هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
لا تُطرح إشكالية المثقف في الفكر الحديث والمعاصر باعتبارها سؤالًا عن صاحب المعرفة فحسب، وإنما باعتبارها سؤالًا عن العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين الفكر والسلطة، وبين الانتماء والاستقلال، وبين إنتاج المعنى وتحويله إلى فعل تاريخي. فالمثقف لا يعيش خارج شبكة المصالح والمؤسسات والصراعات التي يتشكل داخلها المجتمع، كما أن المعرفة التي ينتجها لا تبقى محايدة عندما تدخل المجال العام وتتحول إلى خطاب وهوية وبرنامج وتنظيم.
تطرح السلسلة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الفكر المعاصر: هل الحداثة نموذج واحد أم تجارب متعددة؟ وهل يمكن فصل المنجزات المؤسسية والسياسية والعلمية التي راكمتها المجتمعات الحديثة عن الشروط الفلسفية والتاريخية التي نشأت في ظلها؟ وهل يكون تجاوز المركزية الأوروبية بالعودة إلى الماضي والانغلاق على الذات، أم بإعادة امتلاك القدرة على التمييز والنقد والاختيار؟
إن علاقتي بالشيخ الرئيس محفوظ نحناح تعود إلى منتصف الستينيات من القرن الميلادي المنصرم 1966، وقد تعرفت عليه شاباً تقياً وطموحاً ذكياً متفتحاً مرحاً، متفجراً حيوية ونشاطاً، لا تعرف أسارير وجهه أي عبوس أو اكفهرارا إلا عندما يغضب لله أو لأمة الإسلام والحق والوطن والحرية والشرعية!
يكشف كتاب المؤرخ البريطاني وليام أ. بيتيغرو، "تجار الرقيق في بريطانيا"، مدى تغلغل تجارة الرقيق في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لبريطانيا الحديثة، مستنداً إلى مشروع بحثي قاد خلاله فريقاً من تسعة مؤرخين لتحديد نحو 13 ألف مستثمر شاركوا في تمويل نقل قرابة 3.3 مليون أفريقي مستعبد، توفي نحو نصف مليون منهم أثناء الرحلات عبر الأطلسي. ووفق مراجعة صحيفة "الغارديان" للكتاب، لم تقتصر آثار هذه التجارة على موانئ مثل ليفربول وبريستول، بل امتدت إلى البنية التحتية والمؤسسات الخيرية والثقافية والعلمية، وأسهمت أرباحها في جوانب من صعود بريطانيا الاقتصادي. كما يناقش بيتيغرو الطريقة التي جرى بها لاحقاً تهميش هذا الإرث، والتركيز على قصة إلغاء العبودية بدلاً من حجم الأرباح التي راكمتها بريطانيا من تجارتها. ويخلص الكتاب إلى أن فهم تاريخ بريطانيا الحديثة يظل ناقصاً من دون مواجهة الدور الذي لعبته تجارة الرقيق في تشكيلها.
أحدثت حرب البوسنة أثراً واسعاً في المجتمعات الإسلامية، وخاصةً عندما بدأت صور حصار سراييفو ومعسكرات الاعتقال واللاجئين والمجازر تصل إلى وسائل الإعلام. وتحركت جمعيات إغاثية ومؤسسات خيرية في بلدان عربية وإسلامية مختلفة، وجمعت التبرعات وأرسلت الغذاء والدواء والملابس والمساعدات إلى النازحين والمحاصرين، كما أصبحت القضية حاضرةً في خطب المساجد والجامعات والندوات ووسائل الإعلام. وتحركت منظمة المؤتمر الإسلامي، التي أصبحت لاحقاً منظمة التعاون الإسلامي، وطالبت دول إسلامية برفع حظر السلاح عن الحكومة البوسنية حتى تستطيع الدفاع عن نفسها، وكان الموقف من هذا الحظر أحد أبرز عناصر الخلاف بين عدد من الدول الإسلامية والقوى الغربية في إدارة الأزمة.
لقد تطور اللوبي من شبكة من المنظمات المدافعة عن دولة ناشئة إلى كيان أخطر بكثير: جهاز منضبط وممول بسخاء، يمتلك القدرة على مراقبة وتقييد خطاب المسؤولين المنتخبين وطلاب الجامعات والصحفيين، وإجبار الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تبني سياسات لا تحظى بقبول لدى الجمهور الأمريكي، وتكلف الكثير من الأرواح والأموال، وتلحق ضرراً فعلياً بالأمن القومي للولايات المتحدة.
يناقش كتاب مالكوم غلادويل "الطريقة الأمريكية للقتل: اختراع وباء" ظاهرة العنف المسلح في الولايات المتحدة من زوايا متعددة تشمل التاريخ والدستور والطب والشرطة وعلم الاجتماع وعلم النفس، ويقدم عددًا من التصحيحات للصورة الشائعة عن أزمة السلاح، من بينها أن تحسن الطب خفّض الوفيات رغم استمرار إطلاق النار، وأن معظم العنف المسلح لا يرتبط بعمليات إطلاق النار الجماعي، وأن الانتحار يمثل جانبًا كبيرًا من الوفيات بالأسلحة. لكن مراجعة غاري يونغ في «الغارديان» ترى أن غلادويل، رغم قدرته على جمع التفاصيل وصياغتها بأسلوب جذاب، يفشل في تفسير البنية الأعمق للأزمة، خصوصًا التفاوتات العرقية والطبقية وأسباب تركّز العنف في مجتمعات فقيرة ومهمشة، كما أن طرحه زيادة أعداد الشرطة وإعادة قراءة التعديل الثاني لا يتعامل بما يكفي مع جذور المشكلة السياسية والاجتماعية. وبذلك، ينجح الكتاب في إضاءة أجزاء من «الفيل»، لكنه، وفق المراجعة، لا يقدم تفسيرًا متماسكًا للفيل كله.
إذا كانت أزمة المعرفة تتصل بشروط إنتاج المفاهيم والتصورات، فإن السؤال عن موقع الغرب داخل هذا الإنتاج يبدو حتميًا. فالجزء الأكبر من الأدبيات الحديثة حول الإسلاموية تشكل داخل جامعات ومراكز بحث غربية تمتلك موارد معرفية ومؤسساتية هائلة، كما أن كثيرًا من المفاهيم التي انتقلت إلى التداول العالمي صيغت داخل هذه البيئة. غير أن تحويل هذه الملاحظة إلى اتهام شامل للمركزية الغربية يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ؛ إذ إن الغرب ليس كيانًا معرفيًا متجانسًا، كما أن الحقل الأكاديمي الغربي نفسه شهد نقدًا متواصلًا للاستشراق وللمقاربات الاختزالية والأمنية.
دخلت البوسنة والهرسك مرحلةً جديدةً بعد الحرب الروسية العثمانية، ومؤتمر برلين عام 1878م، حين منحت القوى الأوروبية الإمبراطورية النمساوية المجرية حق احتلال البلاد وإدارتها، مع بقاء السيادة العثمانية عليها من الناحية الاسمية في البداية. ودخلت القوات النمساوية المجرية البوسنة في صيف 1878م، وواجهت مقاومةً مسلحةً في عدد من المناطق شارك فيها مسلمون وغيرهم، ومن ثم تمكنت من فرض سيطرتها. وفي عام 1908م أعلنت الإمبراطورية ضم البوسنة والهرسك رسمياً، وهو القرار الذي أدى إلى أزمة دولية عرفت بأزمة ضم البوسنة، وأثار اعتراض الدولة العثمانية وصربيا وروسيا قبل أن يستقر الأمر للسلطة النمساوية المجرية.
في كتابه "دراسة الإسلاموية بين أزمة المعرفة وزيف التمثيل"، الصادر عن "مؤمنون بلا حدود" سنة 2026، لا يكتفي وائل صالح بسؤال الإسلاموية بوصفها ظاهرة سياسية وفكرية ودينية، بل يذهب إلى ما هو أبعد: إلى مساءلة المعرفة التي أنتجها الباحثون عنها، والأطر التي صنعت صورتها في الأكاديميا والإعلام والسياسة. فالسؤال هنا لا يعود فقط: ما الإسلاموية؟ بل يصبح: كيف عرفناها؟ ومن صاغ صورتها؟ ومن امتلك سلطة تمثيلها وتمثيل الإسلام من خلالها؟
جدير بالذكر أن جمهورية البوسنة والهرسك تقع في الجزء الغربي من شبه جزيرة البلقان، في جنوب شرقي أوروبا، وتحدها كرواتيا من الشمال والغرب والجنوب، وصربيا من الشرق، والجبل الأسود من الجنوب الشرقي، ولها منفذ صغير على البحر الأدرياتيكي عند مدينة نيوم.
شهد تاريخ التفسير تعدد مدارس واتجاهات تناولت القرآن الكريم بمناهج متفاوتة، تعكس كل منها زاوية نظر خاصة إلى النص وطريقة التعامل معه. فأقدم هذه الاتجاهات وأكثرها التصاقا بالنص هو التفسير بالمأثور، الذي يفسَّر فيه القرآن بالقرآن، أو بالسنة النبوية، أو بأقوال الصحابة والتابعين، ومن أبرز نماذجه "جامع البيان" للطبري و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير. ويقابله التفسير بالرأي، القائم على الاجتهاد العقلي في استنباط المعاني في ضوء قواعد اللغة وأصول الشريعة، وقد برع فيه الزمخشري في "الكشاف" والرازي في "مفاتيح الغيب"، وإن اختلف الفريقان في مدى قبول هذا الاجتهاد.
لا يمكن قراءة الحزب الديمقراطي اللبناني بوصفه حزباً فتياً أُسِّس عام 2001 وحسب. فخلف التنظيم الحديث تقف واحدة من أقدم الزعامات السياسية الدرزية في جبل لبنان: زعامة آل أرسلان. وهذا ما يميّزه عن أحزاب لبنانية كثيرة نشأت حول أحداث أو أيديولوجيات، ويقربه من أحزاب أخرى ـ ولا سيما ضمن بيئته الطائفية ـ نشأت حول زعامة، إذ جاء الحزب في جانب منه محاولةً لتحويل زعامة عائلية تاريخية إلى مؤسسة حزبية ذات هيكل سياسي وتنظيمي.
يقرأ السليتي هذه التجربة بعين المهندس والسياسي والخبير في التهيئة العمرانية وإدارة الشأن البلدي، فيربط بين تحقيق الديمقراطية وتأمين شروط الحياة اليومية، وبين شرعية الحكم والقدرة على توفير السكن والنقل ورعاية الأطفال. ومن خلال تحليل البرنامج الاجتماعي لممداني، وتنظيمه الديمقراطي، واستراتيجيته الاتصالية، والعوائق المؤسسية والمالية التي تواجهه، يكشف الكتاب عن انتقال حاسم من سياسة الاحتجاج إلى امتحان الحكم، ومن التعبير عن الغضب الاجتماعي إلى بناء سلطة ديمقراطية قادرة على الإنجاز.
تعيد مذكرات إيرل سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، الجدل حول الأيام التي سبقت جنازتها، إذ تتضمن رواية عن مشادة مع الأمير تشارلز بشأن مشاركة نجليه وليام وهاري في موكب التشييع، قال خلالها، بحسب سبنسر، "سننساها قريبا بما يكفي". ولم يؤكد قصر باكنغهام الرواية، مكتفيا بالإشارة إلى أن الحزن قد يؤثر في الذاكرة والحكم على الأحداث، فيما يستعد الكتاب للصدور قبل الذكرى الثلاثين لوفاة ديانا.
بين ثنايا صفحات هذا الكتاب دراسات فلسطينية ورؤى مختلفة في معالجة حرب الإبادة على غزة، فهذه الدراسات قائمة على مقاربة نسوية فلسطينية مناهضة للاستعمار والصهيونية بوجها البشع، وهي مقاربة تواجه وتفضح ألة القتل الاستعماري التي تنتهج الحكومة الإسرائيلية، التي بات يؤمن بها أغلب المجتمع الإسرائيلي في تعامله مع الشعب الفلسطيني، كما تؤكد هذه المقاربة على المقاومة المتضمنة في أصوات النساء الفلسطينيات، تبحث عن الحياة والموت في كلمات نساء غزيات، التي يغزوها الألم والوجع والهذيان من هول ما حل بالنساء الفلسطينيات.