كتاب عربي 21

الهوية في قبضة التوظيف السياسي

1300x600

تشكل الهوية والمقولات المرتبطة بها أحد الروافد الأساسية التي اعتمد عليها المنطق الاستبدادي العربي بدرجات مختلفة من أجل تبرير سياساته القمعية أو من أجل صرف الجماهير عن المطالب الحقيقية وعن القضايا الأساسية للدولة والمجتمع. ليست المسألة إذن متعلقة بقضية الهوية بقدر ما هي متعلقة بالتوظيف السياسي للمسألة في حد ذاتها. لكن أطروحات الهوية والانتماء تعود إلى سطح النقاش بين النخب السياسية والإعلامية المرتبطة بالمنظومات الاستبدادية كلما وجدت الأنظمة السياسية نفسها في أزمة خانقة أو كلما حاصرتها المطالب الأساسية للمجتمع فترفع شماعة الهوية علّها تخفّف عن نفسها حنق الشارع وغضب الجماهير. 

مسائل الهوية 

تتعلق بمقولة الهوية عناصر متشعبة ومتشابكة منها الديني العقائدي ومنها العرقي القبلي ومنها الثقافي الحضاري ومنها اللغوي اللساني ومنها أيضا المكاني الجغرافي وغيرها كثير. فالهوية وعاء جامع لكل ما يدخل في تحديد شخصية الفرد والجماعة ويقرر طبيعة علاقتها بتاريخها وحاضرها ويرسم اتجاهات مستقبلها، وهو ما يجعل منها مقولة واسعة فضفاضة تستوعب كل ما يتعلق بواقع الفرد والجماعة. الهوية هي ما يميز الفرد والجماعة عن غيرهما من الجماعات والأفراد فهي إذن مقولة فردية وجماعية في آن واحد. لكن ما يتعلق بمسألة الهوية في محل القراءة هنا هو بعدها الجمعي الذي يخص الدولة والمجتمع بشكل أساسي وينسحب بالضرورة على الفرد بما هو الجزء المكون لهذه الجماعة. كما تتعلق الهوية بمسألة أساسية هي مسألة الانتماء باعتبارها المحدد الأساسي لمقولة الهوية ولخصائصها. فما هو المجال الذي تنتمي إليه تونس وكيف يحدد هذا المجال خصائص الدولة والمجتمع والأفراد داخلها؟ 

 

إقرأ أيضا: تونس.. الهوية في قبضة التوظيف السياسي

بعد دستور 1861 الذي يعد أول دستور عربي والذي تميز بالحدّ من السلطة المطلقة للباي، نص الدستور التونسي في نسختيه الأساسيتين أي دستور 1959 ودستور 2014 في مبادئه الأساسية على أن تونس جمهورية دينها الإسلام ولغتها العربية. هذا النص أو هذه المادة تمثل الأساس الحقيقي لقضية الانتماء، فالجمهورية التونسية بذلك هي جزء من العالم الإسلامي ومن البلاد العربية في بعدها العام. ولا تقتصر المسألة هنا على اللغة بما هي بعد مركزي في مسألة الانتماء بل تتعداها إلى البعد الحضاري الذي تغطيه اللغة بما هي حمالة القيم ورافعة كل أوجه الحضارة والمعرفة. 

بورقيبة وإعادة صياغة الهوية 

عُرف عن الرئيس التونسي الأول نزعته الفركفونية المتطرفة وولعه الكبير بالنموذج الثقافي الغربي الذي يراه المثال الوحيد للتقدم والعنوان الأوحد للمدنية رغم كل ما خلفه الاستعمار الفرنسي لتونس من آلام ومن إرث استعماري قاتم. 

هذا الولع هو الذي خلق لديه نفورا معلنا من الإرث الثقافي العربي الإسلامي الذي كان يراه سببا للتخلف وعنوانا على العجز عن مجاراة بقية الأمم في نهضتها وتقدمها. لقد كان بورقيبة بالنسبة للتونسيين شبيها بأتاتورك بالنسبة للأتراك في علمانيته المتطرفة وفي نفوره الشديد من الإرث الحضاري للدولة والمجتمع.

 

عُرف عن الرئيس التونسي الأول نزعته الفركفونية المتطرفة وولعه الكبير بالنموذج الثقافي الغربي الذي يراه المثال الوحيد للتقدم والعنوان الأوحد للمدنية


لقد كان وصول بورقيبة نفسه إلى سدة الحكم في تونس إعلانا عن فوز اتجاه معين من الاتجاهات التي قادت معركة التحرر الوطني ضد الإستعمار الفرنسي. فبعد اغتيال صالح بن يوسف وملاحقة أتباعه من التيار العروبي المحافظ انتصر التيار المنافس له بقيادة الحبيب بورقيبة الذي يتميز باتجاه بوصلته غربا بعكس غريمه السياسي الذي كان مشرقي الاتجاه.

 

إقرأ أيضا: بورقيبة والطالبي والعلاقة بالإسلام
 
لكن التجربة البورقيبية لم تكن وفية للخيار الغربي نفسه ولم تنجح في محاكاة مكاسب المدنية الغربية التي كان الزعيم مفتونا بها. لقد تأسست جمهورية بورقيبة على حكم الزعيم الأوحد الذي اختصر أتباعه كل تاريخ المقاومة التونسية في شخصية "المجاهد الأكبر" فكرس سلطة الرجل الواحد وألغى تقريبا كل أشكال المعارضة السياسية من يساريين وإسلاميين وعروبيين. كما تميزت فترة حكمه بالتضييق على المؤسسات الدينية المحافظة كجامع الزيتونية مثلا وأعلن عن صياغة مشروع حضاري جديد يتمثل فيما سماه "الأمة التونسية " التي يراها أقرب إلى الفضاء الأوروبي منها إلى الفضاء العربي الإسلامي.
 
لكن بورقيبة لم يكن وفيا حتى للمبادئ والقيم الأوروبية التي يتغنى بها فرفض التعددية السياسية وكرس سلطة الحزب الواحد وساهم في تزوير الانتخابات وملأ السجون بالمعارضين من السياسيين والمفكرين وأصحاب الرأي، ولم يكن مشروع الهوية التونسية الذي رفعه إلا ستارا من الوهم الذي انكشف عن سلطة قمعية فاقمت من التهميش الإجتماعي وكرست الجهوية القاتلة التي حكمت على جهات بكاملها بالفقر والبطالة والتهميش. 

بن علي أو البورقيبية المتوحشة

لا نستطيع أن ننكر اليوم أن نظام بن علي قد خرج من رحم البورقيبية وقد كان الرجل وزيره الأول قبل أن ينقلب على الرئيس العجوز بمباركة أوروبية ودولية مكشوفة. لكن مشروع بن علي كان مختلفا كثيرا عن مشروع بورقيبة رغم اندراجهما في نفس النسق الاستبدادي. فمنذ سنوات حكمه الأولى أعلن المستبد الجديد الحرب على الإسلاميين ودخلت تونس حينها، أي مع بداية التسعينيات، أسوأ فترات تاريخها السياسي من جهة الممارسة القمعية والتنكيل بالخصوم السياسيين خاصة من أتباع التيار المحافظ. 

لكن رغم كل ما يقال عنه، فإن بورقيبة يبقى طاغية مستنيرا يحظى بشرعية تاريخية في حين تطور نظام بن على بسرعة كبيرة إلى نظام مافيوي يعتمد على العائلة وعلى شبكة من العصابات المالية والأمنية والسياسية.
 
أعلن "بن علي" عما سمّي لاحقا بمشروع "تجفيف المنابع" الذي كان يستهدف في الظاهر الخصوم السياسيين من الإسلاميين، لكنه شمل أيضا كل أشكال التعبير الثقافي المرتبط بالهوية المحافظة للمجتمع والدولة. وقد ساعدت الحرب الأمريكية على ما يسمى "الإرهاب الإسلامي" في تحرير قبضة الرجل من كل أشكال المحاسبة أو النقد على الصعيد الدولي.

 

رغم كل ما يقال عنه، فإن بورقيبة يبقى طاغية مستنيرا يحظى بشرعية تاريخية في حين تطور نظام بن على بسرعة كبيرة إلى نظام مافيوي


لم يكن لبن على مشروع ثقافي كما هو الحال بالنسبة لبورقيبة، رغم كل التحفظات، بل كان يبحث بحسه الأمني والعسكري على تثبيت حكمه من كل ما من شأنه أن يهدد سلطته على الدولة وعلى المجتمع. بل كان حذرا وشديد الحذر فيما يتعلق بالمساس بالهوية الوطنية بشكل مباشر وصريح كما كان يفعل بورقيبة. قد يكون المستوى التعليمي والثقافي للرجل سببا في هذا الحذر لكنه من جهة أخرى ساهم في إضعاف الشخصية الوطنية التي تأثرت كثيرا بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترات الأخيرة لحكمه. لكن الحرب المعلنة على مظاهر التدين مثلا بتعلة الحرب على الإسلاميين أو على الإرهاب كانت تدخل هي الأخرى في إطار التضييق على الهوية العربية الإسلامية لتونس وشعبها.

الهوية الوطنية والهويات الأخرى

لقد ساهم إضعاف الهوية الوطنية ومحاربة الإنتماء الوطني بشكليه الضيق والعام في تغذية مشاعر التطرف والشعور بالإحباط الذي توازيه حالات شديدة من الاحتقان الاجتماعي والتذمر الطبقي. إن تفشى مظاهر الانحراف وانفجار معدلات الهجرة الشرعية وغير الشرعية وانتشار حالات التطرف بين الشباب تمثل في نظرنا مظهرا من مظاهر الشلل الذي أصيبت به مرجعية الهوية في تونس. لقد عرف المجتمع التونسي منذ عقود بتنوعه الثقافي وتعدد مرجعياته الفكرية والمعرفية داخل نفس النسق الاجتماعي لكن النخب التونسية اليوم وخاصة منها النخب السياسية قد نجحت في إحداث شرخ كبير بين قسمين أساسيين يكونان المجتمع التونسي. أما الأول فهو القسم المحافظ وأما الثاني فهو القسم العلماني أو الحداثي كما يحلو لأصحابه تسميته. وهو تقسيم يغطي على التقسيمات الحقيقية بما هي تقسيمات طبقية أساسا بين مجموعات مترفة استفادت من النظامين السابقين بشكل مباشر ومجموعات فقيرة ومعدمة ألغاها النظام السابق من البنية الاقتصادية للدولة. وهو كذلك تقسيم جهوي صارخ بين جهات غنية ببنيتها التحتية ومرافقها الحيوية الأساسية وبين الداخل التونسي الفقير الذي لا يزال يعاني من التهميش والتفقير الممنهج الذي كان السبب الأساسي لاندلاع ثورة 17 ديسمبر.
 
الحديث عن هوية تونسية موزعة بين المحافظة والحداثة هو توزيع مضلل لأنه يخفي التقسيم الحقيقي العميق للمجتمع التونسي بما هو توزيع طبقي أولا وتوزيع جهوي ثانيا. لكن هذا التوزيع ليس حدّيا بشكل مطلق بل يحمل عناصر تداخل أفقية وعمودية في آن واحد ويستنسخ في كثير من المدن والقرى التوزيع الهرمي الذي تحدده الثروة أولا والقرب أو البعد من السلطة السياسية وأدواتها.

لا يمكن الحديث إذن عن مشكل الهوية دون البحث في المحددات الاجتماعية والاقتصادية لهذه المقولة المعقدة التي تحولت إلى أداة للتوظيف السياسي لا في المنطقة العربية أو في تونس فحسب بل حتى في دول متقدمة تتخفى وراء مقولات الهوية كلما تفاقمت أزماتها الاجتماعية والاقتصادية. خطاب الهوية هو في الحقيقة خطاب أزمة يعاني منها رافعوه الذين يسعون عبره إلى التغطية على فشل ذريع في مواجهة أسئلة الواقع الحارقة. 

 

إقرأ أيضا: الغنّوشي: قرار عزل الأئمة بتونس عودة إلى سياسة النظام السابق