قضايا وآراء

بوادر "ثورة ثانية" في تونس

1300x600
تَجدَّد انطلاقُ الاحتجاج الاجتماعي مرة أخرى من مناطق الظل في تونس: اندلع من ولاية "القصرين" في وسط البلاد، وامتدّ إلى أحياء العاصمة تونس. فهل معنى هذا أن التاريخ يُعيد نفسه، كما يُقال؟

لا أحد يستطيع استشراف إلى أين تتجه موجه الاحتجاج التي تعرفها تونس منذ أيام، ما هو واضح  وغير موضوع خلاف من قبل كل مكونات المجتمع التونسي أن ثمة قضايا بنيوية كانت في أصل اندلاع "الثورة الأولى"، التي أطاحت بالنظام السابق وفتحت طريق الانتقال إلى الديمقراطية، وقد تفضي اليوم، إن لم تُتخذ إجراءات فعالة لمعالجتها، إلى "ثورة ثانية" لا تُعرف قَسماتُها،  وأبعادها على وجه اليقين. 

يسجل لـ "ثورة الياسمين" التونسية أنها أول من كسّر جدار الخوف وفتح طريقَ ما سُمي "الثورات العربية"، وقد انحصرت روحُها في قضيتين محوريتين: الحرية والعدالة الاجتماعية. ويُسجّل لها أيضا أنها ظلت عموماً ثورةً مدنيةً سلميةً، حافظت على كيان الدولة، والمؤسسات، وحقنت الكثير من الدماء، وأرست ، بالحوار والتوافق، أسس بناء جديد لشرعية السلطة والدولة. غير أن الثورة، أية ثورة، تحتاج، كي تحافظ على شرعيتها، إلى إقناع الناس بأن شروط الحياة من حولهم بدأت في التغيّر بفضلها، وبفعل ما قامت، أي الثورة، من أجله، والحال هنا إطلاق الحريات، وردم الفجوات بين المناطق والمحافظات، وبين شرائح المجتمع ومكوناته.

 لم يتردد كثير من المواطنين في خضمّ الاحتجاج الذي انطلق من ولاية "القصرين" في التشديد على أن مناخ "ثورة الياسمين"، هو ذاته الذي يعيشونه، ويلمسون وقعه على معيشهم: عطالة الشباب، لاسيما حاملي الشهادات، غلاء المعيشة، تدني القدرة الشرائية، عدم الشعور بالأمن، والخوف من المستقبل. بيد أن هذا المناخ، وهنا يكمن وجه المفارقة، كان محصلة أداء نظام عَمّر عُقوداً، وأبان عن فساد نُخبته وقادته، فوجبت الإطاحة به، وهذا ما حصل في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير 2011، بينما تَجدُّد هذا المناخ في ظل سيرورة الانتقال الديمقراطي يطرح أكثر من سؤال واستفهام عن مقاصد الثورة ورهاناتها وآمالها: أين هي، ولماذا لم تتحقق؟ فهل يحتاج التونسيون لثورة ثانية كي يُنجزوا أهداف الثورة الأولى، التي ظلت في تقدير الكثير منهم، معلقة غير مُنجزة؟ 

كنت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد أشرت في إحدى مقالاتي الأسبوعية في صحيفة "عربي21" إلى الكلفة الاقتصادية للانتقال الديمقراطي في تونس، وشددت على أن سيرورة الدّمقرطة تحتاج كي تنجح إلى انتعاش اقتصادي، ومناخ سليم ومشجع للتجارة والاستثمار، وإن كان واقع الحال في تونس لا يدعو إلى الارتياح، حيث وصل متوسط المعدل الوطني للبطالة 16 في المائة، وتراوح في بعض المحافظات الهشّة ما بين 35% و40%. لذلك، كان طبيعيا أن تتجدد الاحتجاجات في تونس للتنبيه إلى أن مطالب الثورة لم تتحقق، وأن الإنجازات السياسية الخاصة بصياغة الدستور وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية غير كافية لضمان استمرار التفاف قطاعات واسعة من المواطنين حول الآفاق التي فتحتها "ثورة الياسمين".

 ثمة قراءتان لما آلت إليه أوضاع تونس بعد مرور خمس سنوات على ثورتها: قراءة النخبة الحاكمة، التي ترى في الظروف العامة التي تعيشها تونس عائقا موضوعيا حال بينها وبين تعزيز الانتقال الديمقراطي بتطوير الاقتصاد، وتحقيق تنمية فعلية تتجاوز الاختلالات وتصوغ علاقة ولاء جديدة مع المواطنين.

وقراءة أخرى عبر عنها المجتمع المدني، وهو الآن يرفع شعاراتها في حراكه واحتجاجاته، مفادها أن أهداف الثورة تمّ خذلانها، وأن النخبة السياسية التونسية بتنوعاتها تعيش وضعاً مرتبكا، وأنها غير قادرة على وضع إستراتيجية قادرة على صياغة حلول فعالة ومُجدية للاختلالات البنيوية التي تركها النظام القديم، وفي صدارتها البطالة، والتفاوتات المجالية، وتراجع مستوى العيش لقاعدة واسعة من المواطنين.

ليس ثمة شك أن لرؤية المجتمع المدني قدراً كبيراً من الوجاهة، وأن النخبة السياسية التونسية، وعلى الرغم من الكثير من الممارسات الإيجابية التي سُجلت لصالحها منذ انطلاق الانتقال الديمقراطي، ما زالت تشكو من العديد من النقائص الذاتية التي أعاقت طموحاتها في الاستجابة الفعلية والملموسة لتطلعات المواطنين الذين راهنوا على ثورتهم، وتفاعلوا إيجابياً معها. بيد أنه إلى جانب هذا، هناك معطيات موضوعية لعبت، هي الأخرى، أدواراً مفصلية في الفجوة الحاصلة بين الإنجازات الدستورية والمؤسساتية التي ظفرت بها تونس خلال الخمس سنوات المنصرمة، وضعف توطيد هذه المكاسب المهمة بمبادرات ومشاريع اقتصادية واجتماعية من شأنها تعميق الثقة في روح الثورة والمشروع الوطني الذي تروم الوصول إليه. لعل أبرزها وجود محيط جهوي وإقليمي غير مشجع على النهوض الاقتصادي في تونس، وأيضا تزامن الثورة التونسية مع الأزمة المالية الدولية منذ العام 2008، وما ترتب عنها وصاحبها من انكماش اقتصادي في مناطق كثيرة من العالم. 

وإذا أضفنا إلى هذه الاعتبارات تفاقم الوضع الأمني، وتوسع دائرة الإرهاب الذي ضرب تونس أكثر من مرة، وأضر بأهم قطاع حيوي لاقتصادها ودخلها الوطني، أي السياحة، نُدرك حجم الصعوبات التي تعترض سيرورة الانتقال الديمقراطي في تونس.

يحتاج الانتقال الديمقراطي، كما خبرتنا بذلك تجارب الانتقال في العالم خلال الربع الأخير من القرن الماضي، إلى دعم جهوي وإقليمي، وإلى التفاف داخلي، وكذلك إلى اجتهاد خلاق من قبل النخبة القائدة لمساره. لنتذكر، على سبيل المثال، الظروف التي دعمت الدول الثلاث المتأخرة ديمقراطيا في جنوب أوروبا خلال سبعينيات القرن الماضي، أي البرتغال وإسبانيا واليونان. فقد اعتبرت الجماعة الأوروبية، قبل أن تصبح اتحاداً، جذب هذه الدول إلى دائرتها مسؤولية جماعية، ورصدت لذلك كل الإمكانيات والوسائل.. إن تونس في حاجة إلى استراتيجية من هذا النوع كي تُنجح ثورتها، وتتجنب حصول ثورة ثانية على عدم وفاء الأولى بوعودها.