قضايا وآراء

إسرائيل وتدوير التحالفات

نبيل السهلي
1300x600
1300x600

مع استمرار كفاح الشعب الفلسطيني بأشكال متعددة ضد الاستعمار الإسرائيلي وسياساته ومعالمه المختلفة، تبرز أسئلة حول استمرار إسرائيل كنظام أبارتايد على حساب الوطن الفلسطيني؛ حيث سعت منذ إنشائها قبل أربعة وسبعين عاماً (1948- 2022) إلى تدوير تحالفاتها واستحضار حليف له وزنه في إطار العلاقات الدولية؛ وذلك بغية المزاوجة بين إمكاناتها الذاتية وبين الدعم الخارجي لها وتعزيز شكل من أشكال القوة، واستثمار تلك القوة في اتجاهين؛ ويتمثل الاتجاه الأول في محاولة استكمال بناء المؤسسات الإسرائيلية مع مرور الوقت؛ والعمل على توفير المقومات الاقتصادية والبشرية والعسكرية الضامنة لبقاء واستمرار إسرائيل كدولة غير طبيعية في المنطقة العربية أنشأها الغرب؛ أما الاتجاه الثاني فيكمن  في استحضار القوة للتصدي لما تسميه إسرائيل بالتحديات الخارجية ؛ إشارة إلى الخوف الإسرائيلي من القوة العسكرية العربية.

تغير البوصلة 

قبل الخوض في تحالفات إسرائيل وتغيير بوصلتها، يمكن الجزم بأنها صنيعة غربية بامتياز؛ فقد اتجهت  إسرائيل إلى التحالف بدايةً مع فرنسا في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين كمصدر أساسي لتسليح جيشها، كما استطاعت إسرائيل بناء علاقة وطيدة مع ألمانيا الغربية سابقاً، واستفادت من الدعم الألماني المتميز في المجالات العسكرية والاقتصادية حتى منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، وقد سبق تلك العلاقات اعتماد الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل على الدعم البريطاني في المجالات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية. 

وبعد إنشائها في عام 1948 استطاعت إسرائيل استحضار حليف قوي، كان بداية مع كل من بريطانيا وفرنسا، وتالياً استحضار الحليف الأمريكي القوي ، حيث تميزت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها علاقة خاصة بالمقارنة مع علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول الأخرى في العالم ، وظهرت المساعدات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة لإسرائيل على أنها السمة الأساسية في إطار العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؛ ويكمن السبب في رسم تلك العلاقات في الدور الذي تقوم به إسرائيل في إطار المصالح الأمريكية السياسية والإستراتيجية في الشرق الأوسط من جهة ،فضلاً عن نشاط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية ودوره في المحافظة على التأييد الأمريكي لإسرائيل في كافة المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية من جهة أخرى.

التحول الكبير

تعتبر حرب حزيران/ يونيو في عام 1967 تحولاً نوعياً وحداً فاصلاً بين المرحلة التي كانت فيها إسرائيل تلعب دوراً هاماً في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والمرحلة التي أصبحت فيها إسرائيل تلعب الدور الجوهري في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي ترك بصماته على علاقات الولايات المتحدة المتميزة وغير العادية مع إسرائيل. 

ومن الأهمية الإشارة إلى أن إسرائيل قد مولت حروبها وعدوانها على الدول العربية بالاعتماد على المساعدات الأمريكية السنوية اللوجستية والطارئة، وهي بالتالي أي الولايات المتحدة تعتبر شريكاً لإسرائيل في إرهابها وعدوانها وقتلها للأطفال والشيوخ والنساء العرب  وخاصة بعد عام 1967. 

 

تعتبر حرب حزيران / يونيو في عام 1967 تحولاً نوعياً وحداً فاصلاً بين المرحلة التي كانت فيها إسرائيل تلعب دوراً هاماً في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والمرحلة التي أصبحت فيها إسرائيل تلعب الدور الجوهري في إطار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي ترك بصماته على علاقات الولايات المتحدة المتميزة وغير العادية مع إسرائيل.

 



وقد شكلت المساعدات الأمريكية لإسرائيل أحد أهم وابرز مؤشرات العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فتجاوبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1967 مع الإستراتيجية التي تقوم على تطوير التحالف مع إسرائيل وترسيخه في مختلف الميادين السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والدبلوماسية، وقد تجلى ذلك بالدعم الأمريكي لإسرائيل في أروقة المنظمة الدولية واستخدام حق النقض الفيتو ضد أية محاولة لإصدار قرار يدين ممارسات إسرائيل واعتداءاتها المتكررة على الدول العربية، وذهبت الإدارات الأمريكية الى أبعد من ذلك في إفشال إصدار أي قرار دولي يدين الأعمال التعسفية لإسرائيل في المنطقة. 

وقد توضح التوجه الأمريكي لدعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً خلال العقود السبعة الماضية من العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، ومن أهم ملامح الدعم الأمريكي لإسرائيل في المستوى السياسي والدبلوماسي دعمها الدبلوماسي والسياسي لإسرائيل سياسة الضغط المستمر على المنظمة الدولية التي أجبرت على إلغاء القرار الدولي الذي يوازي بين العنصرية وإسرائيل، بيد أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل برزت بكونها السمة الأهم في إطار الدعم الأمريكي لإسرائيل، فحلَت تلك المساعدات العديد من الأزمات الاقتصادية الإسرائيلية مثل التضخم في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، كما حدت من تفاقم أزمات اقتصادية أخرى، ناهيك عن أثرها المهم في تحديث الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتجهيزها بصنوف التكنولوجيا الأمريكية المتطورة، من طائرات وغيرها، وبالتالي تمويل العدوان الإسرائيلي على الدول العربية.

الحليف الأهم

تعتبر إسرائيل الحليف الاهم للولايات المتحدة الأمريكية في إطار علاقاتها الدولية؛ وتجلى ذلك من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإسرائيل؛ وقد شكلت المساعدات الأمريكية لإسرائيل الحلقة الأبرز؛ وتبعاً لذلك بلغت قيمة المساعدات الأمريكية اللوجستية الحكومية التراكمية لإسرائيل، وكذلك المساعدات الطارئة ، خلال الفترة (1948- 2021 ) إلى (140) مليار دولار، منها نحو (60) في المائة هي نسبة على شكل مساعدات العسكرية، و(40) في المائة كمساعدات اقتصادية. 

والملاحظ أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل كانت اقتصادية بمجملها قبل عام 1967. ومن المقدر أن تصل قيمة المساعدات الأمريكية الحكومية التراكمية المباشرة لإسرائيل إلى (167) مليار دولار  بحلول عام 2030؛ وإذا احتسبنا المساعدات غير المباشرة من الولايات الأمريكية وكذلك مساعدات الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل السنوية، فان قيمة المساعدات الأمريكية الإجمالية المباشرة وغير المباشرة ستصل إلى نحو (210) مليار دولار أمريكي بحلول العام المذكور؛ وقد استطاعت إسرائيل منذ نشأتها في عام 1948 استحضار حليف قوي في إطار العلاقات الدولية؛ وكان التحول الكبير في الاتجاه الأمريكي بعد عدوان حزيران/ يونيو 1967، لكن لا بد من الإشارة إلى أن استمرار العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية سيبقى مرهوناً بمدى الدور الرئيسي الذي تلعبه إسرائيل في إطار المصالح الأمريكية والغربية في منطقة الشرق الأوسط؛ فهي اولاً وأخيرا صناعة غربية في قلب الوطن العربي. 

*كاتب فلسطيني مقيم بهولندا 


التعليقات (0)