غزة بعيون نسائها.. الإبادة بين الجسد والمقاومة والذاكرة.. كتاب جديد

إن نضال المرأة الفلسطينية اليوم هو في جوهره استعادة لملكيتها على جسدها، فقرارها بشأن الإنجاب أو عدمه، وقدرتها على الوصول إلى ولادة آمنة وكرامة صحية، هما من الحقوق الفردية الأصيلة التي تنتهك اليوم تحت مسمى عسكرة المخاض و"هندسة البيئة القاتلة".
إن نضال المرأة الفلسطينية اليوم هو في جوهره استعادة لملكيتها على جسدها، فقرارها بشأن الإنجاب أو عدمه، وقدرتها على الوصول إلى ولادة آمنة وكرامة صحية، هما من الحقوق الفردية الأصيلة التي تنتهك اليوم تحت مسمى عسكرة المخاض و"هندسة البيئة القاتلة".
شارك الخبر
الكتاب: الإبادة الجماعية مقاربة نسوية فلسطينية.
المؤلفون: مجموعة من الباحثين.
الناشر: مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، 2026م.
عدد الصفحات: 182 صفحة.


بين ثنايا صفحات هذا الكتاب دراسات فلسطينية ورؤى مختلفة في معالجة حرب الإبادة على غزة، فهذه الدراسات قائمة على مقاربة نسوية فلسطينية مناهضة للاستعمار والصهيونية بوجها البشع، وهي مقاربة تواجه وتفضح ألة القتل الاستعماري التي تنتهج الحكومة الإسرائيلية، التي بات يؤمن بها أغلب المجتمع الإسرائيلي في تعامله مع الشعب الفلسطيني، كما تؤكد هذه المقاربة على المقاومة المتضمنة في أصوات النساء الفلسطينيات، تبحث عن الحياة والموت في كلمات نساء غزيات، التي يغزوها الألم والوجع والهذيان من هول ما حل بالنساء الفلسطينيات.

تبحث هذه الدراسة عن النساء الفلسطينيات كيف واجهن الإبادة بالكتابة، كيف صارت الأمومة، مقاومة وعقوبة في ذات الوقت من وجهة النظر الإسرائيلية، وتبحث في النزوح والتهجير وما بينهما من ويلات ذاقتها نساء غزة، وسط خذلان المواثيق الإنسانية، لتؤكد مجمل هذه الدراسات النسوية أن المرأة الفلسطينية قادرة على مواجهة مشروع المحو والاقتلاع الصهيوني بالجسد والكلمة، فما أنقى ما كتب في هذا الكتاب الذي تعاون فيه مركز مدى الكرمل للدراسات والأبحاث التطبيقية، ومعهد دراسات المرأة، بالتعاون مع جامعة بيرزيت.

عالجت الكاتبة لميس فراج وأشرف أبو عرام الكيفية التي يعمل بها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على تفكيك البنى الاجتماعية والاقتصادية، ضمن حربه الإباديه، وسياسته الرامية إلى اقتلاع الحياة الفلسطينية، ومن ثم تطرقا إلى تقاطع بنى القمع الاستعماري مع العنف المحلي الناتج عن حالة التبعية الاقتصادية وهشاشة منظومة الحماية، التي حملت النساء أعباء ومسؤوليات مضاعفة، موسعة مسؤولياتهن وأدوارهن في إعادة انتاج الحياة الفلسطينية، في الوقت نفسه الذي تستهدف فيه الفضاءات التي يمكن للنساء أن يكون فيها أن يقمن بهذه المسؤوليات والأعباء المضاعفة.

صمود ومقاومة:


تمثل المخيمات الفلسطينية فضاءً مركباً يتداخل فيه الاجتماعي بالاقتصادي والسياسي، ولا تفهم بوصفها مساكن مؤقتة للاجئين، بعد نكبة عام 1948م فقط، بل بوصفها بنية تاريخية أنتجت أشكالاً متراكمة من التنظيم الأهلي والصمود، بحيث تحول تدبير الحياة اليومية إلى ممارسة مواجهة لسياسات الإفقار والتفكيك.

"يقدم ما يجري في مخيمات شمال الضفة الغربية، وبخاصة طولكرم، ونور شمس، وجنين، نموذجاً حياً لطبيعة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بوصفه ممارسة تتجاوز القمع العسكري إلى تفكيك البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تمكن الناس من البقاء، عبر نزع القدرة على التنظيم والإنتاج الذاتي، وربط السكان بمنظومة تبعية تقلص استقلالهم المعيشي والاجتماعي".

تمثل المخيمات الفلسطينية فضاءً مركباً يتداخل فيه الاجتماعي بالاقتصادي والسياسي، ولا تفهم بوصفها مساكن مؤقتة للاجئين، بعد نكبة عام 1948م فقط، بل بوصفها بنية تاريخية أنتجت أشكالاً متراكمة من التنظيم الأهلي والصمود، بحيث تحول تدبير الحياة اليومية إلى ممارسة مواجهة لسياسات الإفقار والتفكيك.
حللت الدراسة أثر التهجير المتجدد في مخيمات الشمال على النساء الفلسطينيات بوصفه آلية بنيوية تعمل على تفكيك شروط إمكانيات الحياة، لا حدثاً طارئاً منفصلاً عن سياقه، وتنطلق من فرضية أن ممارسة النساء اليومية في تنظيم الموارد، وتوليد سبل عيش غير رسمية، وبناء شبكات إسناد تعد مقاومة اجتماعية تعطل، جزئياً، منطق السيطرة وتعتمد مقارنة نوعية تستند إلى مقابلات ميدانية مع نساء مهجرات من مخيم طولكرم خلال النصف الأول من عام 2025م".

شكلت النساء الفلسطينيات على امتداد العقود ركيزة أساسية في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وكان دورهن الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من منظومة الصمود الوطني في مواجهة الاستعمار والحرمان المادي.. ارتبط حضورهن الاقتصادي بالنضال الوطني ارتباطاَ عضوياً، فقد أسسن أول اتحاد نسائي عام 1921م؛ ليكون إطاراً منظماً للنضال النسوي والاجتماعي، وتحول في الانتفاضة الأولى إلى أداة تعبئة شعبية واسعة ضمنت حضور النساء في المجالين الإنتاجي والسياسي على حد سواء، لكن هذا الوضع تغير كلياً بعد عام 1993م، أي بعد توقيع اتفاق أوسلو، واتفاق باريس الاقتصادي الذي حدد شكل العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية" تأثر المشهد النسوي الفلسطيني نفسه بهذه التحولات؛ فقد تحولت الاتحادات النسوية التي كانت سابقاً ذات طابع جماهيري ومناهض للاستعمار، إلى مؤسسات رسمية تمارس عملاً بيروقراطياً ممولاً من الخارج، هذا التحول أضعف طابع الحركة النسوية الكفاحي والاستعماري، وفصلها عن القواعد الشعبية التي كانت تمثلها، أصبحت هذه المؤسسات ترفع شعارات التمكين الاقتصادي والمساواة الجندرية بمعزل عن النضال ضد البنية الاقتصادية والسياسية التي تنتج التبعية والفقر، نتيجة لذلك تراجع تمثيل النساء العاملات والفقراء داخل الأطر النسوية، وبرزت قيادات نخبوية تتحدث باسم النساء دون أن تعبر فعلاً عن واقعهن أو مصالحهن اليومية(ص19).

تبعاً لهذه الخصوصية ولطبيعة المخيمات العمرانية، التي تتسم بالاكتظاظ والتلاصق وكثافة الأزقة والمباني، شكلت مخيمات شمال الضفة الغربية، مثل جنين، وطولكرم، ونور شمس، تاريخياً بؤراً للمقاومة ومراكز للتماسك الاجتماعي، ومنذ بداية عام 2025م، كثف الاحتلال الإسرائيلي هجماته على هذه المخيمات ضمن عملية أسماها السور الحديدي، مستهدفاً تفكيك بنيتها التنظيمية والمجتمعية، عبر القصف والاجتياحات المتكررة، وتدمير البنية التحتية، وشبكات المياه، والكهرباء والصرف الصحي، وتفجير المنازل والمحال التجارية، وفرض الحصار والتهجير، وقد حرم آلاف السكان من الخدمات الأساسية، وآلاف الأطفال من حقهم في تلقي التعليم نتيجة إغلاق عشر مدراس لوكالة الأونروا في مخيمات الشمال(ص22).

أظهرت البيانات الميدانية والاقتصادية أن أثر التهجير لم يقتصر على البنية الأسرية، بل طال مجمل الحياة الاقتصادية في الشمال الفلسطيني، فبحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني لعام 2024م، بلغت نسبة البطالة في جنين41.3%، وفي طولكرم 37.3%، وهي أعلى النسب في الضفة الغربية، ومع تجميد تصاريح العمل في إسرائيل، انهارت فرص العمل التي كانت تشكل شريان حياة لآلاف الأسر، ومع تعمق الأزمة الاقتصادية كان للنساء نصيب من الفقد هو الأثقل، إذ أغلق ما يقارب من 30% من المشاريع الصغيرة التي كانت تديرها أو تملكها نساء، وتراجع الطلب على منتجاتهن بسبب تدهور القدرة الشرائية(ص42).

تقول أحد السيدات الفلسطينية: "أريد أن أعمل، لكن زوجي يقول إن العيب أهم من الجوع"، هذا التناقض بين الحاجة الاقتصادية والمنع الاجتماعي يكشف كيف يتقاطع العنف الاستعماري مع البنى الاجتماعية الداخلية، ليعيد إنتاج السيطرة عبر آليات اقتصادية وثقافية متداخلة.

الأمومة والأبوة في ظل الإبادة الإسرائيلية:


استند هذا المحور من فهم الإبادة بوصفها مشروعاً منظماً، لا يستهدف تدمير الأجساد فحسب، بل يسعى كذلك إلى تفكيك البنى الوجودية والاجتماعية التي تجعل الحياة ممكنة وذات معنى، بما في ذلك منظومات الرعاية والحماية التي تشكل جوهر الأبوة والأمومة، لم تكتف هذه الإبادة الاجتماعية من إفراغ الحياة من معانيها الجماعية والسياسة، وفي ظل هذا التراكم الزمني للعنف، تتحول البنى التحتية الاجتماعية والعاطفية إلى فضاءات مشروخة تعاد فيها صياغة العلاقات والذوات تحت منطق الإبادة وضغطها المتواصل.

يجسد قطاع غزة نموذجا بارزاً لما تفعله الإبادة بالوالدية بوصفها ممارسة جندرية؛ إذ تقوم الإبادة على تفكيك البنى الاجتماعية والعاطفية التي تقوم عليها الأمومة والأبوة، يستدعي فهم هذا التفكيك أدوات تحليلية تتجاوز المقاربات النفسية الفردية التي تهيمن على أدبيات الوالدية في سياقات الحرب، التي تتجاهل البنية الجندرية للتجربة وتغفل قراءة العاطفة بوصفها بعداً سياسياً، فالعاطفة في سياق الإبادة ليست استجابة فردية، بل هي حقل سياسي تنظم عبره علاقات الانتماء والمعنى، حيث تعمل مشاعر كالحزن، والصمود، والحنان آليات اجتماعية تنتج ذوات جندرية وتضبطها حدودها(ص38).

في سياق الإبادة على قطاع غزة، مورس العنف الجندري المزدوج باستهداف الأنوثة والرجولة في آن واحد عبر منظومة متكاملة من الآليات الممنهجة، فعلى صعيد استهداف الرجولة والأبوة، تتعدد هذه الآليات لتشمل القتل والتهجير وتدمير شروط الإعالة والحماية، ومن أبرزها الاعتداءات الجنسية على الأسرى الفلسطينيين، فالتعذيب الممنهج إذ يوظف ضمن منطق الأذى الجندري أي توظيف الجسد بوصفه وسيطاً لتفكيك معنى الجندر، فتمارس تلك الاعتداءات كآلية لإعادة تشكيل علاقات القوة عبر الجسد، حيث يجري استهداف الرجولة ومعها الأبوة باعتبارها رمزاً للحماية والإعالة، وتحويل الجسد إلى موقع لإنتاج الخضوع الاستعماري، وبالمثل تستهدف الأنوثة والأمومة عبر منظومة متكاملة تشمل القتل والتهجير والحرمان من الرعاية الصحية، وصولاً إلى ما وصف بالإبادة الإنجابية، إذ واجهت النساء الحوامل الجوع والولادة دون رعاية طبية، وهو ما يفكك تجربة الأمومة ذاتها ويحول الولادة إلى تجربة محفوفة بالخطر والموت(ص43).

النساء الفلسطينيات يواجهن في قطاع غزة" شكلاً مكثفاً من المحو المزدوج، يمثل خلال حرب الإبادة الجارية ذروة تكثيفية لمسار استعماري ممتد يتقاطع فيه العنف المادي والرمزي؛ إذ تباد أجسادهن عبر القتل المباشر المحو البيولوجي، فيما تباد فلسطينيتهن وواقع العنف الممارس ضدهن بالمحو الرمزي والمعرفي، عبر الخطابات التي تصمت، أو تنكر، أو تفرغ عنف الحرب الجارية في سياقه الاستعماري، لتعيد تقديمه بوصفه مجرد نزاع مسلح أو عنف حربي خارج منطق الاستعمار".
وضعت الكاتبة جوانا جبارة مفارقة من واقع مقابلاتها بين الألم عند الآباء والأمهات؛ ففي شهادات الآباء تتمحور المواقف الأصعب حول الخروج القسري من البيت في النزوح أو تحت القصف بوصفه لحظة تنكسر فيها وظيفة الحماية ومعها معنى السيطرة على المكان، في الإمكان قراءة هذه التجربة بوصفها أحد أشكال إخضاع التجربة الحسية اليومية بالسمع أو البصر اللمس والحركة أيضاً، التي يعمل الاستعمار الاستيطاني على التحكم بها عبر استهداف الجسد، واللغة والزمن والحيز المكاني معاً هذا الإخضاع يعيد انتاج شروط العيش نفسها، ويقوض الإحساس بالسيطرة والاستمرارية في أبسط ممارسات الحياة.

ظهر ذلك للكاتبة جبارة من واقع المقابلة التي أجرتها مع أحد النازحين يصف يونس يوم النزوح من البيت وصفاً حسياً وجودياً لانهيار الدور الأبوي تحت ضغط الإبادة الممنهجة" كان القصف شديد جداً، طلعنا قلت لأبوي وأهلي لازم ننزح عالجنوب لأنهم بدهم مبين يعني نيتهم إنه ما يظلش حدا لا في غزة ولا في الشمال، وبدهم خلص يعني، كان اللي بصير كبير كثير يعني، ضرب من كل النواحي، كان صوت الطيران حوالينا والجيش حوالينا ومشينا هيك 4-5 ساعات وأنا ماشي أقول سامحني يا رب أنا اللي جبته، وأقوله له سامحني يا بابا ...أنا اللي جبتك".

أما في مقابلات الأمهات؛ فيظهر نوع أخر من الآلام، يتمركز في المواقف الأصعب، حول اللحظات التي ينهار فيها معنى الأمومة بوصفها قدرة على الاستجابة والحماية وقت القصف، و توفير الطعام، تلبية الاحتياجات الأساسية، العجز هنا لا يظهر كتوصيف عام، بل كخيرة داخل الرعاية المباشرة، حيث تتحول الأمومة إلى ممارسة تؤدي تحت تهديد دائم للحياة، يظهر ذلك جلياً في شهادة سلوى، إذ يتصدر الجوع هذا الانهيار بوصفه التجربة الأشد قسوة، فالجسد الأمومي يتحول إلى جسد يركض، ويزاحم، ويجرح، وهو يحاول تحصيل رغيف خبز: "حسينا بمجاعة، يعنى أجا علينا وقت مجاعة صعبة جداً قعدنا ثلاثة أيام، أنا أروح على المخبز مقدرتش أجيب خبز لولادي، أروح هان ما مقدرش أجيب خبز، يمكن مر علينا فترة طويلة وإحنا ما نأكلش ولا حاجة".

تضيف الكاتبة جبارة هنا يحضر الإذلال كأداة مركزية في ممارسة العنف الإبادي، حيث يدفع الفرد إلى طلب الحد الأدنى للحياة ضمن نظام نيكرو- سياسي يعيد ترتيب الكرامة على سلم البقاء، ويتجسد العنف في إصابة جسدية تجعل تأمين الطعام فعلا قريبا من الموت "(ص61).

المحو الرمزي ومواقع التواطؤ:


يتجلى المحو الرمزي، في الخطابات النسوية العالمية بشأن إبادة غزة، في عملية تحويل أجساد الفلسطينيات إلى رموز إنسانوية مجردة أو أدوات خطابية، توظف انقاذية أو حقوقية مفصولة عن سياقات الاستعمار والاستيطان والابادة، على نحو يعكس التواطؤ المعرفي والأخلاقي في مقاربة ممارسات إسرائيل بوصفها فعلاً استعمارياً ممنهجاً، وهذا النوع لا يمارس بالصمت وحده، بل يتجسد أيضا في خطابات تدعي الانحياز لحقوق الإنسان أو النساء، لكنها تجرد الواقع الفلسطيني من الاستعمار، وتحاكي عنف الإبادة عبر بنى ناعمة من الإنكار أو التحوير.

تؤكد الكاتبة أن النساء الفلسطينيات يواجهن في قطاع غزة" شكلاً مكثفاً من المحو المزدوج، يمثل خلال حرب الإبادة الجارية ذروة تكثيفية لمسار استعماري ممتد يتقاطع فيه العنف المادي والرمزي؛ إذ تباد أجسادهن عبر القتل المباشر المحو البيولوجي، فيما تباد فلسطينيتهن وواقع العنف الممارس ضدهن بالمحو الرمزي والمعرفي، عبر الخطابات التي تصمت، أو تنكر، أو تفرغ عنف الحرب الجارية في سياقه الاستعماري، لتعيد تقديمه بوصفه مجرد نزاع مسلح أو عنف حربي خارج منطق الاستعمار".

بمراجعة الكاتبة إيمان بديوي للخطابات النسوية الأممية والبيروقراطية بعد السابع من أكتوبر 2023م، تكشف عن بنية خطابية تنتج محواً رمزياً للنساء الفلسطينيات، سواء أكان ذلك عبر تغييب السياق الاستعماري أم عبر توظيف أجسادهن لخدمة سرديات لا تعكس واقعهن البنيوي والسياسي، ويمتد هذا المحو ليشمل المعنى ذاته، إذ تستبطن فيه علاقات القوة والمعرفة، ويجري تمثيل النساء الفلسطينيات باختزالهن كضحايا صامتات، أو كأجساد ممثلة في خطابات خارجية لا تعبر عن تجربتهن الفعلية(ص86).

"محاولة الكتابة عن الحرب أكثر إيلاماً من الحرب ذاتها" هكذا عبرت الكاتبة يسرا الخطيب عن حالتها التي لم تعد تستوعب كغيرها من الفلسطينية هول ما يتعرض له شعبنا بين أصوات قصف لا تتوقف وانهيار متسارع للعمارات السكنية، ليتوقف عندها العقل عن التفكير في حجم هذا القهر، وتحكي العيون صدمة واقع لم يكن لبشر توقعه، وروح تنزف بصمت حيناً، وفقدان الثقة بكل ما يحيط بنا حيناً آخر، ومن ثم تتسأل الكاتبة هداية شمعون أي كتابة في زمن يمكنها أن تنهض اللغة/بالحياة في مواجهة ؟ هل الكتابة فعل حتمي وقائم بذاته مهما كانت الفظائع التي نواجها اليوم في غزة؟ هل الكتابة جدار حماية للعقل في سبيل الحفاظ على ما تبقى من العقل؟ وهل الكتابة سلاح مقاوم بيد الكتابات اليوم أم أنها اجتزاء لغواية الألم والحزن الأبدي؟ ..

تقول هداية شمعون:" باتت الأجساد البشرية الناجية المحشورة في كيلومترات محدودة غربة داخل غربة، واغتراباً داخل اغتراب، وقفصاً داخل قفص، وسجناً صغيراً ينفتح على سجن كبير مراقب بكل همساته بأعلى التقنيات التكنولوجية وبعتاده العسكري براً وبحراً وجواً، وهكذا علمتنا غزة أن الحصار في أرواحنا والأقفال على قلوبنا لا على أجسادنا فقط تلك التي لم تتحرر بعد! فكيف بأجساد النساء ؟! وهل الكتابة على أجساد أطفالنا خشية أن يصبحوا أشلاء في لحظة هو فعل نجاة / حياة أم فعل الموت؟! هل الكتابة لمن هم داخل غزة قادرة على أن تجعل الخيمة بيتاً، وأن تعيد للألوان رونقها؟" (ص120).

في رتابة الحياة خارج غزة تتكرر الأسئلة اليومية، لكنها لم تعد في غزة مجرد أسئلة معتادة، فقد كتبت نسرين سليمان من غزة في ما يبدو سؤالاً أشبه بالتحية، ولكنه سؤال يعبر عن حالة قسرية من التشظي والآلام التي ما إن تفتح فمها حتى ينفجر بركان الأجوبة المغيبة فتقول:

ـ كيف حالك؟
ـ أنا ركام.
ـ كيف حالك؟
ـ أنا شظايا وبارود.
ـ كيف حالك؟
ـ أسفل الأنقاض أنام منذ أربعة عشر يوماً.
ـ كيف حالك؟
ـ أنا في غزة.
ـ كيف حالك؟
ـ في قبر جماعي رطب.
ـ وضعوني مع زوجي وأبي وأمي وأطفالي أيضاً.
ـ لن أكون في هذه العتمة وحيدة(ص124).

الكتابة من داخل غزة وهندسة الموت/ الحياة:


إنها القيامة الصغرى، هذه الإبادة الجماعية في لغة الكتابة هي قيامة غزة التي سبقت الناس إلى الجحيم، إنه الوعي المتخفي في عالم الأرض بالعوالم الأخرى تلك التي تشغلنا الحياة العادية عنها، إن تساقط الموت. والليل هو ليل الإبادة يجثم على أنفاس الناس والمدينة سواء، فالإبادة لم تغفل يديها القاسيتين عن البشر ولا الحجر، وتقبل باعتكاف الموت بين ضلوعها، وكأنه أمر حتمي. لا رفاهية في الخيارات بعدما انعدمت الحياة في غزة، وبات الموت يطل في كل جنبات الذكريات؛ فكل الأجيال التي نشأت في غزة إنما تحمل في غزة هي طائرات الاحتلال الإسرائيلي التي تقصف، وفي الإبادة عرفت هذه الأجيال طائرات محملة بالمساعدات ولكنها أيضا طائرات قاتلة، إذ تحمل الذل والهوان والضياع لأهل غزة؛ فلا كرامة في طعام يلقى بينما الحصار ما زال يطبق على أنفاس الثكالى والأطفال والمستضعفين لا حول لديهم للركض تجاه الطائرات التي تدعي الإنسانية فيما هي تقتل بهذا الطعام وتقبض أرواح بعض ساكني الخيم جوعى معوزين!.(ص133).

"مع انحسار الجغرافي والملاذات الآمنة، تمركزت السياسة الصهيونية لتستقر في أضيق حيز حيوي ممكن، الأرحام، سياسة تسير في مصادرة جغرافيا الأرض بالتوازي مع استهداف بيولوجيا الجسد استهدافاً جندرياً ممنهجاً يرمي إلى سلب النساء الفلسطينيات سيادتهن على أجسادهن وقراراتهن؛ حيث تتحول الخيارات الإنجابية من شأن شخصي وحق إنساني إلى مسرح عنف بنيوي يسعى إلى هندسة الوجود الديمغرافي عبر السيطرة القسرية على الحياة والموت، وهي جريمة تستهدف الهوية الجندرية كأداة لإبادة الجماعة، يتواطأ معها عجز القانون الدولي ذاته الذي اتسع يوماً لحماية الطائرات، وضاق اليوم عن حماية أجساد الفلسطينيات" (ص163).

تؤكد الكاتبة سفانة أبو صافية على الإبادة الإنجابية في قطاع غزة والضفة الغربية لا يعني بأي حال من الأحوال حصر دور النساء في كونهن أوعية انجابية أو أدوات لضمان الاستمرارية العددية اللازم لتحرير الأرض، فالأرحام ليست دوراً جندرياً مفروضاً، والجسد الفلسطيني ليس مصنعاً لإنتاج المقاومين كما يحاول الخطاب الصهيوني تصويره لتبرير قتله، إن نضال المرأة الفلسطينية اليوم هو في جوهره استعادة لملكيتها على جسدها، فقرارها بشأن الإنجاب أو عدمه، وقدرتها على الوصول إلى ولادة آمنة وكرامة صحية، هما من الحقوق الفردية الأصيلة التي تنتهك اليوم تحت مسمى عسكرة المخاض و"هندسة البيئة القاتلة ".
التعليقات (0)