الرقمنة واللحاق بالركب الاستهلاكي والوهن الحضاري.. النهوض الراشد (27)

سيف الدين عبد الفتاح
"تشريح الشبكة العنكبوتية للسيطرة من بُعد، يكشف أنها باتت تقدم نوعاً مستجداً من الهيمنة، يدعى الهيمنة الرقمية والتقنية المعاصرة"- CC0
"تشريح الشبكة العنكبوتية للسيطرة من بُعد، يكشف أنها باتت تقدم نوعاً مستجداً من الهيمنة، يدعى الهيمنة الرقمية والتقنية المعاصرة"- CC0
شارك الخبر
ضمن عقلية الحداثة وما بعد الحداثة، أنتج العقل الغربي ما يسمى بعقلية التجاوز التي لا تستقر على حال معرفي؛ ضمن هذه العقلية صرنا إلى ثورات مختلفة آخرها ثورة المعلومات ثم ثورة التقنيات الرقمية في آخر منتجاتها ومستكشفاتها، وضمن عقلية التجاوز تلك كان إرساء الاكتشافات المتراكمة والمتجاوزة في آن. إلا أن الحضارة الغربية لم تعدم من قابليات الهيمنة والسيطرة بعد انتقالها من عقلية السيطرة المباشرة إلى عقلية السيطرة من بعد بفعل أدوات تقنية كانت تتسلل وتتراكم تأثيراتها في فترة زمنية قصيرة ضمن قابليات السيطرة والهيمنة من التكوينات الحضارية الأخرى؛ فرسمت خيوط شبكة عنكبوتية رهيبة تصنع ثلاثة أمور على الأقل: عقلية اللحاق بالركب الحضاري من دون الفطنة إلى ثمن التقدم الظاهري الذي تتبناه وتدفع كلفة حضارية ترتهن فيه نهوضها ومستقبلها؛ وعقلية الانبهار بالإنتاجات الحضارية فتتلقفها بعقلية الموضات والصرعات، فتوطن نفسها على التقبل السريع؛ أما الثالثة فتتعلق بعقلية الاستهلاك الأعمى والتابع.

كل ذلك كان من متحصلات النكد الحضاري لعقلية التجاوز والهيمنة من بعد، والاستلاب التقني والتقويض الحضاري؛ في فكر مالك بن نبي سنجده مكررا المرة تلو المرة، ضمن سياقات الظاهرة والقابلية لها، والاستعمار والقابلية له؛ وفي المسار ذاته تحدث علي شريعتي في كتابه "النباهة والاستحمار"؛ وقد أشار مع مالك إلى الاستحمار والقابلية للاستحمار.

إن الهيمنة في عصر الحداثة وما بعدها لم تعد تحتاج إلى جنود محتلين أو إدارة مباشرة، بل تحولت إلى "شبكة عنكبوتية" من التقنيات والمنتجات التي تستلب العقول، وتجعل التابع يطلب استعباده طوعاً تحت شعار اللحاق بالركب الحضاري والانبهار بالموضات الاستهلاكية. إننا والحال هذه لا بد أن نقترب من تلك الظواهر جميعاً بقراءة تفكيكية في سوسيولوجيا الاستعمار الرقمي والتقني، ومن قبله الطغيان المعلوماتي الناشئ عن الطوفان المعلوماتي والانفجار المعرفي.

تطورت عقلية الهيمنة الغربية لتنتقل ببراعة من "السيطرة المباشرة" إلى "السيطرة من بعد"، مستخدمة أدوات تقنية دقيقة تتسلل وتتراكم تأثيراتها في فترات زمنية قصيرة، لتغزل شبكة عنكبوتية رهيبة تحكم خيوط التكوينات الحضارية الأخرى وتعيد توجيه مساراتها

منذ البدء نقرر وبلا مواربة في قراءة مآلات هذه الظواهر: حداثة التجاوز وعقم اللحاق. في فيزياء التطور الحضاري الغربي ضمن إطار الحداثة وما بعد الحداثة، أنتج العقل الغربي ما يمكن الاصطلاح عليه بـ"عقلية التجاوز"؛ وهي بنية عقلية ومعرفية لا تستقر على حال، بل تتميز بالديناميكية الهدمية والبنائية المستمرة على تناقضهما؛ حيث يرتكز مسارها على تقويض القديم، وتجاوز المستقر، وإرساء الاكتشافات المتراكمة والمبتكرة في آن واحد. هذه العقلية هي التي أنتجت الثورات المتتالية، وصولاً إلى ثورة المعلومات، ثم الثورات التقنية الرقمية المتسارعة في أحدث منتجاتها ومستكشفاتها.

هذا التجاوز المستمر لم يكن مساراً بريئاً أو محايداً، بل ظل محكوماً بـ"إرادة الهيمنة والسيطرة". وحين عجز الاستعمار التقليدي عن الاستمرار بأشكاله الخشنة والمباشرة، تطورت عقلية الهيمنة الغربية لتنتقل ببراعة من "السيطرة المباشرة" إلى "السيطرة من بعد"، مستخدمة أدوات تقنية دقيقة تتسلل وتتراكم تأثيراتها في فترات زمنية قصيرة، لتغزل شبكة عنكبوتية رهيبة تحكم خيوط التكوينات الحضارية الأخرى وتعيد توجيه مساراتها.

إن تشريح الشبكة العنكبوتية للسيطرة من بُعد، بما بينّا من خطورة تكتنفها، يكشف أنها باتت تقدم نوعاً مستجداً من الهيمنة، يدعى "الهيمنة الرقمية والتقنية المعاصرة"، وهي لا تفرض نفسها بالقوة العسكرية الصرفة، بل تفرض نفسها عبر "هندسة البيئة الافتراضية والمعرفية"؛ حيث تصمم الأدوات والمنتجات التقنية في معاقل الغرب محملة ببنيتها الفلسفية والثقافية والاستهلاكية. هذه الشبكة العنكبوتية تصنع في وعي الأمم المستهدفة ثلاثة أعراض بنيوية كارثية:

أولاً: عقلية "اللحاق بالركب الحضاري" (وهم التحديث المظهري)

دخل الأمم الراكدة أو النامية في حالة هلع مزمن يعرف بـ"متلازمة اللحاق بالركب"؛ فتتسابق لاقتناء أحدث المنتجات التقنية والرقمية واستيرادها وتطبيقها ظناً منها أن التمكين يكمن في سرعة "التطبيع مع أحدث موضة تقنية"؛ وهي تغفل أو تتغافل عن الكلفة الحضارية الخفية، فلا تفطن هذه العقليات إلى الثمن الباهظ الذي تدفعه فضلاً عن ارتهان المستقبل، وتسليم البنية التحتية المعرفية لشركات عابرة للقارات، وتكريس التبعية البنيوية التي تجعل الكيان بأكمله مجرد مستهلك تابع يمول ابتكارات خصومه. ويتلازم مع ذلك عقلية "الانبهار بالمنتجات الحضارية" (ثقافة الموضات والصرعات)؛ إذ يصاب العقل المستلب بـ"العمى القيمي والأخلاقي" أمام البريق المادي للتقنيات؛ فيتلقف المنتجات الحضارية الغربية بعقلية "الموضات والصرعات".

وهو ما يترتب عليه سرعة في التقبل بلا مناعة، إذ يتحول المجتمع من حالة "النقد والاصطفاء" إلى حالة "الاستهلاك الشره الأعمى"؛ حيث يقاس التقدم بمدى سرعة تبني التقنية بغض النظر عن ملاءمتها للمقاصد أو آثارها السلبية على هوية الإنسان وخصوصيته؛ التقنية هنا لا تعامل كـ"أداة خادمة"، بل كـ"صنم معاصر" يُطاف حوله إعجاباً وانبهاراً. أما عقلية "الاستهلاك الأعمى والتابع" (إنسان الاستهلاك)، وهو ما أكد عليه مالك حينما انتقد عقلية التكديس، ونبه إليه النقد البصير الذي قدمه أستاذنا الدكتور عبد الوهاب المسيري عن "ثمن التقدم"، فإنها المحصلة الحتمية للعقليتين السابقتين؛ حيث يختزل دور الأمم الأخرى في التحول إلى "أطراف مستهلكة نهائية" في الدورة الاقتصادية والمعرفية الغربية. إنه الموت الإبداعي الذي يطل علينا، إذ تفقد النخب والشباب القدرة على الإنتاج أو الاجتهاد الأصيل، وتتحول إلى كتل استهلاكية تتلقى المعرفة جاهزة، والبرمجيات مغلقة، والحلول معلبة، مرسخةً بذلك أدق صور الاستعمار الصامت وأطولها بقاءً.

ثانياً: تفكيك الاستلاب التقني في ميزان مالك بن نبي

إن هذا الوصف الذي يربط بين "عقلية التجاوز الغربية" و"الاستلاب الاستهلاكي" يتطابق عميقاً مع تشخيص مالك بن نبي لظاهرة الاستعمار الجديد وما أسميناه بـ"الرقمنة الآسرة والمأسورة"، الذي يشير إلى الوقوع في فخ "الأشياء" لا "الأفكار": إن عقلية اللحاق والانبهار تعاني من العمى الذي حذر منه بن نبي؛ فهي تتعامل مع منتجات الحداثة (التقنية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات) بوصفها "أشياء مادية مستقلة" يمكن استيرادها بمعزل عن "الفكرة والروح والفلسفة" التي أنتجتها.

هذا الفصل المستحيل يؤدي حتماً إلى استهلاك أعمى يتجرع السم في دسم المنتجات، وإلى صناعة "القابلية للاستخفاف الرقمي"؛ إن الانبهار بالصرعات والاستهلاك الأعمى هما التجسيد المعاصر لـ"القابلية للاستعمار"؛ حيث يبرمج المستعمر الجديد عقولنا افتراضياً ليقودنا حيث يريد، دون الحاجة إلى وجود جندي واحد على الأرض. الخوارزميات هي الجنود الجدد، والمنصات هي الحدود والمعسكرات، والتابع المستهلك هو الحارس الأمين لتبعيته.

ثالثاً: طوق النجاة، مواجهة الشبكة العنكبوتية بالسيادة والاصطفاء
لا بد أن تستند إلى عمل مؤسسي مستدام، يحمل مشروعاً تعد الرقمنة الهادية المهتدية أحد أهم مساراته وسبل الاجتهاد البصير فيه والجهاد الحضاري المتكامل والشامل

لمواجهة هذه الشبكة العنكبوتية العنقودية التي تحكم خيوطها عقلية التجاوز الغربي، لا ينفع الاعتزال أو الانعزال الطفولي ولا الانغماس الاستهلاكي، بل يتطلب الأمر تفعيل "استراتيجية السيادة والاصطفاء" المستندة إلى معمارنا؛ وذلك بكسر عقلية "اللحاق بالأشباح" والتوقف عن اللهاث وراء إيقاع الموضات التقنية الغربية، والتحول نحو "التأسيس الذاتي لموقف ورؤية استراتيجية ببصيرة مستشرفة ووعي رشيد"؛ حيث تُبنى الأدوات والخوادم والمناهج موصولةً في كل ذلك بمرجعية الوحي التأسيسية (الكتاب والسنن)، لا بردود الأفعال التي يحكمها الانفعال أو الافتعال أو الإغفال والتي تبعث في جملتها على الوهن والهوان والمهانة.

يترافق مع ذلك مهمة تحطيم "انبهار الصرعات" بتفعيل "الحكمة الرقمنية والاصطفاء المعرفي"؛ فلا نأخذ من التقنية إلا ما يخدم "العلم النافع" والإنتاج المادي الصامد، ونعزل تماماً ضوضاء الاستهلاك الافتراضي المشتت المسكون بقابليات التبعية والهيمنة.

هذه المواقف لا بد أن تستند إلى عمل مؤسسي مستدام، يحمل مشروعاً تعد الرقمنة الهادية المهتدية أحد أهم مساراته وسبل الاجتهاد البصير فيه والجهاد الحضاري المتكامل والشامل؛ "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت: 69)؛ كل ذلك عن طريق قهر الاستهلاك الأعمى من جهة، والسيادة المسندة بالوقف الذي يؤسس بدوره التحرر المالي والتقني عبر صندوق الوقف التنموي والخوادم البرمجية الوقفية المستقلة؛ لنتحول من "مستهلكين أتباع" في الشبكة العنكبوتية الغربية، إلى "صناع فاعلين" يملكون شفرة مصدرهم وقرارهم المستقل.

إن عقلية التجاوز الغربية لن تستطيع اختراق سفينتنا متى ما تحصنا بوعي السنن، والسيادة الوقفية، والحكمة الرقمنية؛ إننا لا نرفض التقنية، بل نعتقها من أسر استعمارها؛ لترجع خادمةً لديننا، رافعةً لمعاشنا، ومثبتةً لشهودنا الحضاري ونهوضنا الراشد "لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (إبراهيم: 25).

x.com/Saif_abdelfatah


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)