أفكَار

صعود التيارات الإسلامية في مصر كان رد فعل على الغلو التغريبي فيها (1 من 2)

يرى البشري أن العنف في الحياة السياسية المصرية كان يبرز في الفترات التاريخية التي تنسد فيها أفق السياسة الشرعية، وتعجز المنظومة السياسية عن احتواء قوى جديدة تبحث عن مكانة أو شراكة..
يرى البشري أن العنف في الحياة السياسية المصرية كان يبرز في الفترات التاريخية التي تنسد فيها أفق السياسة الشرعية، وتعجز المنظومة السياسية عن احتواء قوى جديدة تبحث عن مكانة أو شراكة..
شارك الخبر
في قراءة متأنية للتاريخ المصري المعاصر، تتجلى أهمية التأمل في صعود التيارات الإسلامية، ليس كمجرد ظاهرة دينية، بل كنتيجة مترابطة مع تحولات المجتمع والسياسة والثقافة على مدى قرن من الزمان. ويأتي نص المفكر والباحث المصري جمال سلطان، الذي تنشره "عربي21" بالتزامن مع نشره على صفحته الشخصية، ليقدّم لنا قراءة معمّقة لهذه الظاهرة، مستندة إلى تحليلات المفكر الكبير طارق البشري، الذي جمع بين خبرته القضائية العميقة، ورئاسته للجمعية العمومية للفتوى والتشريع في مجلس الدولة، وبين عمله كباحث متخصص في التاريخ المصري الحديث.

يتميّز البشري بقدرته على الجمع بين منهجية القاضي، الذي يزن الأدلة ويقيم الحوادث بموضوعية، وبين روح المؤرخ أو الباحث الذي يحاول فهم الأسباب والسياقات. من خلال هذا المزج، يقدم البشري تأملات دقيقة وعادلة في مسألة التطرف والغلو الديني، مفرّقاً بين العنف كأداة في الصراعات السياسية، والتطرف الفكري الذي قد يظهر بعيداً عن أي ممارسة عنف. ومن هذا المنظور، يصبح صعود التيارات الإسلامية في مصر، كما يوضح البشري، رد فعل تاريخي واجتماعي على موجات الغلو التغريبي التي اجتاحت المجتمع والسياسة في فترات مختلفة، بدءاً من ثلاثينات القرن الماضي حتى اليوم.

النص الذي نعرضه هنا هو الجزء الأول من قراءة جمال سلطان لتأملات البشري، حيث يقدم نماذج تاريخية وشخصية، مثل قصة الشيخ علي الغاياتي، لتوضيح منطق الحركة الإسلامية الداخلية وفهم دوافعها في مواجهة موجات التغريب العلماني والاجتماعي. ومن خلال هذه المقاربة، يتضح أن الغلو الديني ليس ظاهرة منفصلة أو حادثاً عرضياً، بل تفاعل معقد بين الهوية، والسياسة، والثقافة، والتاريخ الاجتماعي، ما يجعل قراءة الظاهرة ممكنة فقط من خلال وضعها في سياقها التاريخي الكامل.


قراءة في رؤية المؤرخ طارق البشري للسياق التاريخي للحركة الوطنية المصرية

يتميز المفكر الكبير طارق البشري بمزجه بين خبراته كقاض كبير عميق الخبرة، ورئيس للجمعية العمومية للفتوى والتشريع في مجلس الدولة، وبين عمله الفكري كباحث متخصص في التاريخ المصري الحديث، فتأتي تأملاته في الأحداث والأفكار والقضايا شديدة الدقة، وعميقة الرؤية، وأقرب للإنصاف، وأبعد عن التحامل أو الميل أو الغرض، فهو يقرأ الحادث التاريخي ويتأمله بروح القاضي، وبخبرة المؤرخ أو الباحث التاريخي، ويضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي، وهكذا فعل في حديثه عن ظواهر التطرف والغلو والعنف والتشدد الديني التي برزت على سطح الأحداث منذ قرابة قرن من الزمان وحتى اليوم.

في كتابه المهم "الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر"، فرق الحكيم البشري بين مصطلحي "التطرف" و"العنف"، حيث يخلط كثيرون بينهما، ورأى أن العنف هو أداة في الصراعات السياسية، ليست متصلة بالتطرف، فقد تقع حتى مع قوى معتدلة، كما أن التطرف ليس لصيقا بالعنف، فقد يكون هناك التطرف الفكري بعيدا عن أي عنف عملي أو سياسي، ويضيف موضحا ذلك من سياق التاريخ المصري الحديث قائلا : " فحزب الوفد في مصر مثلا لم يعتبر متطرفا رغم أنه شكل تنظيما سريا يمارس العنف في ثورة ۱۹۱۹ . ولا نكاد نرى اختلافا في الطبيعة السياسية للوفد من حيث الاعتدال أو التطرف ، عندما وجد هذا التنظيم السرى أو بعد تصفيته. والثورة الصينية لم تعتبر متطرفة لمجرد أنها أمسكت السلاح حتى انتصارها في ١٩٤٩".

يقدم البشري رؤيته للسبب الرئيس والجوهري لظهور الغلو والتشدد في الحالة الدينية الإسلامية، وأيضا ظهور الحركات الإسلامية، ويقرر بوضوح أنه غلو ولد كرد فعل على الغلو العلماني التغريبي الذي اجتاح المجتمع والسلطة، وأن هذا الغلو الديني سيظل حاضرا في المجتمع طالما وجد الغلو التغريبي ومعاندته لهوية الأمة وعمقها الديني والحضاري.
ويرى البشري أن العنف في الحياة السياسية المصرية كان يبرز في الفترات التاريخية التي تنسد فيها أفق السياسة الشرعية، وتعجز المنظومة السياسية عن احتواء قوى جديدة تبحث عن مكانة أو شراكة، ويقول : "موجات النشاط السياسي المطبوع باستخدام العنف ، قد تكررت في مصر في ۱۹۱۰ -۱۹۱۲ ، ۱۹۱۹ ، ١٩٤٦ - ١٩٤٨. وهي بعينها الفترات التي لم تتح المؤسسات الرسمية والشرعية فيها للمعارضة امكانيات الظهور والتأثير بالقدر المناسب لحجم المعارضة الحاصلة. والجدير بالملاحظة هنا أن استخدام العنف لم يكن بالضرورة واللزوم ، صنيع التيارات الأكثر تطرفا من الناحية السياسية. وقد مورس أحيانا من جماعات محدودة مغلقة لا ترتبط تنظيميا بحزب أو تيار أساسي".

ويلاحظ هنا أن تلك الفترات التي أشار إليها البشري بظهور أعمال عنف سياسي، بعضها لم يكن قد عرف مولد الحركات الإسلامية بمفهومها المعاصر، منذ نشأة جماعة الإخوان وما بعدها، كما أن بعض ذلك العنف وقع من قوى سياسية مدنية غير دينية.

ثم يحلل البشري بدقة شديدة بروز ظواهر الغلو الديني في الحالة الإسلامية، ويناقش أسبابها المطروحة، وينقد طرحها كسبب وحيد أو حتى جوهري للظاهرة، فهو ينقض إعادة سببها إلى الفقر والمعاناة في المجتمع، بسؤال بديهي: ولماذا لم يتجه الشباب إلى تيارات الغلو العلماني أو اليساري مثلا؟ كما ينقض طرح بعض الإسلاميين لأن ظهور التطرف سببه التعذيب في سجون عبد الناصر، طارحا حقيقة أن التطرف ظهر في أفواج من الشباب في أوقات لاحقة لم تعرف التعذيب ولا عانت من السجون، كما ينقض فرضية أنها ظهرت بعد هزيمة يونيو 1967 وأن الجيل الجديد قال أن التجربة الاشتراكية فشلت كما فشلت الليبرالية فلماذا لا نجرب الإسلام، ويرى أنها فرضية غير صحيحة تاريخيا لأن التيار الإسلامي ظهر قبل النكسة، وإعدام سيد قطب حدث قبلها.

والبشري لا ينفي تأثير تلك الأسباب كلها، ولكنه يرى أن تأثيرها فرعي، أو أنها أسباب ثانوية لظهور الغلو الديني، وليست السبب الرئيسي.

ثم يقدم البشري رؤيته للسبب الرئيس والجوهري لظهور الغلو والتشدد في الحالة الدينية الإسلامية، وأيضا ظهور الحركات الإسلامية، ويقرر بوضوح أنه غلو ولد كرد فعل على الغلو العلماني التغريبي الذي اجتاح المجتمع والسلطة، وأن هذا الغلو الديني سيظل حاضرا في المجتمع طالما وجد الغلو التغريبي ومعاندته لهوية الأمة وعمقها الديني والحضاري.

البشري يضرب لنا نموذجا من قراءته التاريخية، لشخصية سياسية وصحفية مصرية شهيرة، وتقلباتها الفكرية والسلوكية، وكيف أنها هاجرت من مصر بسبب التهديد السياسي فعاشت في أوربا وتزوجت من أوربية ومارس صاحبه حياته كالأوربيين، لكنه عندما عاد إلى مصر بعد سنوات طويلة، ووجد فيها موجات التغريب وقد اجتاحت المجتمع، عاد إلى لبس زيه المحلي القديم "الجبة والقفطان"، وألزم زوجته الأوربية بالحجاب بل بالنقاب، وتحول إلى حالة من التشدد الديني والغلو في الموقف الاجتماعي ، ليخلص البشري من ذلك إلى القول بأن ما حدث لهذه الشخصية كان رد فعل على الغلو العلماني الذي ساد في المجتمع والحياة السياسية معه، وشكل له صدمة هوياتية.

يرى البشري أن العنف في الحياة السياسية المصرية كان يبرز في الفترات التاريخية التي تنسد فيها أفق السياسة الشرعية، وتعجز المنظومة السياسية عن احتواء قوى جديدة تبحث عن مكانة أو شراكة، ويقول : "موجات النشاط السياسي المطبوع باستخدام العنف ، قد تكررت في مصر في ۱۹۱۰ -۱۹۱۲ ، ۱۹۱۹ ، ١٩٤٦ - ١٩٤٨.
يقول البشري: "وفي هذا الصدد تحضرني قصة الشيخ على الغاياتي. كان شابا أزهريا يعالج الشعر، انتقل من بلده دمياط الى القاهرة في طلب العلم . فعرف صحيفة اللواء في ۱۹۰۷ واتصل بمحمد فريد وعبد العزيز جاويش. ومع تصاعد الحركة الوطنية فى ۱۹۱۰، جمع من شعره ما أصدر به ديوانا اسماه (وطنيتي)، وكتب مقدمته محمد فريد، فقبض على محمد فريد وهرب الغاياتي الى تركيا ثم سويسرا، حيث بقى سبعا وعشرين سنة تزوج خلالها من فرنسية وعاش عيشة أوروبية خالصة. وأصدر مجلة (منبر الشرق)، وعلا نجمه حتى صار ذا صلات واسعة بدوائر السياسة والاعلام الأوروبية.

عاد الغاياتي إلى مصر في ۱۹۳۷ فماذا حدث، لم يلبث طويلا حتى عاد الى الجبة والقفطان يرتديهما وإلى العمامة يلبسها. وأطلق لحيته وإعاد إلى اسمه: الشيخ على الغاياتي، وألزم زوجته الفرنسية عادات سيدات الشرق تحجبا وتنقبا . ماذا حدث؟ يوضح ذلك أحمد حسين بقوله إن الرجل تحرك حركة عكسية لما شاهد بلده يتحرك إليه، رأى الانحلال فسلك إلى التحفظ ، ورأى اندفاع الثلاثينات فى مصر إلى اللادينية فاستمسك بالدين ، ورأى الاباحية تتشح بالتطور فهتف: إني رجعي... والحق أن الرجل كان عنيدا مقاوما . لقد قبل الأوروبية في أوروبا ومارسها إلى حد الزواج. ولكن لما عاد يطلب بلده لم يجده، ووجده أوروبا نسخة مقلدة أمامه. لم يعد إلى مصر، بل هاجر إليها، وربط بهذا كل ما شاهده في النسخة المقلدة، من زيف وميوعة".

يعلق البشري على قصة علي الغاياتي قائلا: أكتفى بهذه القصة لبيان ما أريد الاشارة اليه، في فهم المنطق الداخلى للحركة الاسلامية التي تصاعد نموها في مصر في تلك الفترة عينها".

ونستكمل الرحلة مع "الحكيم" البشري غدا بإذن الله..
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل