إذا كان السؤال في الحلقة الأولى هو كيف يغادر
الفقيه عتبة النص ليصبح مثقفًا شاهدًا على التاريخ، فإن الحلقة الثانية تذهب إلى
اللحظة التالية: ماذا يحدث حين يغادر المثقف عتبة إنتاج المعنى ليدخل عالم التنظيم
والنضال والصراع على الدولة؟ هنا تلتقي أطروحة عبد المجيد النجار مع قراءة جيل
كيبيل في منطقة شديدة التعقيد؛ فالمعرفة لا تبقى فكرة حين تدخل المجال العام،
وإنما تتحول إلى هوية، والهوية إلى جماعة، والجماعة إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة
تنازع الدولة على تعريف الشرعية والمجتمع والمستقبل.
وفي كتابه "المثقف والمناضل في الإسلام
المعاصر"، الذي صدر بالعربية عن دار الساقي، يتتبع كيبيل بروز هذا الفاعل
الإسلامي الحديث الذي لم يعد فقيهًا تقليديًا ولا مثقفًا علمانيًا، بل شخصية هجينة
تجمع إنتاج المفاهيم بفعل التعبئة السياسية والاجتماعية.
ومن هنا تصبح التجربة التونسية، ولا سيما مسار
حركة النهضة، اختبارًا حاسمًا لهذه الأطروحة: ماذا يحدث للمثقف حين يتحول المناضل
إلى حزبي، والحزبي إلى نائب أو وزير، والمعارض إلى شريك في الحكم، ثم يجد نفسه من
جديد أمام دولة تغيّرت قواعدها؟ إن المسألة، في جوهرها، ليست انتقالًا خطيًا من
الفكر إلى الفعل، بل حركة دائرية يعيد فيها الفعل السياسي تشكيل الفكر نفسه. ومن
هذه النقطة تحديدًا تتسع المقارنة من كيبيل إلى غرامشي وكريستيفا، ومن "المثقف
المناضل" إلى "المثقف العضوي" و"المثقف المنشق": أي إلى
السؤال الأصعب الذي يلاحق المثقف المعاصر: كيف ينتمي إلى جماعته دون أن يصبح
أسيرًا لها، وكيف يشارك في التاريخ دون أن يفقد المسافة التي تجعله قادرًا على نقد
التاريخ وصانعيه؟
تنطلق قراءة جيل كيبيل للإسلام المعاصر من محاولة فهم التحول الذي طرأ على الفاعل الإسلامي خلال
النصف الثاني من القرن العشرين: كيف انتقل من مجال الدعوة الدينية التقليدية إلى
مجال إنتاج الأيديولوجيا والتنظيم والفعل السياسي؟
وفي كتابه "المثقف والمناضل في الإسلام المعاص» يهتم كيبيل، في جوهر أطروحته،
بالعلاقة بين من ينتج التصورات والمفاهيم وبين من يحولها إلى ممارسة وحركة وتنظيم.
فـ "المثقف المسلم" الحديث ليس بالضرورة عالم الدين التقليدي؛ إنه قد
يكون مهندسًا أو طبيبًا أو أستاذًا أو طالبًا تلقّى تعليمًا حديثًا، لكنه أعاد
قراءة الإسلام باعتباره منظومة قادرة على تفسير المجتمع والدولة والتاريخ. ومن هنا
يظهر نمط جديد من النخب الدينية-السياسية ينافس الفقيه التقليدي كما ينافس المثقف
العلماني على سلطة تعريف الواقع وتحديد طريق تغييره.
تنطلق قراءة جيل كيبيل للإسلام المعاصر من محاولة فهم التحول الذي طرأ على الفاعل الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين: كيف انتقل من مجال الدعوة الدينية التقليدية إلى مجال إنتاج الأيديولوجيا والتنظيم والفعل السياسي؟
ويقوم التمييز بين المثقف والمناضل عند كيبيل على اختلاف الوظيفة أكثر من
قيامه على الفصل التام بين شخصيتين اجتماعيتين. فالمثقف ينتج الخطاب: يعيد صياغة
مفاهيم الجاهلية والحاكمية والدولة والمجتمع والعدالة والثورة والهوية، ويحوّل
المرجعية الإسلامية إلى لغة قادرة على الدخول في الصراع السياسي الحديث. أما
المناضل فيحوّل هذا الرصيد الرمزي إلى تنظيم وشبكات تعبئة وممارسة اجتماعية
وسياسية. وقد يجتمع الدوران في الشخص نفسه؛ إذ يصبح المثقف مناضلًا عندما ينتقل من
تفسير الأزمة إلى محاولة تغييرها، ويصبح المناضل منتجًا للأفكار عندما يضطر إلى
تبرير استراتيجيته واختياراته. ولذلك يمكن قراءة الإسلام الحركي عند كيبيل بوصفه
مجالًا دائريًا تنتقل فيه
الأفكار من النص إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى الفعل،
ومن الفعل إلى إعادة تأويل النص.
وتكتسب هذه الأطروحة عمقها حين نربطها بكتاب "النبي والفرعون"،
الذي درس فيه كيبيل الحركات الإسلامية المصرية في عهد أنور السادات، ولا سيما
الجماعات التي ظهرت في الجامعات وفي البيئات الشبابية. فثنائية "النبي/الفرعون"
ليست مجرد استعارة دينية، وإنما تكشف آلية لإعادة ترميز الصراع السياسي: يصبح
النموذج النبوي مرجعًا لتأسيس الجماعة المؤمنة والمجتمع البديل، بينما يُقرأ
الحاكم المستبد من خلال صورة "فرعون" بوصفه تجسيدًا للسلطة التي تتجاوز
حدود الشرعية. بذلك لا يعود الصراع مجرد نزاع على سياسات حكومية، بل يمكن، لدى بعض
التيارات التي يدرسها كيبيل، أن يتحول إلى صراع على مصدر الشرعية نفسه: هل تستمد
الدولة مشروعيتها من مؤسساتها الوضعية أم ينبغي إعادة بنائها انطلاقًا من مرجعية
إسلامية؟
ويحتل سيد قطب موقعًا محوريًا في تفسير كيبيل لهذا التحول، لأن خطاب قطب
وفّر لبعض الأجيال الإسلامية جهازًا مفاهيميًا يسمح بتحويل الاعتراض الاجتماعي
والسياسي إلى رؤية كلية للعالم. فمفاهيم مثل الجاهلية والحاكمية والعصبة المؤمنة
والمفاصلة لم تبقَ، في بعض القراءات الحركية، مفاهيم وعظية أو لاهوتية، بل أصبحت
أدوات لتفسير السلطة والمجتمع وموقع المسلم داخلهما. وهنا تظهر قوة "المثقف"
في منظور كيبيل: فهو لا يقود بالضرورة مظاهرة أو تنظيمًا مسلحًا، لكنه ينتج
القاموس الذي يفكر به المناضل. ومن ثم فإن أثر المثقف قد يتجاوز حضوره التنظيمي المباشر، لأن النص يستطيع
الانتقال بين الأجيال والجماعات والسياقات وأن يخضع في الوقت نفسه لتأويلات معتدلة
أو راديكالية متباينة.
غير أن كيبيل لا يفسر ظهور المناضل الإسلامي بالأفكار وحدها؛ فكتاب "النبي
والفرعون" يربط صعود الحركات الإسلامية المصرية بتحولات اجتماعية وسياسية
ملموسة: توسع التعليم الجامعي، صعود أجيال شابة جديدة، اختلال التوازنات
الاجتماعية، أزمة المشروع القومي بعد هزيمة 1967، سياسات الانفتاح الاقتصادي،
وتحولات علاقة نظام السادات بالقوى الإسلامية واليسارية. وبذلك يصبح المناضل
الإسلامي نتاجًا لتقاطع الأيديولوجيا مع البنية الاجتماعية. فالجامعة والمسجد والجمعيات
والشبكات الاجتماعية ليست مجرد أماكن لنشر العقيدة، وإنما فضاءات لإنتاج هوية
جماعية وتضامن اجتماعي وتجنيد سياسي. وهذه النقطة تمنع اختزال أطروحة كيبيل في
تفسير ديني خالص: الإسلام السياسي لديه ظاهرة دينية، ولكنه كذلك ظاهرة اجتماعية
وسياسية حديثة.
ويكشف كيبيل أيضًا عن تعدد صورة "المناضل المسلم"؛ فلا توجد في
تحليله كتلة إسلامية واحدة متجانسة. ثمة مسارات دعوية وإصلاحية وحركية، إلى جانب
تيارات راديكالية تبنت القطيعة أو العنف. والسؤال الحاسم يصبح: كيف ينتقل
فاعل إسلامي من الدعوة إلى المعارضة السياسية، ومن المعارضة إلى تصور الدولة
القائمة باعتبارها غير شرعية، ومن ذلك أحيانًا إلى تبرير المواجهة؟ لا يفسر كيبيل
هذا الانتقال بصفة جوهرية ثابتة في الإسلام، وإنما يتتبعه داخل عمليات التأويل
والتنظيم والصراع والقمع والفرص السياسية. ولهذا تمثل العلاقة بين الدولة والحركات
الإسلامية عنصرًا أساسيًا: فسياسات الاحتواء أو السماح النسبي أو الاعتقال
والملاحقة يمكن أن تؤثر في موازين القوى داخل الحركة نفسها وفي صعود اتجاه على
حساب آخر.
مفاهيم مثل الجاهلية والحاكمية والعصبة المؤمنة والمفاصلة لم تبقَ، في بعض القراءات الحركية، مفاهيم وعظية أو لاهوتية، بل أصبحت أدوات لتفسير السلطة والمجتمع وموقع المسلم داخلهما. وهنا تظهر قوة "المثقف" في منظور كيبيل: فهو لا يقود بالضرورة مظاهرة أو تنظيمًا مسلحًا، لكنه ينتج القاموس الذي يفكر به المناضل.
ويمكن، مع ذلك، توجيه نقد منهجي إلى أطروحة كيبيل. فالتركيز على الإسلام
الحركي، ولا سيما الحالات الراديكالية التي يوفرها النموذج المصري، قد يجعل "المثقف
المسلم" يبدو شديد الارتباط بمسار التحول من الفكر إلى التعبئة السياسية،
بينما المجال الإسلامي الحديث أوسع بكثير: يضم مفكرين إصلاحيين وفقهاء ومثقفين
مستقلين وفاعلين مدنيين وحركات قبلت المشاركة الانتخابية والتعددية. كما أن مفهوم "المناضل"
يحتاج إلى التمييز بين الناشط السياسي السلمي، والمناضل الحزبي، والداعية، والفاعل
الاحتجاجي، والفاعل المسلح؛ فجمع هذه الصور داخل سردية واحدة قد يحجب اختلاف
استراتيجياتها ومفاهيمها للشرعية والدولة والعنف. لذلك تكون أطروحة كيبيل أكثر
فائدة عندما تُستخدم أداةً لتحليل شروط إنتاج الفاعل الإسلامي الحديث لا نموذجًا
واحدًا يفسر جميع الإسلاميين.
والخلاصة أن الكتابين يسمحان ببناء ثلاثية تفسيرية: المثقف ينتج المعنى، والمناضل
يحوّل المعنى إلى تنظيم وفعل، والدولة تشكل البيئة التي يجري داخلها الصراع على
الشرعية. ومن هذه الزاوية يصبح السؤال المركزي عند كيبيل أوسع من سؤال "ماذا
يريد الإسلاميون؟": إنه سؤال كيف يتحول الدين إلى لغة للاحتجاج وإعادة بناء
الهوية والشرعية السياسية، وكيف تنتقل الفكرة من الكتاب إلى الجماعة ثم إلى المجال
العام والدولة؟ وفي هذا تحديدًا يمكن وضع كيبيل في مقارنة مثمرة مع أنطونيو غرامشي: فكما يربط
غرامشي "المثقف العضوي" بطبقة ومشروع للهيمنة، يدرس كيبيل المثقف
الإسلامي بوصفه منتجًا لرؤية للعالم تستطيع تكوين جماعة سياسية وحشدها؛ لكن الفرق
أن غرامشي يقدم نظرية عامة في المثقف والهيمنة، بينما يقدم كيبيل أساسًا تحليلًا
سوسيولوجيًا وسياسيًا تاريخيًا لتشكل الحركات الإسلامية المعاصرة.
من المثقف الإسلامي إلى المناضل الحزبي في تجربة حركة
النهضة
إذا نُقلت ثنائية جيل كيبيل بين "المثقف" و"المناضل" من الحالة
المصرية إلى الحالة التونسية، فإن حركة الاتجاه الإسلامي، التي أعلنت عن نفسها
سياسيًا سنة 1981 ثم أصبحت لاحقًا حركة النهضة، تقدم حالة مقارنة مهمة، ولكنها
ليست نسخة تونسية من النموذج المصري. فقد تشكلت الحركة الإسلامية التونسية داخل
بيئة مختلفة: دولة وطنية مركزية ذات مشروع تحديثي بورقيبي قوي، وإرث زيتوني
وإصلاحي تونسي، وجامعة حديثة، ونقابات ومنظمات مدنية، ونخب علمانية ويسارية ذات
حضور واسع. ولذلك لم يكن "المثقف الإسلامي" التونسي مجرد ناقل لأفكار
المشرق، بل دخل منذ البداية في عملية إعادة تركيب بين المرجعية الإسلامية والمسألة
الوطنية التونسية ومشكلات الدولة الحديثة.
ويمثل راشد الغنوشي نموذجًا واضحًا يمكن من خلاله اختبار أطروحة كيبيل. فهو
لم يؤدِّ وظيفة الزعيم التنظيمي فحسب، بل مارس وظيفة إنتاج المفاهيم التي يحتاج
إليها المناضل الإسلامي لفهم الدولة والديمقراطية والحريات والعلمانية والمجتمع.
ومع تطور تجربته الفكرية والسياسية، أصبحت أسئلة الديمقراطية والتعددية والحريات
العامة والمشاركة السياسية والمواطنة جزءًا مركزيًا من الخطاب الذي قدمته قيادة
النهضة. وهنا يظهر المثقف، بالمعنى الذي يمكن استخلاصه من كيبيل، بوصفه منتجًا
لـالقاموس السياسي الذي تتحرك من خلاله الجماعة، لا مجرد فقيه يصدر أحكامًا شرعية.
وتذهب بعض الدراسات المقارنة إلى أن تجربة المنفى الطويلة لعدد من قيادات النهضة،
ومنها إقامة الغنوشي في لندن بين 1991 و2011، ساهمت في تطوير خطاب الحركة السياسي
باتجاه أكثر انفتاحًا على التعددية والمصالحة.
وفي المقابل، جسدت القاعدة التنظيمية للحركة صورة «المناضل» بصورة أكثر وضوحًا. فمنذ
الثمانينيات، انتقلت الأفكار الإسلامية من حلقات الثقافة والدعوة والنقاش الفكري
إلى بناء شبكات تنظيمية وطلابية واجتماعية وسياسية. وهنا يمكن تطبيق الصيغة
الكيبيلية بصورة مباشرة: المثقف ينتج المعنى، والتنظيم يعيد صياغته، والمناضل يحوله إلى ممارسة. لكن العلاقة
ليست خطية؛ فالمناضلون بدورهم كانوا يفرضون على القيادة الفكرية أسئلة جديدة
مصدرها السجن والملاحقة والعمل السري والمنفى ثم المشاركة الانتخابية والحكم،
وبذلك كانت التجربة السياسية تعود باستمرار لتعديل الفكر الذي أنتجها.
وتتضح أهمية العامل الثالث في نموذج كيبيل، أي الدولة، بصورة خاصة في تونس.
فقد أثرت علاقة الدولة بالحركة الإسلامية في طبيعة تنظيمها وخطابها وتطور
قياداتها. وخلال عهد بن علي، خاصة منذ
بداية التسعينيات، تعرضت النهضة لحملة قمع واسعة أدت إلى سجن عدد كبير من قياداتها
ومنضاليها ودفع آخرين إلى المنفى، وهو ما أدى عمليًا إلى انقسام تجربتها البشرية
بين "نهضة الداخل" و"نهضة الخارج". ومن منظور كيبيل، لا تكون
الدولة هنا مجرد خصم خارجي، بل تصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيل العلاقة بين
الفكرة والتنظيم والمناضل.
لكن الحالة التونسية تكشف أيضًا حدود تطبيق نموذج "النبي والفرعون" بصورة
حرفية. ففي التجربة المصرية التي درسها كيبيل، اكتسبت لدى بعض الجماعات
الراديكالية ثنائية المجتمع المؤمن والسلطة غير الشرعية وزنًا كبيرًا. أما المسار
الرئيسي للنهضة التونسية فقد اتجه تدريجيًا إلى البحث عن الاعتراف القانوني
والمشاركة داخل الدولة بدل بناء شرعية ثورية بديلة عنها.
لذلك يمكن القول إن الإشكالية التونسية تحولت تدريجيًا من سؤال "كيف
نواجه الدولة؟" إلى سؤال "كيف ندخل الدولة ونشارك فيها من دون أن نفقد المرجعية
والهوية؟". وهذه نقطة اختلاف أساسية تجعل تطبيق كيبيل على تونس تطبيقًا نقديًا لا
استنساخًا للنموذج المصري.
وقد مثلت ثورة 2011 لحظة انقلاب كبرى في العلاقة بين المثقف والمناضل
والدولة. فقد انتقلت النهضة من حركة عانت الحظر والقمع إلى حزب قانوني يشارك في
الانتخابات والمؤسسات. وفي انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 أصبحت القوة
الحزبية الأكبر وشكلت حكومة ائتلافية مع المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل. وهنا
تغيرت وظيفة المناضل نفسه: فالشخص الذي كان يعمل سابقًا في شبكات المعارضة أصبح نائبًا،
أو وزيرًا أو مسؤولًا حزبيًا أو فاعلًا داخل مؤسسات الدولة. وبذلك انتقلت الحركة
من منطق الاحتجاج على السلطة إلى اختبار ممارسة السلطة.
وهذا الانتقال فرض بدوره إعادة تعريف وظيفة المثقف الإسلامي. ففي المعارضة
يستطيع المثقف إنتاج خطاب معياري عن العدالة والحرية والهوية، أما في الحكم فيصبح
مطالبًا بتحويل تلك المفاهيم إلى سياسات عامة وتسويات دستورية، وتحالفات وقرارات
اقتصادية واجتماعية. ومن هنا ظهرت مسافة بين المثقف صاحب المشروع والسياسي الذي
تدفعه موازين القوى إلى التسوية. وهذه المسافة مهمة في قراءة تجربة النهضة؛ لأن جزءًا من أزمتها بعد 2011
يمكن تحليله بوصفه صعوبة الانتقال من "رؤية للعالم" إلى "برنامج
للحكم".
وتكشف أزمة 2013 بوضوح هذا التحول. ففي سياق استقطاب سياسي حاد، دخلت
النهضة في مسار تسوية أفضى إلى انتقال السلطة إلى حكومة تكنوقراط، ثم تطورت
علاقتها لاحقًا مع نداء تونس والباجي قائد السبسي ضمن
سياسة التوافق. وتصف مصادر
بحثية هذا المسار باعتباره انتقالًا متزايدًا نحو التسوية السياسية والتعامل
البراغماتي مع موازين القوى. وهنا يصبح المناضل الإسلامي الذي نشأ على الدفاع عن
هوية الحركة مطالبًا بقبول التنازل والتفاوض وتقاسم المجال السياسي مع خصومه؛ أي
إن أخلاق المناضل الاحتجاجي بدأت تصطدم بـعقلانية السياسي التوافقي.
وتبلغ هذه العملية إحدى أهم محطاتها في المؤتمر العاشر للنهضة سنة 2016. فقد أعلنت
الحركة "التخصص الوظيفي" والتركيز على النشاط السياسي مع إخراج النشاط
الدعوي من البنية الحزبية. وقدمت القيادة هذا التحول في إطار الانتقال نحو حزب
سياسي مدني يستلهم قيمًا إسلامية بدل الجمع المؤسسي بين الحزب والدعوة. ومن منظور
أطروحة كيبيل، يمثل ذلك محاولة لإعادة توزيع الوظائف التي كانت مجتمعة داخل الحركة
الإسلامية القديمة: الداعية للدعوة، والمثقف لإنتاج المعنى، والسياسي لإدارة الحزب والدولة،
والمناضل للعمل الحزبي والمدني.
كشف التجربة التونسية عن تعديل جوهري يمكن إدخاله على أطروحة كيبيل. فليس السؤال فقط كيف ينتج المثقف الأفكار التي يحملها المناضل في مواجهته مع الدولة، وإنما أيضًا كيف تغير الدولة والمناضل والممارسة السياسية المثقف نفسه.
لكن التجربة أظهرت أن الفصل النظري بين هذه الوظائف أسهل من الفصل
الاجتماعي والثقافي بينها. فقد ظلت أسئلة الهوية والقيم والدين حاضرة داخل قواعد
النهضة، كما بقيت العلاقة بين المجال السياسي والمجال الدعوي موضوعًا للنقاش بعد
مؤتمر 2016. وتشير دراسات كارنيغي إلى أن تطبيق «التخصص الوظيفي» واجه توترات
مرتبطة بهوية الحزب وقاعدته وعلاقته بالإرث الدعوي، وأن الحدود العملية بين
المجالين لم تكن دائمًا حاسمة. وهذا يؤكد إحدى الأفكار التي يمكن تطويرها انطلاقًا
من كيبيل: التنظيم يستطيع تغيير هيكله أسرع مما تستطيع الجماعة تغيير ذاكرتها وهويتها
السياسية.
وتسمح الحالة التونسية كذلك بإضافة عنصر لا يظهر بالقوة نفسها في الثنائية
الأصلية بين المثقف والمناضل، هو الفقيه. فداخل المجال الإسلامي
التونسي يمكن التمييز تحليليًا بين الفقيه الذي ينتج الشرعية الدينية، والمثقف
الذي ينتج تفسيرًا للعالم، والمناضل الذي يحول الأفكار إلى تعبئة وتنظيم، والسياسي
الذي يحول موازين القوى إلى قرارات وتسويات. وقد تجتمع هذه الوظائف في فرد واحد،
لكنها أصبحت مع تطور النهضة أكثر تمايزًا. ولذلك يمكن توسيع كيبيل تونسيًا من
ثنائية المثقف/المناضل إلى رباعية الفقيه/المثقف/المناضل/السياسي.
وتصبح هذه الرباعية أكثر أهمية بعد 25 جويلية2021، حين جمّد الرئيس قيس
سعيّد أعمال البرلمان وأقال رئيس الحكومة، ثم أعيد تشكيل النظام السياسي والمؤسسات
الدستورية في السنوات التالية. فقد وجدت النهضة نفسها مجددًا أمام سؤال الدولة،
ولكن في سياق مختلف جذريًا عن سياق بن علي: الحركة لم تعد تنظيمًا محظورًا يبحث
لأول مرة عن الاعتراف، بل حزبًا راكم تجربة عشر سنوات من الشرعية الانتخابية
والبرلمانية والحكومية. ومن ثم أصبح السؤال الجديد: كيف يتصرف المثقف والمناضل
والسياسي الإسلامي بعد تجربة الحكم عندما تتغير قواعد النظام السياسي الذي شارك
فيه؟
وهنا تظهر مفارقة تونسية مهمة بالنسبة إلى كيبيل: ففي الثمانينيات
والتسعينيات كان المثقف الإسلامي ينتج خطابًا يبرر الدخول إلى المجال السياسي؛
وبعد 2011 أصبح مطالبًا بإنتاج خطاب يبرر التوافق والمشاركة وإدارة الدولة؛ وبعد
2021 أصبح مطالبًا بإعادة التفكير في الديمقراطية والدولة والتحالفات والمعارضة
على ضوء تجربة الحكم نفسها. وهكذا لا يسير المسار التونسي في خط واحد من الدعوة
إلى الراديكالية، بل في حركة أكثر تعقيدًا: دعوة → حركة احتجاجية → حزب
سياسي → مشاركة في الحكم → توافق → أزمة هوية ووظيفة → إعادة التفكير في موقع
الحركة داخل الدولة والمجتمع.
ومن هنا تكشف التجربة التونسية عن تعديل جوهري يمكن إدخاله على أطروحة
كيبيل. فليس السؤال فقط كيف ينتج المثقف الأفكار التي يحملها المناضل في مواجهته
مع الدولة، وإنما أيضًا كيف تغير الدولة والمناضل والممارسة السياسية المثقف نفسه.
لقد غير السجن والمنفى الفكر، وغيرت الثورة التنظيم، وغير الحكم خطاب المعارضة،
وغير التوافق مفهوم الخصم، وأعاد التحول السياسي بعد 2021 طرح سؤال الدولة من
جديد. ولذلك تصبح العلاقة دائرية: المثقف يصنع المناضل، والمناضل يصنع التنظيم، والتنظيم يدخل في صراع أو
تفاوض مع الدولة، وتجربة الدولة تعود فتعيد تشكيل المثقف نفسه.
وبهذا المعنى، فإن تطبيق كيبيل على تونس يقود إلى نتيجة أوسع من نموذجه
المصري: المثقف الإسلامي التونسي ليس مجرد منتج لأيديولوجيا الاحتجاج، والمناضل ليس
مجرد حامل لها، والدولة ليست مجرد "فرعون" يواجها. فالتجربة التاريخية لحركة النهضة بين 1981 وما
بعد 2011 تكشف انتقال هذه الشخصيات بين مواقع متعددة: الفقيه قد يصبح مثقفًا،
والمثقف قد يصبح زعيمًا حزبيًا، والمناضل قد يصبح نائبًا أو وزيرًا، والمعارض قد
يصبح شريكًا في الحكم ثم يعود إلى المعارضة. ولذلك فإن الحالة التونسية تدفع
أطروحة كيبيل من سوسيولوجيا التعبئة الإسلامية إلى سوسيولوجيا تحول الحركة
الإسلامية تحت تأثير الدولة، والديمقراطية والحكم والمعارضة.
مثقف غرامشي وكريستيفا
يمكن
بناء المقارنة بين المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي والمثقف المنشق عند
جوليا كريستيفا انطلاقًا من اختلاف موقع المثقف إزاء الجماعة
والسلطة. فالمثقف العضوي عند غرامشي ليس مجرد منتج للأفكار، بل فاعل مرتبط بكتلة
اجتماعية وتاريخية، يعمل على تحويل خبرتها ومصالحها إلى وعي ومشروع ورؤية للعالم؛
ولذلك تكون وظيفته الأساسية بناء الهيمنة الثقافية المضادة وربط المعرفة بالفعل
السياسي والاجتماعي.
معيار المثقف التونسي الجديد ليس السؤال: إلى أي معسكر ينتمي؟ بل: هل يستطيع أن يقول لجماعته ما لا ترغب في سماعه، وأن ينتقد خصومها دون شيطنتهم، وأن ينتقد سلطتها حين تصبح مهيمنة، وأن يحول المعرفة من أداة لتبرير الصراع إلى أداة لفهم المجتمع وإعادة بناء التعاقد السياسي؟
أما
"المثقف المنشق" عند جوليا كريستيفا فينبغي استعماله بوصفه تركيبًا تأويليًا
لفكرها أكثر منه مفهومًا اصطلاحيًا مغلقًا صاغته على طريقة غرامشي. فمن
خلال أعمالها عن الثورة والتمرّد، وخاصة العبث والمعنى في الثورة والتمرد الذاتي
يصبح المثقف حارسًا للقدرة على السؤال وإعادة النظر في المعاني المستقرة، فلا
يكتفي بالانشقاق عن السلطة السياسية، بل يمارس نوعًا من "الثورة الحميمة"
ضد ما يتحول داخل الذات والثقافة واللغة إلى يقين مغلق. بهذا المعنى، إذا كان مثقف
غرامشي يبحث عن الارتباط العضوي بقوة اجتماعية قادرة على التغيير، فإن
المثقف المستلهم من كريستيفا يحافظ على مسافة نقدية حتى تجاه الجماعة التي ينتمي إليها،
لأن وظيفته ليست استبدال عقيدة بأخرى، وإنما إبقاء إمكانية النقد والتمرّد وإعادة
تأسيس المعنى مفتوحة. وتؤكد كتابات كريستيفا بالفعل مركزية مفهوم "الثورة/التمرّد"
في مشروعها الفكري والنفسي.
وعند
تنزيل هذين النموذجين على واقع المثقف في تونس تظهر إشكالية مزدوجة:
أزمة العضوية وأزمة الانشقاق. فقد عرف المجال التونسي مثقفين ارتبطوا تاريخيًا
بالدولة الوطنية، والحزب الحاكم، والاتحاد النقابي، واليسار، والحركة الإسلامية،
والحركات الحقوقية والنسوية والديمقراطية؛ أي إن جانبًا من المثقفين مارس بدرجات متفاوتة
وظيفة قريبة من "المثقف العضوي"، حين أصبح منتجًا للمعنى داخل عائلة
سياسية أو اجتماعية محددة. غير أن المعضلة تبدأ عندما تتحول العضوية إلى تبعية: يصبح
المثقف مدافعًا عن جماعته بدل أن يكون عقلها النقدي، فيبرر أخطاء الدولة عندما
يكون قريبًا منها، أو أخطاء الحزب عندما ينتمي إليه، أو تناقضات المعارضة عندما
يصطف معها. وهنا تكتسب كريستيفا أهميتها بالنسبة إلى تونس: فالمثقف المنشق المطلوب
ليس بالضرورة ذلك الذي يغيّر معسكره السياسي، وإنما القادر على الانشقاق النقدي داخل
معسكره نفسه؛ الإسلامي الذي ينتقد الإسلاميين، واليساري الذي يفكك
أخطاء اليسار، والدستوري الذي يعيد مساءلة الإرث البورقيبي، والديمقراطي الذي
ينتقد إخفاقات تجربة الانتقال، والمثقف القريب من السلطة الذي يرفض تبرير
تجاوزاتها. وبذلك يمكن تركيب غرامشي وكريستيفا في صيغة تونسية: مثقف عضوي في علاقته بقضايا المجتمع، ومنشق في علاقته
بالأيديولوجيا والتنظيم والسلطة؛ ينتمي دون أن يستسلم،
ويلتزم دون أن يتحول إلى مثقف عمومي يكرر المعاني السائدة.
وتزداد
أهمية هذا النموذج في تونس الراهنة سنة 2026، لأن وظيفة المثقف
تجري في مجال عام تصفه تقارير حقوقية حديثة بأنه يشهد تضييقًا على الأصوات الناقدة
والمجتمع المدني والصحافة؛ وقد وثقت منظمات حقوقية استخدام نصوص قانونية، ومنها
المرسوم 54، في ملاحقات طالت صحفيين ومحامين ونشطاء وشخصيات عامة، فيما وثقت منظمة
العفو الدولية في 2026 استمرار قضايا مرتبطة بحرية التعبير. لذلك لا تكفي في
الحالة التونسية العودة إلى المثقف العضوي الغرامشي وحده، لأن الارتباط العضوي
بحزب أو حركة أو دولة قد يعيد إنتاج الاصطفاف؛ كما لا يكفي الانشقاق الكريستيفي
إذا تحول إلى فردانية ثقافية معزولة عن المجتمع. المطلوب هو المثقف العضوي المنشق: مثقف
يحمل قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والسيادة والتنمية، ولكنه
يحتفظ في الوقت نفسه باستقلاله النقدي عن الدولة والمعارضة والأحزاب
والأيديولوجيات التي يتعاطف معها.
وهكذا يصبح معيار المثقف التونسي الجديد ليس
السؤال: إلى أي معسكر ينتمي؟ بل: هل يستطيع أن يقول لجماعته ما لا ترغب في سماعه، وأن ينتقد
خصومها دون شيطنتهم، وأن ينتقد سلطتها حين تصبح مهيمنة، وأن يحول المعرفة من أداة
لتبرير الصراع إلى أداة لفهم المجتمع وإعادة بناء التعاقد السياسي؟ عند هذه
النقطة يلتقي غرامشي وكريستيفا: الأول يمنح المثقف الجذر الاجتماعي
والمسؤولية التاريخية، والثانية تمنحه المسافة النقدية والحق
الدائم في التمرّد على برد الموثوقية.