كتب

الدور الأمريكي في إنهاء النازية والفاشية وحماية أوروبا حاسم

كتاب يسلط الضوء على الدور الأمريكي في قيام الانحاد الأوروبي- (عربي21)
كتاب يسلط الضوء على الدور الأمريكي في قيام الانحاد الأوروبي- (عربي21)

الكتاب: الاتحاد الأوروبي في القرن الحادي والعشرين- أوروبا والبحث عن دور
الكاتب: عاطف أبو سيف
الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن- عمان 2019.
(355 من القطع الكبير)

لم يكن الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي هو الأزمة الوحيدة التي يواجهها الاتحاد في الوقت الحالي، فقد انضافت له أزمة انتشار وباء كورونا، الذي استحالت معه بعض الدول الأوروبية إلى واحدة من أهم بؤر هذا الوباء، الذي راح ضحيته أكثر من مائتي ألف إنسان حتى الآن.

ويتوقع المراقبون، أن العالم برمته مقبل على تغيير كبير بسبب تداعيات جائحة كورونا، وأن الاتحاد الأوروبي واحد من أهم التكتلات المرشحة للتغيير..

الكاتب والباحث التونسي في تاريخ الفكر السياسي توفيق المديني، يعرض لكتاب صدر حديثا عن الاتحاد الأوروبي، للكاتب والسياسي الفلسطيني عاطف أبو سيف، يتناول بالدراسة والتحليل قيام الاتحاد الأوروبي ككيان إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن، وآفاقه.  

 



تشكل القوة الأوروبية

في أيار (مايو) 1992 تم تشكيل القوة العسكرية الأوروبية. بعد أقل من شهرين كان قد تم تشكيل قيادة مؤقتة للقوة في ستراسبورغ بفرنسا التي صارت مقراً للقوة. وقام كول وميتران بتدشين القوة العسكرية الأوروبية عام 1993. ومع تحويل اتحاد غرب أوروبا وفق تفويض بيتر سبورغ بالمكونات الدفاعية الخاصة بالإتحاد الأوروبي فقد قررت الدول المشاركة في القوة العسكرية الأوروبية في اجتماعها في روما في أيار (مايو) وضع القوة بكاملها تحت تصرف إتحاد غرب أوروبا. 

في حزيران (يونيو) من العام ذاته انضمت بلجيكا رسمياً إلى القوة. وتم في تشرين أول (أكتوبر) من عام 1995 وبحضور وزراء دفاع فرنسا وألمانيا وبلجيكا ترسيم الجنرال هيلمت ويلمان قائداً للقوة وانضمت اسبانيا ولوكسمبورغ للقوة في وقت قصير.
 
أول مهمة عسكرية للقوة كانت في البوسنة والهرسك حين تم إرسال 670 فرداً منها على أربع وحدات عام 1998 بما شكل أكثر من ثلث قوات حفظ الاستقرار في البوسنة والهرسك، وفي كانون ثاني (يناير) عام 2000 قرر الناتو أن يكون مقر قيادة القوة في ستراسبورغ مقر قيادة قواته في كوسوفو، وقامت القوة بإرسال قرابة 350 جندياً إلى بريشتنا وسكويج. كما تم عام 2004 إرسال القوة للمشاركة في قوة المساعدة الدولية العاملة في أفغانستان.

في قمة تولوز الفرنسية الألمانية في أيار (مايو) 1999 اقترحت الدولتان جعل القوة العسكرية كقوة تدخل تحت تصرف الاتحاد الأوروبي في وقت الأزمات. وبعد مصادقة الدول الأخرى المشتركة في القوة تم في قمة كولون في حزيران (يونيو) 1999 عرض الأمر على قادة الاتحاد الأوروبي فوافقوا عليه وقرروا تعزيز قدرات الإتحاد على التدخل وتشكيل قوات تكون جاهزة وقت الأزمة. ومع نهاية العام تمت المصادقة في قمة هلسنكي.

فرغم نشر أوروبا لقوات مختلفة في بقاع مختلفة من العالم إلا أن الكثير من الأوروبيين لا يرون مهمة قواهم قتال الأمم المختلفة. فأوروبا لا ترى دورها في التدخل الفردي لقتال الشعوب والحكومات الأخرى، بل ترى أن تدخلها الحربي يجب أن يكون محكوماً بالدفاع عن القيم التي وجد من أجلها الاتحاد ويجب أن لا تتعارض معها، فأوروبا قد ترسل قواتها لمنع كارثة أو حرب تطهير عرقي أو تتدخل لحل نزاع مسلح لا يمكن حله إلا بالقوة لحماية المدنيين. وعليه فـ "الجنود الأوروبيون سيحتاجون لأن يكونوا قادرين على بناء الطرقات والمستشفيات وفي نفس الوقت عليهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد للتدخل لحفظ السلام (باستخدام القوة) حين تقتضي الضرورة". فصورة أوروبا عن نفسها كقوة غير عسكرية، أو قائمة على استبعاد استخدام القوة العسكرية في حسم النزاعات هي ما يدفع للتلكؤ في تطوير هذه القوة.

 

أوروبا لا ترى دورها في التدخل الفردي لقتال الشعوب والحكومات الأخرى، بل ترى أن تدخلها الحربي يجب أن يكون محكوماً بالدفاع عن القيم التي وجد من أجلها الاتحاد ويجب أن لا تتعارض معها، فأوروبا قد ترسل قواتها لمنع كارثة أو حرب تطهير عرقي أو تتدخل لحل نزاع مسلح لا يمكن حله إلا بالقوة لحماية المدنيين.

 



الثابت أن الجيوش الأوروبية مختلفة في القدرات والثقافات والعقائد العسكرة كما هي مختلفة في طريقة الإدارة والقيادة، وإن تطوير أوروبا كقوة عسكرية يتطلب القفز عن مثل هذه العقبة القاتلة. فثمة فروق هائلة في القدرات العسكرية للدول الأوروبية المختلفة فمثلاً تستحوذ أربعة دول كبرى على أكثر من 70 بالمائة من مجمل مصروفات الاتحاد على الدفاع وهذه الدول هي بريطانيا وفرنسا (وحدهما تستحوذان على 43 بالمائة) وألمانيا وإيطاليا. وبإضافة هولندا وأسبانيا فإن الدول الستة تستحوذ على نسبة 80 بالمائة من مصروفات الاتحاد، وإذا ما تم إضافة اليونان وبولندا والسويد وبلجيكا فإن عشرة دول من أصل 28 تستحوذ على 90 بالمائة من مجمل مصروفات الاتحاد على الدفاع. 

أما من جهة التصنيع فإن ستة دول تستحوذ على أكثر من 90 بالمائة من قدرات الاتحاد على تصنيع السلاح وتشمل هذه بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا والسويد. وعليه فإن الغالبية العظمى من دول الاتحاد مستهلكة للسلاح.
 
يقول الباحث عاطف أبو سيف: "إن ظهور أوروبا كقوة عسكرية كونية يتطلب تطوير قدرات عسكرية مشتركة وهو ما يحدث نادراً، وحين يتم يعاني من عيوب ونواقص. كما أن هذا التطوير لا يتم على صعيد القدرات الفردية للدول الأعضاء. فمثلاً خفضت الدول الأعضاء تعداد جيوشها من 2.5 مليون عام 1999 إلى مليونين عام 2008 من هؤلاء بقي لديها فقط 200 ألف مجند مختار من أصل أكثر من مليون سابقاً. حتى أن نظرة على القدرات العسكرية والتجهيزات خلال السنوات العشرة الأولى من عمر السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية تدلل على انخفاض في العتاد الحربي الأوروبي. فبين عامي 1999 و2008 انخفض عدد الدبابات الحربية لدى دول الاتحاد إلى 10 آلاف دبابة، وهو نصف ما كان متوفر سابقاً، كما انخفض عدد الطائرات النفاثة المقاتلة من 3800 طائرة إلى 2400 طائرة، وانخفضت الطائرات المروحية المقاتلة من 4700 إلى 3500 مروحية"(ص 218 من الكتاب).

العلاقات الأوروبية-الأمريكية
 
ترتكز العلاقة الأوروبية-الأمريكية على مجموعة من الحقائق لا يمكننا فهم ديمومة وقوة هذه العلاقة دون أن ندركها. وهذه المرتكزات ستظل تطبع العلاقة بينهما منذ أن خمدت المدافع في الحرب العالمية الثانية حتى الآن، بل إن بعض هذه المتركزات ذات الدلالات التاريخية والثقافية سبقت هذه الحرب وكانت لصيقة بتشكيل العالم الجديد ذاته.

أولاً ـ سيظل الأوروبيون يذكرون لزمن طويل حقيقة المساهمة الأمريكية الفاعلة في تحرير العواصم الأوروبية من ثقل القوات النازية والفاشية. من المتعذر تصور نهاية أخرى للحرب العالمية الثانية ينهزم فيها هتلر وموسوليني لو لم تتدخل الولايات المتحدة لتفتح دباباتها العواصم الأوروبية وتجوب فيها طائراتها الحربية السماء الأوروبية في حرب ضروس ضد الرايخ. على ضفتي الأطلس تبدو هذه الحقيقة غير قابلة للجدل فالأوروبيون بدورهم يعرفون فضل أمريكا على القارة العجوز والأمريكيون بدورهم يدركون أن الأوروبيين لا بد أن يظلوا ممتنين لهم بسبب ذلك. 

والعلاقة وفق هذا ترتكز في الأساس على "الأمن"، فالتدخل الأمريكي والموقف الأمريكي حاسم لأمن أوروبا ولحمايتها، وعليه سيظل الأمن المكون الأساس في فهم الحساسية الأمريكية تجاه أوروبا وإدراك الخيرة للمدى الذي تستطيع فيه الافتراق مع الأولى.

ثانياً ـ لم يكن الدور المحوري والحاسم الذي لعبته القوات الأمريكية في قيادة التحالف الغربي ضد القوات النازية والفاشية بالقصة التي ستنتهي مع صمت المدافع فالولايات المتحدة قدمت العون المادي لأوروبا لإعمار ما خلفته الحرب عبر ما عرف بـ "خطة مارشال". من خلال الخطة المسماة باسم وزير الخارجية الأمريكي وقتذاك قدمت الولايات المتحدة 13 مليار دولار في أربع سنوات وهو ما يعادل 130 ملياراً بلغة الاقتصاد عام 2006. 

 

من المتعذر تصور نهاية أخرى للحرب العالمية الثانية ينهزم فيها هتلر وموسوليني لو لم تتدخل الولايات المتحدة لتفتح دباباتها العواصم الأوروبية وتجوب فيها طائراتها الحربية السماء الأوروبية في حرب ضروس ضد الرايخ.

 



وخطة مارشال التي تعتبر أكبر خطة إعمار في التاريخ قدمت لأوروبا الغربية في الأساس رغم أن الولايات المتحدة عرضت تقديمها للاتحاد السوفييتي على أن يلتزم المارد الشيوعي بحزمة من الشروط التي تشمل إصلاحات وتنسيق عسكري وهو ما كانت تعرف واشنطن أن موسكو لن تقبله في ذلك الوقت. وعليه اقتصر إعمار أوروبا على أوروبا الغربية وتركيا باستثناء إسبانيا التي كانت منعزلة بسبب سياسات فرانكو. فأمريكا ذات فضل كبير على أوروبا ما بعد الحرب ولولا المعونة الأمريكية كان يصعب تصور أوروبا تنهض من رماد الحرب.

ثالثاً ـ مع تنامي الخطر الشيوعي بعد فصل القوات في "تشك بوينت تشالري" في منتصف برلين كانت أوروبا الغربية الضعيفة المنهكة معرضة في أي لحظة للخطر السوفييتي، وعليه كانت القواعد الأمريكية المنتشرة في أرجاء القاعدة مصدراً للأمن وللحماية. من المؤكد بأن مثل هذه القواعد كانت ترجمة لعصر الهيمنة الأمريكية، إلا أنه يصعب تصور تطور التاريخ الأوروبي في النصف الثاني من القرن الماضي خاصة في السنوات العشرة التي تلت الحرب العالمية الثانية .

كانت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على أوروبا نابعة من محاولة قطع الطريق على أي انتشار للنموذج الاشتراكي القائم على الصراع الطبقي والمشاعية في الإنتاج. والأهم من كل ذلك هو القضاء على فرص نشوب حروب بين الألمان والفرنسيين، وبالتالي تجنيب الأمريكيين مشقة التدخل العسكري لفض النزاع المكلف. وبعبارات أخرى فإن أوروبا القوية ستكون قادرة على مجابهة المد السوفييتي المهيمن على الجانب الشرقي من القارة. وكان الرئيس إيزنهاور يعتقد بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تبقى في القارة لفترة طويلة فهي لن تكون "إمبراطرية رومانية" جديدة، بدلاً من ذلك لا بد من تشجيع أوروبا على بناء نفسها والنهوض كقوة ثالثة بجانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

يقول الباحث عاطف أبو سيف: "وللمفارقة الغربية فإن الحماسة الأمريكية التي قادتها إدارة إيزنهاور للدفع باتجاه الوحدة الأوروبية قوبلت بتردد أوروبي شديد، فبريطانيا رفضت أن تقود أوروبا كما أرادت لها الولايات المتحدة ورأت أن تنأى بنفسها عن كامل المشروع التكاملي الأوروبي في البداية باستثناء حلم تشرشل بتشكيل "الولايات المتحدة الأوروبية". من جانب آخر رفض الأوروبيون بشكل قاطع فكرة انسحاب القوات الأمريكية، ففرنسا ما قبل ديغول كانت متخوفة من فكرة تسلح ألمانيا نووياً. 

في المقابل ارتكزت رؤية ايزنهاور على سحب القوات الأمريكية ونهوض أوروبا كقوة كونية ثالثة، غير أن أوروبا كانت منقسمة عسكرياً ومسكونة بالخوف وبذكريات الحروب الأليمة المر الذي جعل تحقيق تلك الرؤية مخاطرة لم يرغب بها احد قبل ديغول"(ص 250 من الكتاب).

مع وصول ديغول للحكم في سنة 1958 بدأ الأمريكيون يتخوفون من تشكيل محور أوروبي بقيادة باريس وبون يتقرب من موسكو وبالتالي يعرض الهيمنة الأمريكية للخطر. عندها بدأت تتشكل وجهة النظر الأمريكية الثالثة التي طغت على الدبلوماسية الأمريكية في القارة الأوروبية. ارتكزت هذه النظرة على التراجع عن تطلعات آيزنهاور المتعلقة بدعم ظهور أوروبا كقوة كونية ثالثة وبتخفيف الحضور الأمريكي في القارة. غير أن هذه النظرة لم تذهب إلى عكس ذلك تماماً فهي لم تدعُ لتبني موقف معادٍ للتكامل الأوروبي، بل رأت أن تحقيق حداً معيناً من التكامل ضروري للمصالح الأمريكية، كما أدركت أن الأوروبيين لا يرغبون (باستثناء ديغول) في الجلاء الأمريكي الكامل، كما يعني أن رفع مظلة الناتو عن القارة سيعني إما صعود ألمانيا والعودة بالتالي إلى الصراعات الداخلية بين دول القارة أو نهوض أوروبا كقوة عسكرية كبيرة (وفق الطموح الديغولي) قد يكون المنافس الأشرس للمصالح الأمريكية في العالم.

يقول الباحث عاطف أبو سيف: "إن جدلية إسبارطة (أمريكا) مقابل أثينا (الاتحاد الأوروبي) تجد صداها عميقاً حتى في المواقف السياسية التي يتبناها الطرفان من القضايا الكونية الشاملة فالحرب على العراق (2003) مثلاً دللت بكثير من الوضوح على التردد الأوروبي في الذهاب إلى الحرب كخيار مقابل الصرامة والعزم الأمريكي الذي نجح في فرض نفسه باللجوء إلى القوة كحل أنجع، الأمر ذاته ينسحب على موقف الطرفين من قضية السلاح النووي الإيراني، حيث تفضل أمريكا الذهاب مباشرة إلى خطوات ردع دولية مدعومة بموقف متشدد من وكالة الطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي، فيما تفضل بروكسل إفساح المجال أمام الدبلوماسية والعلاقات السلمية والمفاوضات. إن إسبارطية القوة الأمريكية رغم كل شيء تنجح دائماً في ثني سلمية "أثينا" وفي جعل دفة القيادة الكونية تسير على خطا إسبارطة الأمريكية" (ص 255) .

وإذا كان الأمر كذلك فإن الساحة الدولية مرشحة في المستقبل القريب إلى مزيد من الحروب والدمار، الأمر الذي يتنافى مع الروح التي كانت وراء الفكرة الأوروبية من هنا يمكن أيضاً الاستدلال على الكثير من مواطن التوتر بين واشنطن وبروكسيل، وليس الخلاف حول مهام ومستقبل حلف الناتو رغم الاتفاق المبدئي على أهميته إلا أحد أوجه هذا الفهم.

ثمة صور نمطية غاية في الثبات في عقول المتابعين وهي صور تؤثر على تحليل مواقف القارتين.

فأمريكا وطنية، محافظة، متدينة، رأسمالية، استثمارية، فردانية، تميل للابتكار، صلبة الرأس وقاسية القلب أيضاً، مهووسة بالخوف، أحادية التصرف، لا تأبه بالرأي العام العالمي وبالقانون الدولي وطائشة في استخدام القوة العسكرية ووحيدة في ذلك أيضاً. أوروبا في المقابل تقدمية، علمانية، أقرب للاشتراكية، تشيخ، متقاربة ثقافياً، حذرة جداً من (وربما غير قادرة على) استخدام القوة العسكرية، ملتزمة (وربما واهمة) بالتصرف الجماعي في اتخاذ القرار. رغم ذلك فإنهما تشتركان في جملة من القضايا مثل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسوق الحرة وسيادة القانون وتتقاطعان في الكثير من المخاوف الأمنية المشتركة والمصالح الاقتصادية.

 

اقرأ أيضا: الاتحاد الأوروبي.. قراءة تاريخية في أسباب التأسيس

 

اقرأ أيضا: قراءة تاريخ توسعة الاتحاد الأوروبي في ظل العولمة الليبرالية

التعليقات (0)