كتب

معالم التجربة الإسلامية في فلسطين وأقصر الطرق إلى القدس

أخطر ما جاء في الكتاب، أن المؤلف كان أسير الرواية التوراتية عندما أكد أن الدلائل التاريخية  المقارنة تظهر "أن موسى (ع) قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق. م، أي أواخر العصر البرونزي المتأخر..
أخطر ما جاء في الكتاب، أن المؤلف كان أسير الرواية التوراتية عندما أكد أن الدلائل التاريخية المقارنة تظهر "أن موسى (ع) قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق. م، أي أواخر العصر البرونزي المتأخر..
أصدر د. محسن صالح، الطبعة الرابعة من كتابه: "الطريق إلى القدس: دراسة تاريخية في رصيد التجربة الإسلامية على أرض فلسطين منذ عصور الأنبياء وحتى القرن الحادى والعشرون" (ط4، بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2023). يتناول فيه التجربة الإسلامية التاريخية على أرض فلسطين منذ عصور الأنبياء حتى يومنا هذا وفق تصور إسلامي لهذه القضية المركزية. وقد رأيت أن أناقش فكرة الفصل الأول الذي يحمل عنوان "صراع الحق والباطل على أرض فلسطين قبل الفتح الإسلامي".

يشير د. محسن صالح إلى أن الإنسان سكن "أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، وهناك آثار تعود إلى العصر الحجري القديم (500 ألف ـ 14 ألف ق.م)، والعصر الحجري الوسيط (14 ألف ــ 8 آلاف ق.م) حيث يطلق على هذا العصر في فلسطين الحضارة النطوفية نسبة إلى مغائر النطوف شمال القدس، وأصل النطوفيين غير معروف حتى الآن".

ويضيف "وخلال الأف الثالث ق.م هاجر إلى فلسطين العموريون "الأموريون"، والكنعانيون، وكذلك اليبوسيون والفينيقيون (وهما يُعدان من البطون الكنعانية)". ويستطرد "استقبلت فلسطين مجموعات مهاجرة من مناطق مختلفة أبرزها (شعوب البحر) التي يظهر أنها جاءت من غرب آسيا ومن جزر بحر إيجة (كريت وغيرها)... وسرعان ما اندمج الفلسطينيون بالكنعانيين".

اقتبست هذه الفقرات وفي نيتيّ أن أقدم هنا تقويمًا تاريخيًا لهذه النصوص. وبقليل من الجهد نستطيع أن نقتبس أقوالا وحججًا من مصادر متعددة تعارض ما كتبه د. محسن صالح عن تاريخ فلسطين القديم، ولعل أخطر ما جاء في الكتاب، أن المؤلف كان أسير الرواية التوراتية عندما أكد أن الدلائل التاريخية  المقارنة تظهر "أن موسى (ع) قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق. م، أي أواخر العصر البرونزي المتأخر. الذي شهد هو وبداية العصر الحديدي بداية الدخول اليهودي إلى فلسطين، ثم قيام مملكة داود وسليمان (ع) (1004- 923)، التي انقسمت إلى مملكة إسرائيل (923 ـ 722 ق.م)، ومملكة يهودا (923 ـ 586 ق.م)، والتي حكمت كل منها جزءاً محدوداً من أرض فلسطين".

من هنا بدأت الحضارة:

يرى د. زيدان كفافي، أن دلائل وجود الإنسان في بلاد الشام عامة، وفلسطين خاصة، تعود إلى حوالي المليون ونصف المليون عام.  ويشير د. سلطان محيسن، إلى: أن أقدم آثار الإنسان في بلاد الشام ـ وبالطبع فلسطين ـ تعود إلى العصر الحجري القديم الأدنى، الذي بدأ هنا منذ حوالي مليون سنة.

أخطأ المؤلف عندما اعتبر بداية الحضارة النطوفية 14 ألف سنة ق.م، وبذلك خلط بينها وبين الحضارة الكبارية، التي بدأت من 20 ألف إلى 12 ألف ق.م.

أما عدم معرفة الكاتب لأصل النطوفيين، فمردود عليه من دراسة الهياكل العظمية التي عثر عليها في مواضع مختلفة من فلسطين. تدل هذه الهياكل، أن أصحاب الحضارة النطوفية ينتمون إلى عنصر البحر المتوسط، فقد كان أصحاب هذه الثقافة أقرب إلى قصر القامة ويمتازون بالنحافة، يحملون صفات البحر المتوسط برأسها الطويل ووجهها الضيق ـ المسكون ـ مثل كثير من العرب الحاليين.

لسنا هنا في مجال الحديث عن تاريخ فلسطين القديم، ونحيل القارئ إلى مؤلفتنا: "فلسطين من هنا بدأت الحضارة" (الطبعة العربية 2017 ـ الطبعة الإنجليزية 2021)، "القدس التاريخ الحقيقي" (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2020).

تسميات ساذجة من الكتاب المقدس:

استنتج عالم الآثار والباحث اللغوي سباتينو موسكاتي، أن تسمية "كنعان" لا تبعث على الرضا من نواح عدة، فإنه يبدو من تمحيص المصادر أن لفظي كنعان والكنعانيين كانا يعنيان قبل كل شيء فينيقيا والفينيقيين، ولم يستعملا إلا في عصر متأخر للدلالة على مدلولين أوسع نطاقاً؛ أحدهما جغرافي، والآخر جنسي. وهذا ما أشار إليه عالم الكتاب المقدس توماس طومسون في عده مؤلفات بالقول: "إن كلمة (كنعاني) تقوم بوظيفتها مصطلحاً ازدائياً بالإشارة ليس إلى الإثنية أو حتى إلى شعب منطقة ما، بل إلى الطبقة التجارية في المجتمع، على نحو يتماشى كثيراً مع التمييزات الاجتماعية كما هو موجود ضمناً في الإشارة العربية إلى البدو والفلاحين والمدنيين".

 كما أننا لا نملك الدليل على أن فلسطين قد تعرضت إلى موجة كبيرة من المهاجرين [العموريون "الأموريون"]، ولا يوجد زيادة في عدد السكان سببها هذه الهجرة، كما أنه لا دليل لدينا يبين أن مستوطنات المرحلة الرابعة من العصر البرونزي المبكر قد انتهت إلى التدمير في أواخر حياتها. إن الكثرة في عدد مواقع المرحلة الأولى بدأت تدريجياً، وهذا بحد ذاته يؤكد أن البلاد لم تتعرض إلى موجات كبيرة من المهاجرين. (يُراجع: توماس طومسون، إسرائيل فنكلشتاين، د. محمد خير ياسين).

نود الإشارة أيضاً إلى أن الاسمان يبوس واليبوسيون لم يردا خارج النصوص التوراتية، ولا نستطيع حتى الآن تحديد الأصول الإثنية لليبوسيين بسبب نقص المعلومات الواردة عنهم. (يُراجع: د. محمود أبو طالب، فراس السواح، توماس م. بولين).

والقول بأن الفلسطينيين يمثّلون شعباً غريباً متطفلاً على فلسطين، يجب إنكاره. التأثير الوارد من بحر إيجه جزئي، وعلى أساس البينات المعروفة كان هذا التأثير هامشياً وسطحياً في اللغة والديانة والأشياء المادية حتى في أقدم أشكال الفخار المدعوة فلسطينية. كانت ثقافة المنطقة الساحلية وطنية تماماً ويمكن القول بأنها متأثّرة بحضارة بحر إيجه ولكنها محلية تماماً وذات طابع حضاري فلسطيني. (يُراجع: د. معاوية إبراهيم، توماس طومسون، مايكل غرانت، هيلير دو بارانتون).

التوراة لا إثباتات على الأرض:

ثمّة حقيقة مهمة، تكمُن في أنّ قرناً من البحوث الأثريّة المكثَّفَة؛ لم يتمكن من تقديم البُرهان على أن أحداث "الكتاب المقدس"، وقعت سواء في فلسطين أو في خارجها، وأي ادعاء بغير ذلك غير صحيح على الإطلاق وتزوير للحقائق.

إن السمة الرئيسية في الفصل الأول "صراع الحق والباطل على أرض فلسطين قبل الفتح الإسلامي"، هو، اعتماد المؤلف "الكتاب المقدس"، كوثيقة تاريخية،. فـ "الكتاب المقدس، بوصفِهِ نصاً مقدَّساً، لا يُوفِّر مصدراً تاريخياً، ولا يعكس بالضرورة، حقيقة عن الماضي. فمعظم فصول الكتاب العبري، ليست إلا قصة خيالية، أي تلفيقاً للتاريخ".
(لمزيد من التفاصيل حول إنهيار التاريخ التوراتي، يُراجع: كيث وايتلام، زئيف هرتسوغ، إسرائيل فنكلشتاين، نيل اشر سيلبرمان، شلومو ساند، فيليب ديفيز، نيلز بيتر لمكه).

كانت الصفعة القاسية والضربة القاصمة، التي تلقاها الباحثون عن قصص العهد القديم في فلسطين، هي تلك التي رماهم بها عالم الآثار الصهيوني، أستاذ قسم الآثار وحضارة الشرق القديم في جامعة تل أبيب البروفيسور زئيف هرتسوغ في تقريره الموسوم بـ"التوراة: لا إثباتات على الأرض"، الذي نشرته جريدة "هآرتس" العبرية بتاريخ 18/11/1999. يذكر هرتسوغ أنه: "بعد سبعين عاماً من الحفريات المكثفة في أرض فلسطين، توصل علماء الآثار إلى نتيجة مخيفة، لم يكن هناك شيء على الإطلاق حكايات الآباء مجرد أساطير، لم نهبط مصر، ولم نصعد من هناك، لم نحتل فلسطين، ولا ذكر لإمبراطورية داود وسليمان". ويستطرد هرتسوغ قائلاً: "من المعتقد أن سكان العالم كله، لا مواطني إسرائيل وأبناء الشعب اليهودي وحدهم سيذهلون لسماع الحقائق التي باتت معروفة لعلماء الآثار الذين يتولون الحفريات في أرض فلسطين منذ مدة من الزمن".

قصص للعبرة والعظة:

في الواقع لم يحدد القرآن الكريم، الأماكن الجغرافية، ولا الأزمنة التاريخية، التي عاش في رحابها "بنو إسرائيل".

في هذا السياق يقول د. محمد أحمد خلف الله، في أطروحته "الفن القصصي في القرآن" ما يلي: "المعاني التاريخية ليست من مقاصد القرآن في شيء ومن هنا أهمل القرآن مقوّمات التاريخ من زمان ومكان وترتيب الأحداث. إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. ومعنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معانٍ تاريخية لا تُعتبر جزءاً من الدين أو عنصراً من عناصره المكوّنة له. ومعنى هذا أيضاً أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده. حين وصل العقل الإسلامي إلى هذه المرحلة من التفكير كان قد وصل إلى حيز كثير، ذلك لأنه كان قد قطع شوطاً طويلاً في سبيل تحرُّر العقل الإسلامي من هذا المذهب التاريخي في فهم القصص القرآني. وكان قد وصل إلى القضاء على القصد التاريخي والقضاء على هذا القصد قد جلب للعقلية الإسلامية الفوائد التالية: (1) التحرُّر من الإسرائيليات والتخلُّص من كثير من هذه الفروض النظرية. (2) توجيه الذهن البشري إلى ما هو المقصود من القَصص القرآني من المواعظ.

هنا يلفت انتباهنا ما جاء في "تفسير المنار، الجزء الأول"، للشيخين محمد عبده ورشيد رضا: "إن القصص جاء في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين. وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضارّ لأجل الموعظة والاعتبار".

وأخيرًا، إن السمة الرئيسية في الفصل الأول "صراع الحق والباطل على أرض فلسطين قبل الفتح الإسلامي"، هو، اعتماد المؤلف "الكتاب المقدس"، كوثيقة تاريخية،. فـ "الكتاب المقدس، بوصفِهِ نصاً مقدَّساً، لا يُوفِّر مصدراً تاريخياً، ولا يعكس بالضرورة، حقيقة عن الماضي. فمعظم فصول الكتاب العبري، ليست إلا قصة خيالية، أي تلفيقاً للتاريخ".

وباختصار، يمكننا القول إن الطريق إلى القدس لا يمر عبر الروايات التوراتية.

*مؤرخ وباحِث فلسطيني
التعليقات (0)