في لحظة إقليمية شديدة
الاضطراب، ولحظة محلية مخيفة حيث العدو
الإسرائيلي يعمد إلى كسر الروح ويجعل
لبنان
على طريق ما ارتكبه من جرائم في غزة من بوابة التدمير في الضاحية الجنوبية، دعا
رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة عامة يوم الاثنين القادم (9 آذار/ مارس 2026)،
وسط ترجيحات قوية بأن يمرّ اقتراح التمديد لولاية المجلس النيابي لمدة عامين. من
الناحية السياسية، يبدو هذا التمديد شبه محسوم، رغم الاعتراضات الشعبوية
والانتقادات التي ستُرفع في الخطاب السياسي والإعلامي، غير أنّ السؤال الجوهري لا
يتعلق فقط بالتمديد نفسه، بل بما يكشفه من أزمة عميقة في بنية النظام السياسي
اللبناني، حيث تتراجع الآليات
الديمقراطية أمام منطق الضرورات الأمنية والضغوط
الإقليمية.
التمديد في ذاته ليس
سابقة في لبنان؛ فقد شهدت الحياة السياسية اللبنانية تمديدا مماثلا في مراحل سابقة
تحت عنوان "الظروف الاستثنائية"، إلا أنّ ما يجعل اللحظة الراهنة أكثر
حساسية هو تزامنها مع
حرب إقليمية بدأت شرارتها من طهران وامتدت ارتداداتها إلى
ساحات متعددة في الشرق الأوسط، ومنها لبنان.
لبنان يقف على أبواب استحقاقات اجتماعية وأمنية ثقيلة. فملف النزوح يتفاقم مع اتساع رقعة الحرب، والضغوط الشعبية تتزايد حول مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، بينما الاقتصاد اللبناني ما زال هشّا
في هذا السياق، يجري تقديم التمديد
بوصفه خيارا اضطراريا لتفادي فراغ دستوري في ظل ظروف أمنية وعسكرية غير مستقرة.
لكن هذا التبرير، على واقعيته الظاهرة، يفتح بابا واسعا للنقاش حول الديمقراطية
اللبنانية التي تبدو وكأنها تُذبح ببطء تحت ضغط الاستثناءات المتتالية.
التمديد يضع أيضا العهد
أمام اختبار سياسي حساس، فحتى لو جرى تمريره تحت عنوان الضرورة، فإنّ ذلك سيُقرأ
لدى شريحة واسعة من اللبنانيين كإخفاق إضافي في حماية انتظام الحياة الدستورية.
فالأنظمة الديمقراطية تُقاس بقدرتها على إجراء الانتخابات في الظروف الصعبة، لا
بتعليقها كلما اشتدت الأزمات. ومن هنا، قد يتحول التمديد إلى علامة سياسية فارقة
تُسجَّل في سجل العهد، مهما كانت التبريرات القانونية أو الأمنية.
لكن ما يزيد المشهد
تعقيدا أنّ لبنان يقف على أبواب استحقاقات اجتماعية وأمنية ثقيلة. فملف النزوح
يتفاقم مع اتساع رقعة الحرب، والضغوط الشعبية تتزايد حول مسألة حصرية السلاح بيد
الدولة، بينما الاقتصاد اللبناني ما زال هشّا إلى حدّ يجعله عاجزا عن تحمّل أي
صدمة إضافية. في ظل هذه التراكمات، يصبح التمديد النيابي أكثر من مجرد إجراء
دستوري؛ إذ يتحول إلى جزء من معادلة سياسية وأمنية أوسع ترتبط بمستقبل الاستقرار
في البلاد. ولا يمكن فصل هذا التطور عن المناخ الإقليمي المتوتر، ولا سيما في ضوء
التصريحات الإسرائيلية الأخيرة. فقد تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس عن
سيناريوهات أمنية قاسية في حال توسع المواجهة، في وقت تتزايد فيه النقاشات داخل
إسرائيل حول إنشاء مناطق عازلة أوسع في الجنوب اللبناني. وفي الخلفية أيضا تصريحات
السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، التي أعادت إلى التداول مفاهيم ذات طابع
أيديولوجي مثل "إسرائيل الكبرى"، وهي مفاهيم وإن بدت سياسية أو دينية
الطابع، إلا أنها تثير قلقا عميقا في المنطقة لما تحمله من إيحاءات جيوسياسية
تتجاوز حدود الصراع الحالي.
من هذا المنظور، قد لا
يكون التمديد مجرد إجراء داخلي مرتبط بالظروف الأمنية، بل قد يعكس أيضا إدراكا لدى
القوى السياسية اللبنانية بأن البلاد مقبلة على مرحلة شديدة الخطورة، ربما تتجاوز
فكرة "البافر زون" أو المنطقة العازلة.
الانهيار الداخلي قد يفتح الباب أمام أفكار كانت تُعدّ في الماضي من المحظورات السياسية، من إعادة طرح مشاريع التقسيم إلى إحياء نقاشات حول خرائط جديدة للمنطقة
فسيناريو الاجتياح الإسرائيلي
الواسع، إذا ما حصل، قد يهدف إلى فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة، ما يجعل لبنان
أمام تحديات وجودية تتجاوز الحسابات السياسية اليومية.
أمام هذه اللوحة
المعقدة، يبدو التمديد النيابي وكأنه أحد أعراض أزمة أعمق تضرب بنية الدولة
اللبنانية. فحين تتراجع الديمقراطية أمام منطق الضرورة، وحين تتراكم الضغوط
الاقتصادية والأمنية في بلد هشّ، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط عن مصير الانتخابات،
بل عن مصير الدولة نفسها. وإذا كانت الحروب الإقليمية تُعاد صياغتها اليوم على أسس
جيوسياسية ودينية متشابكة، فإنّ الخطر الأكبر يكمن في أن يجد لبنان نفسه مجددا في
موقع الحلقة الأضعف.
في مثل هذا السيناريو
القاتم، الخوف مشروع من اجتياح على غرار 1982، وهو سيناريو ليس ببعيد عمن يحكم
إسرائيل اليوم أو ربما قد يعود شبح ما قبل عام 2000، حين كان الاحتلال الإسرائيلي
واقعا قائما في الجنوب، وحين كانت السيادة اللبنانية منقوصة. والأسوأ من ذلك أنّ
الانهيار الداخلي قد يفتح الباب أمام أفكار كانت تُعدّ في الماضي من المحظورات
السياسية، من إعادة طرح مشاريع التقسيم إلى إحياء نقاشات حول خرائط جديدة للمنطقة
تحت عناوين فضفاضة مثل "بلاد الشام". وعندها، لن يكون التمديد لمجلس
نيابي مجرد قرار دستوري مثير للجدل، بل قد يُنظر إليه كأحد مؤشرات مرحلة تتآكل
فيها الدولة تدريجيا، وتصبح فيها كل المكتسبات التي تحققت منذ عام 2000 مهددة
بالزوال.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.