كتب

نقد العقل الإسلامي العَصِيِّ على تبنِّي الحداثة.. قراءة في كتاب

تلتقي مختلف الخطابات الأيديولوجية العربية على أن مشكلة العرب والمسلمين الأولى هي الغرب.
الكتاب: الإسلام والعصر الحديث -نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح
الكاتب: الدكتور محمد الحداد
الناشر: دار التنوير للطباعة و النشر، تونس الطبعة الأولى 2022، (242 صفحة من القطع الكبير)

يسلط هذا الكتاب الأضواء على فترات معينة من تاريخ الإسلام، لا سيما أن الأستاذ  الجامعي محمد الحداد، من خلال الحفريات التي قام بها في الطبقات التأويلية التي تراكمت حول هذا التاريخ، وبحثه في وضعية الإسلام في العصر الحديث وعلاقته بالمحيط الذي تعامل معه، يقدم تشريحا نقديا للسرديات التي تشكلت على المدى الطويل الذي استغرقه هذا التعامل، فهو جزء من مشروع نقد العقل الإسلامي من موقع تاريخي تأويلي، يتجاوز السرد التاريخي من جهة، والنقد الفلسفي المجزء من جهة أخرى، لكنه يستفيد منهما أيضا لتقديم قراءة حضارية جامعة، تسعى إلى كشف معضلات هذا العقل والعوائق التي تكتله، وتحول دون أن يصبح فاعلا في الحضارة الجديدة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

يبدو تاريخ الإسلام في العصر الحديث دورات طويلة من العنف تقابلها دورات قصيرة ومترددة من الإصلاح، ولقد كان  من أكبر مساوئ السرديات النمطية السائدة، أنها جعلت هذا العقل الإسلامي لا يميز بين القوة والعنف، فيظل يمارس العنف وهو يتمثل القوة، فتأتي النتيجة مزيدا من الضعف، يقابلها مزيد من العنف، وهكذا دواليك. ولم تبدأ دورات العنف المتعاقبة مع تفجيرات أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، لقد بدأت قبل ذلك بقرون، منذ أن فقد المسلمون الوسائل الحقيقية للقوة، أي العلم والتقنية والإبداع الفكري والإدارة الناجعة والردع العسكري.

والمشكل الأكبر أن الثقافة الإسلامية قد بنيت على القوة، حتى إن عالم الاجتماع الكبير ماكس فيير صنف الإسلام على أنه "ديانة المحاربين". فلما فقدت هذه الثقافة وسائل القوة، تحولت إلى مخزون من العنف: عنف ضد الآخر، لكنه عنف ضد الذات خاصة. فهو عنف موجه للمختلف والمخالف والمرأة والمثقف والمبدع والمصلح والمجدد، وطالما بقيت تلك السرديات راسخة، مبثوثة في ثنايا كتب التاريخ الرسمية والموازية، وفي الخطابات الدينية السائدة، وفي كتب الأدب شعرا ونثرا، فإنَّ الثقافة السائدة ستعيد إنتاج النمط نفسه إلى ما لا نهاية.

والنتيجة أن هذه الثقافة لن تكون "ديانة المحاربين" فحسب، بل ديانة المحاربين المنهزمين على الدوام. فالثقافة السائدة لا تحث على التقدم في العلوم والآداب والإدارة، وإنما تطلب القوة منظورا إليها من خلال عناصرها القديمة، القوة الجسدية التي تتمثل أساساً في هيمنة الرجل على المرأة، والمسلم على غير المسلم، في حين أصبحت القوة بالمعنى.

في هذا الكتاب الجديد، الذي يحمل العنوان التالي: "الإسلام والعصر الحديث: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح"، ويتكون من مقدمة طويلة: إصلاح الثقافة العربية، ومن قسمين كبيرين، وخاتمة، ويتضمن حوالي 248 صفحة من القطع الكبير، وطبعته دار الأنوار للطباعة والنشر بتونس في عام 2022، يحدّد فيه الأستاذ الجامعي التونسي الدكتور محمد الحداد، خريج جامعة السوربون في عام 1994، أطروحته الرئيسية حول قانون الهزيمة الدائمة التي يدافع عنها في هذا الكتاب، ويمكن اختصارها على النحو الآتي:

أ ـ كل المجتمعات الإسلامية فاقدة للقوة التي أصبحت قائمة على العلم والتكنولوجيا.

ب ـ غياب القوة مع تواصل ثقافة القوة (الجهاد، الثورة، المزايدات والشعارات بمختلف أصنافها، إلخ)، يؤدي إلى تنامي إنتاج العنف الذي هو غير القوة.

ج ـ ممارسة العنف تتخذ مطية وذريعة للأقوياء لمزيد إضعاف فاقدي القوة الحقيقية والسيطرة عليهم.

هذا هو قانون الهزيمة الذي يبدو متواصلا منذ قرون. وقد أعاد القرن الحادي والعشرون مناخ تلك القرون، وأحيا سردياتها الكبرى كما رسخت في الوعي السائد، وكما حللها في هذا الكتاب. 

ومن الواضح أن الهدوء الذي ساد في أثناء الحرب الباردة قد انتهى، ليفسح المجال مجددا للسياسات الصدامية. وكانت المقابلة (إسلام /غرب) قد خف حضورها بالمقارنة بالصراع بين الكتلة الرأسمالية والكتلة الشيوعية، لكن مع ألم القطب الواحد، تبدو هذه المقابلة وكأنها تعود في قوتها السابقة، بعد تلك الهدنة النسبية التي ساهمت عوامل عديدة في إحلالها، من الحرب الباردة إلى الحوار المسيحي الإسلامي، مرورا بثقافة ما بعد الحداثة المرتكزة على مبدأ النسبية والتعادلية.

واقعية التاريخ بديلا عن أسطورة الطوفان

ولدت النهضة العربية الأولى وقد تبنت ثقافة التنوير الأوروبية والليبرالية الكلاسيكية، لكنَّ القرن العشرين كان قرن سيطرة الإيديولوجيا الاشتراكية، واتجاه الفكر العلماني العربي صوب الاشتراكية، بل الفكر الديني أيضا يبدأ أولى محاولات التوافق بالأيديولوجيا الجديدة؟

يقول الدكتور محمد الحداد في المقدمة: "كان القرن العشرون المنقضي قرن الاشتراكية، بدأ بثورة أكتوبر 1917 وانتهى بسقوط حائط برلين أواخر سنة 1989، ثم تتحول الثقافة العربية خلاله إلى ثقافة اشتراكية، بل أمضت القرن تجادل حول التوافق أو التعارض بين الاشتراكية والإسلام والتراث القومي، وسقطت الاشتراكية قبل أن تحسم الجدل، ترعرع الحلم بثورة على النمط الروسي أو الصيني تختصر في سنوات مسار التحديث الصناعة والاجتماعي، لكن الحاصل لم يتجاوز الانقلابات العسكرية المتتالية.

طال الانتظار للقائد الأب البطل، على نمط ستالين في معركة ستالينغراد أو غيفارا في أدغال جنوب أمريكا أو هوشي منه في حرب فيتنام، فتعاقبت الهزائم إلى سقوط بغداد يوم 9 نيسان / أبريل 2003. الرداء الأحمر ينتزع اليوم عن ستالين ليصبح في نظر الأجيال الروسية الجديدة بطلا قوميا يذكرهم بمعركة ستالينغراد، والساحة الحمراء في بكين أصبحت رمز الرأسمالية الصينية الضاربة، وشي غيفارا أضحى معبد المراهقات والمراهقين في الحركات المناهضة للعولمة في الغرب. أما الثقافة العربية، فبأي ذكرى ستحتفظ عن عصرها الثوري "المجيد"؟ (ص 14).

ولدت النهضة العربية الأولى وقد تبنت ثقافة التنوير الأوروبية والليبرالية الكلاسيكية، لكنَّ القرن العشرين كان قرن سيطرة الإيديولوجيا الاشتراكية، واتجاه الفكر العلماني العربي صوب الاشتراكية، بل الفكر الديني أيضا يبدأ أولى محاولات التوافق بالأيديولوجيا الجديدة.
انتهى عصر الثورات الاشتراكية ولم يتحقق في المجتمعات العربية ما دعته مي زيادة "تعديل الاجتماع الإنساني"، ولم تغنم منه هذه المجتمعات لا صناعات ثقيلة ولا ثورات اجتماعية ولا ملاحم عسكرية. المكسب الوحيد الذي تقاسمته الثقافة العربية مع الثورية الاشتراكية في العالم، هو تغييب الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم تحتفظ من كل مؤلفات ماركس ولينين إلا بالفصول التي تصف الديمقراطية وحقوق الإنسان بالحقوق البرجوازية الصورية (ومنها حق التدين وممارسة الشعائر الدينية).

في دراسة لمقولة واقعية التاريخ، يبدأ الدكتور محمد الحداد تحليله بسؤال ما مستقبل الثقافة العربية؟

ويضمر سؤالا أكثر خطرا: هل للثقافة العربية مستقبل؟ لكنهما في الواقع سؤال واحد. فالثقافة العربية أمام مفترق طريق: إما أن تظل على هامش العصر، تطلب الكمال، تتعبد بالخصوصية، تنظر باتجاه السماء، تجادل القرن القادم حول التوافق بين الديمقراطية، والتراث والدين كما أمضت القرن المنصرم تجادل حول التوافق بين الاشتراكية والإسلام، أو أن تدخل العصر وتفكر من داخل الحداثة، وتعيد صياغة نفسها صياغة حديثة.

ليس أغرب في تاريخ البشرية المسلمة، من الفترة الفاصلة بين القرن السادس عشر والقرن العشرين. في نهاية القرن الخامس عشر، كانت الدول الثلاث الأقوى في العالم القديم هي دول المينغ في الصين، ودولة المغول المسلمين في الهند، والدولة العثمانية في الأناضول وشرق المتوسط. في القرن السادس عشر، كان الجيش العثماني الأقوى بين جيوش العالم، وتقدم نحو أوروبا حتى بلغ أسوار فيينا. وفي القرن الخامس عشر، ظهرت حوالي 90 إمبراطورية كبرى وصغيرة جاءت وذهبت أدراج الرياح. كانت هناك ثلاثة أنظمة عالمية فقط، كلها نشأت في الغرب، هي الإمبراطورية الآيبيرية بعد عام 1494، وتلتها الإمبراطورية البريطانية منذ عام 1815ولغاية 1945، وعالم واشنطن منذ عام 1945 لغاية عام 2030، الذي يطلق عليه النظام العالمي الليبرالي الأمريكي.

في السابع عشر، تعادلت موازين القوى بين أوروبا وحضارات الشرق مع تفوق أوروبي في المجال البحري. وفي القرن الثامن عشر أصبح العالم كله يعيش تحت الضغط الأوروبي، ثم في القرن التاسع عشر تحت وصايته.

ومع ذلك، نرى أن هذا التحول الرئيسي الذي حصل في التاريخ، والذي نعيش آثاره إلى اليوم، بدا ثانويا في نظر الثقافة العربية السائدة، التي فضلت أن تقف بنظرها على ما حدث في القرن السابع الميلادي (الأول من الهجرة)، أي سقوط الإمبراطورية الفارسية وضمور الإمبراطورية البيزنطية بقيام الدولة الإسلامية، ليس المقصود نفي أهمية هذا الحدث الثاني، لكن سبب التعجب يعود إلى ما يلي، حسب قول الدكتور محمد الحداد:

"أولا؛ إن شدة الاهتمام بفترة ظهور الإسلام لا يوازيه إلا شدة الإصرار على إخراجها من دائرة المساءلة التاريخية، باعتبارها فترة ذات رمزية دينية، لتتصور ما يكون اليوم مصير مؤرخ يطبق التقنيات التاريخية الحديثة، ليكتب أطروحة بلغة من اللغات المستعملة في العالم الإسلامي، موضوعها عمر بن الخطاب وعهد حكمه. هذه الفترة التاريخية بقيت خاضعة لأدب السير دون مناهج التاريخ. والمفارقة أن ما قبل الإسلام لا يعتبر جديرا بالبحث لأنه جاهلية، وعهد النبوة والخلافة الراشدة لا يخضع للمساءلة لأنه تاريخ مقدس، وما بعد ذلك يعتبر روايات قصاص لا قيمة لها أو أنها لا تمثل إلا انحرافا عن الرسالة. فماذا يبقى حينئذ للتاريخ؟

"ثانيا؛ إن هذه الفترة الممنوعة عن التاريخ تستعمل حجابا يصد دون الاهتمام بالفترة الفاصلة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، فالتاريخ الإسلامي، في وعي أصحابه، يقفز فجأة من النبوة المحمدية وخلافة الراشدين إلى الاستعمار في القرن التاسع عشر، مع معرفة سطحية بالقرون الثامن إلى الثاني عشر، مستمدة في الغالب من كلاسيكيات الأدب العربي (وهي نصوص لم تكتب طبعا للتاريخ)، وقراءة إسقاطية لعهد الحروب الصليبية التي ينظر إليها على أنها الصورة الأصلية للاستعمار الحالي، يبين حينئذ لماذا يكون التاريخ في الوعي السائد مسلسل حروب وعنف وأشعار هجاء ورثاء وخطابة على المنابر.

"ثالثا؛ تلتقي مختلف الخطابات الأيديولوجية العربية على أن مشكلة العرب والمسلمين الأولى هي الغرب، لكن الغرب مفهوم لا وجود له في القرن السابع، وليس أفضل من القرن السادس عشر لفهم طبيعة تكونه. لماذا الإصرار على قياس "روسيا ـ المعسكر الاشتراكي" بالإمبراطورية الفارسية و"أوروبا ـ أمريكا الشمالية" بالإمبراطورية البيزنطية، مع أن تاريخ روسيا من بطرس الكبير إلى غورباتشوف وتاريخ الغرب من شارلكان إلى بوش الابن هو أكثر وضوحا، وأقرب إلى فهمنا من الإمبراطوريتين البعيدتين الفارسية والبيزنطية؟ ولماذا القياس والحال أن الأصل موجود وواضح وأكثر فائدة لفهم الحاضر؟" (ص ص 17 ـ 18).

يوجد سبب هيكلي يفسر هذه الإعاقة الذهنية العميقة للتاريخية، يتمثل في أن الثقافة السائدة، سواء أكانت الأحداث معروفة لديها أم مجهولة، تقرأ التاريخ بقوالب قبلية ومن منطلق نماذج جاهزة، ولا تتحدث عن التاريخ بمعنى وجود مصنفات في المكتبات الجامعية، بل أقصد التاريخية بمعنى تحقق الوعي التاريخي في الثقافة السائدة. إذا طبقنا الحفريات التأويلية على مختلف الخطابات الأيديولوجية المستندة ظاهريا إلى التاريخ، السلفية منها والعلمانية، نجد أنها تتأول الماضي ـ الحاضر من خلال نموذج ذهني ندعوه "نموذج الطوفان".

يعتقد الباحث محمد الحداد الطوفان أقدم أنمط الأسطورة والأنموذج (البراديغم) الأكثر عمقا ليحتل مكان التاريخ في العقلية اللاتاريخية، من طوفان بلاد الرافدين أو طوفان نوح في الأديان التوحيدية، إلى فكرة "الصفحة البيضاء" tabula rasa والبناء الجديد للمجتمعات مع الأيديولوجيا الثورية، وأصل الإنسان الحلم الدفين بأن يصوغ العالم من جديد على مبادئ الطهارة الأولى وصورة الفردوس المفقود، وأن يعيد إلى التاريخ بكارته بعد أن لوثه الاغتصاب الإنساني للنقاء، عندما سقط حائط برلين رأى جزء من البشرية هذا الحدث رمزا لنهاية الحروب والتخلص من رعب الأسلحة النووية، أي عودة إلى الفردوس المفقود بالتصور الليبرالي، عالم الرخاء والأمن في أفغانستان التي ورطت الاتحاد السوفيتي في مواجهة عجلت بانهياره، ظن أن تلك المجموعات ستنحل من تلقاء نفسها وتختفي وأغفل أن الطوفان يتخذ ألوانا عدة حسب الثقافات، وأن لكل فردوسه المفقود.

بدا سقوط جدار برلين في أعين العالم انتصارا لليبرالية، بينما بدا في أعين الجماعات الجهادية فرصة عودة إلى عهد طهارة من نوع آخر وفردوس مفقود غير الفردوس الليبرالي.
في أفغانستان، أعطى أنموذج الطوفان تصورا آخر من خلال تفريخ كل الجماعات الجهادية، فقد ظل أنموذجا راسخا في عمق عقلية الجهاد، تغذيه قرون من الذاكرة، تكرر أن سقوط الإمبراطوريتين بظهور الإسلام كان طهارة العالم من الشرك. لذلك بدا سقوط جدار برلين في أعين العالم انتصارا لليبرالية، بينما بدا في أعين الجماعات الجهادية فرصة عودة إلى عهد طهارة من نوع آخر وفردوس مفقود غير الفردوس الليبرالي. بدا لتلك الجماعات أن الاتحاد السوفيتي سقط سقوط الإمبراطورية الفارسية في معركة القادسية، وبقي أن تسقط إمبراطورية الشر الثانية، الولايات المتحدة الأمريكية، تفجيرات نيويورك يوم 11 أيلول/ سبتمبر 2001 كانت استعادة لغزوة مؤتة التي لم يقض فيها الإسلام على الإمبراطورية البيزنطية، لكنه بدأ المحاولة، لذلك يظل الأمل قائما عند تلك المجموعات بسقوط الإمبراطورية الثانية، ألم يفصل بين مؤتة وسقوط القسطنطينية أكثر من ثمانية قرون؟

أنموذج الطوفان يقوم على ثلاثية ملحمية عناصرها: النذارة ـ الكارثة ـ التطهير. النذارة علم بالأحداث قبل أن تقع، والكارثة حدث استثنائي يتعالى على المسار العادي للأحداث، والتطهير وعد حق وموضوع إيمان، في ظل هذه الملحمة الأسطورية، لا يتعدى التاريخ أن يكون سجل أحداث معروفة النهاية قبل أن تبدأ، كما قد حدد مصير الكون قبل أن يخلق وكتب جزاء الإنسان قبل أن يولد.

يقول الباحث محمد الحداد: "ليس أنموذج الطوفان مرتبطا بالفكر الديني وحده، لقد ترسخ هذا الأنموذج في الجينات المعرفية للإنسان منذ 4500 سنة من الآن (أقدم الألواح التي وجدت حول الطوفان تعود إلى سنة 2500 ق.م)، ومن البديهي أن أنموذجا بهذا العمق الزمني لا يمكن أن ينمحي في مدة القرن ونصف القرن التي تفصلنا عن قيام العلوم الإنسانية الحديثة. إنما تحول من الشكل الأسطوري إلى اللغة الدينية ثم من الأديان إلى الأيديولوجيات العلمانية. الأيديولوجيات العلمانية للقرن التاسع عشر، ومنها الماركسية والقومية، كانت الاستمرار المعلمن لأسطورة الطوفان، وقد أصبح الطوفان في الميثولوجيا الحديثة يدعى الثورة، وفي هذا الشكل المعلمن للأسطورة نشأت في الفكر العربي سردية تأخذ باختصار الشكل التالي: وصل العرب والمسلمون إلى قمة الازدهار والقوة، ثم تدرجوا في الانحطاط وانغلقوا على أنفسهم وقتا طويلا. وقد بدأت أوروبا في الأثناء تحقق نهضتها في غفلة منهم، إلى أن حلت مراكب بونبارت قبالة السواحل المصرية، فأدركوا عمق الهوة وبدؤوا نهضتهم للالتحاق بركب الحضارة واستعادة دور القيادة العالمية" (20).

استعادة دور القيادة العالمية يفترض أن يسقط الغرب، وأن يرتفع سحر خمسة قرون من الإبداع العلمي والتكنولوجي، وأن تنهار آثار الثورة الصناعية كما انهار عجل السامري برجوع موسى من الجبل، وأن تنهزم الأسلحة النووية والتقنيات الحربية الحديثة أمام الجهاد المقدس، وأن يفشل التخطيط المعقلن أمام المبادرات الإيمانية، وأن ينهزم العقل أمام البطولة. لم تفكر الثقافة النمطية السائدة في النهضة، إلا مستبطنة أمل انهيار الغرب وانهيار الحضارة الحديثة، ولم تكن أوروبا آنذاك قوة سياسية كبرى أو موحدة، وعاشت حروبا داخلية فظيعة منها الحروب الدينية المعروفة بين الكاثوليك والبرتستانت، لكن ذلك لم يمنع دانته (1265 ـ 1321) من أن يكتب في إيطاليا المقسمة رائعته الأدبية المشهورة "الكوميديا الإلهية"، ولا إيراسموس (1469 ـ 1536) من أن يجوب أوروبا لينشر المذهب الإنسوي، ولا لوثر (1483 ـ 1546) من أن يبدأ الإصلاح الديني في ألمانيا، التي كانت أضعف إمبراطوريات أوروبا آنذاك، ولا رابليه (1494 ـ 1553) من أن يتطاول على الفكر الديني السائد في فرنسا البنت البكر للكنيسة.

كذلك لم تمنع الظروف شكسبير (1546 ـ 1416) من أن يكتب رائعة "روميو وجولييت" في ذرو الحرب الدينية ولا سرفانتس (1547 ـ 1616) من أن يخلد نقده الساخر للأنظمة الاجتماعية البائدة في روايته "دونكيشوت". وفي هذه الفترة أيضا، وبينما كان فقهاء الإسلام يتناقشون في حكم القهوة والدخان، ظهر ليونارد دي فانشي (1451 ـ 1519) وكوبرنيك (1473 ـ 1543) وغاليلي (1564 ـ 1642) وديكارت (1596 ـ 1650)، واخترع غوتابرغ المطبعة (1455) واكتشف كريستوف كولومب القارة الأمريكية (1492).