا تصورنا أن مصر تحولت إلى أندلس أخرى يمحى فيها أثر الإسلام على حد تعبيره.

يقول البشري: "ظهرت الحركة الاسلامية مع هيمنة التغريب وتصاعدت مع تصاعده، وهي تعتو مع عتوه، وفي إطار هذا الوعاء العام للسببية، يمكن إضافة الأسباب الأخرى المكملة (التي سبق نقض تفردها بتفسير ظهور التيار الإسلامي)، وهي ستكون صحيحة بقدر أو بآخر في هذا الحيز من الصورة العامة، ويبدو لي أن الغلو سيبقى بدرجات شتى وأشكال متنوعة وعلى فترات ممتدة أو متقطعة ما بقيت هيمنة التغريب، ولن يضعف إلا بضعفها، أو أن يلقى أي من بلادنا مصير الأندلس، وقانا الله شر ذلك المصير".

وضع البشري لظاهرة الحركات الإسلامية، والغلو الديني، في سياقها التاريخي والاجتماعي يمثل مفتاحا لفهم هذه التجربة التاريخية، والممتدة طوال قرن من الزمان وحتى اليوم، ويمثل أيضا مدخلا مهما للغاية لأي معالجة لتلك التجربة وآثارها ومستقبلها، ومعالجة ظاهرة الغلو الديني نفسها، كما تمثل رؤية البشري ـ وهو الأهم ـ مفتاحا لأي مشروع مستقبلي لصياغة حركة وطنية مصرية حقيقية جامعة، تبسط روح الاعتدال في النسيج الاجتماعي، بعيدا عن طرفي الغلو، الديني والتغريبي أو العلماني، وتناضل من أجل الاستقلال السياسي والثقافي، وتوفر طاقة القوى الوطنية للبحث عن مشروع عملي لحياة أفضل للمصريين، يمكن زرعه في "التربة" الحضارية المصرية، ويلامس هوية شعبها ومنظومة قيمه، بدلا من استنزاف الجميع في صراعات فكرية وايديولوجية مهدرة للطاقة، ومشتتة للرؤية، تقسم المجتمع، وتبعثر قواه الحية، وتباعد خطانا عن المستقبل الأرشد المأمول.


إقرأ أيضا: صعود التيارات الإسلامية في مصر كان رد فعل على الغلو التغريبي فيها (1 من 2)
التعليقات (0)

خبر عاجل