ليس المثقف مجرد منتج للأفكار، ولا الفقيه مجرد حارس للنص، ولا الباحث مجرد
مراقب يقف خارج التاريخ. ففي اللحظات التي تتقاطع فيها المعرفة بالدين، والفكرة بالسياسة،
والنص بالواقع، يصبح السؤال عن وظيفة المثقف سؤالا عن مسؤوليته في التاريخ، وعن
قدرته على الجمع بين الانتماء والاستقلال، وبين الشهادة والفعل، وبين الوفاء للمرجعية
والقدرة على نقد الجماعة التي ينتمي إليها.
من هذه المنطقة الملتبسة ينطلق هذا البحث، الذي كتبه خصيصا لـ "عربي21"
الإعلامي والباحث التونسي في الشؤون السياسية عبد العزيز التميمي، متخذا من النموذج
الفكري والعلمي للباحث والفقيه التونسي الدكتور عبد المجيد النجار، مدخلا مركزيا لإعادة
التفكير في معنى المثقف ووظيفته وموقعه في المجال العام. فالنجار لا يمثل هنا مجرد
اسم في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، وإنما يقدم، في قراءة هذه الدراسة، نموذجا لإشكالية
أوسع: كيف يمكن للفقيه أن يتحول إلى مثقف، وللمعرفة الدينية أن تنفتح على أسئلة العمران
والتاريخ، وللمثقف أن يمارس حضوره العام دون أن يفقد صلته بالقيم والمرجعية؟
ولا تنظر الدراسة، التي ننشرها كل يوم اثنين من الأسبوع، إلى تجربة النجار بوصفها
نموذجا مكتفيا بذاته، وإنما تضعها في حوار مقارن مع تصورات أخرى لوظيفة المثقف؛ من
المثقف المنخرط في إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي، إلى المثقف العضوي عند أنطونيو
غرامشي، والمثقف المناضل في قراءة جيل كيبيل، وإشكالية العلاقة بين الفقيه والمثقف
والنص والواقع عند يحيى محمد، وصولا إلى صورة المثقف المنشق أو المتمرد عند جوليا كريستيفا.
وليس الهدف من هذه المقارنة جمع أسماء ومدارس مختلفة، وإنما اختبار سؤال واحد بأشكال
متعددة: ماذا يحدث للمثقف عندما يدخل التاريخ؟
وتتخذ المسألة في الحالة التونسية أهمية خاصة؛ فهنا لا يتحرك المثقف الإسلامي
في فضاء معرفي مجرد، وإنما داخل تاريخ كثيف تتداخل فيه الدولة والمجتمع والدين والسياسة
والحركة الإسلامية وأسئلة الحداثة. ومن ثم فإن نموذج عبد المجيد النجار يتيح الاقتراب
من واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في التجربة الإسلامية المعاصرة: العلاقة بين الفقيه
والمثقف، وبين المرجعية والفعل، وبين المعرفة والانتماء السياسي.
وعلى هذا الأساس، ينتقل البحث من نموذج النجار إلى اختبار أوسع في تجربة المثقف
الإسلامي وحركة النهضة في تونس منذ 1981 إلى 2026. وهي تجربة تكشف، في مراحلها المختلفة،
أن المثقف لا يعيش خارج التوترات التي يصنعها انتماؤه؛ فكلما اقترب من الحركة السياسية
ازدادت الحاجة إلى مساءلة استقلاله، وكلما ابتعد عنها واجه سؤال مسؤوليته تجاه المجتمع
والتاريخ.
لذلك لا يسعى هذا البحث إلى وضع المثقف في خانة واحدة، ولا إلى المفاضلة بين
نماذج فكرية متباينة، وإنما يحاول تتبع المسافة المتحركة بين الانتماء والنقد، وبين
الالتزام والاستقلال، وبين النص والواقع، وبين الشهادة والفعل. وفي قلب هذه المسافة
يأتي نموذج عبد المجيد النجار بوصفه مدخلا لإعادة بناء مفهوم المثقف الذي لا يفصل المعرفة
عن القيم، ولا المرجعية عن التاريخ، ولا الفكر عن مسؤولية العمران.
ومن هنا تقترح الدراسة، في نهايتها، مفهوما تركيبيا هو "المثقف العضوي
النقدي الشاهد"، لا باعتباره مفهوما جاهزا عند أحد المفكرين الذين تستند إليهم،
وإنما باعتباره محاولة لبناء نموذج تفسيري يجمع عناصر متفرقة: عضوية غرامشي، ونضالية
كيبيل، ومسافة كريستيفا النقدية، وإشكالية الوصل بين النص والواقع عند يحيى محمد، وما
تستخلصه الدراسة من نموذج النجار في وصل المعرفة بالقيم والعمران.
إنه المثقف الذي ينتمي دون أن يذوب، وينخرط دون أن يتحول إلى موظف أيديولوجي،
ويقرأ النص دون أن يغفل التاريخ، ويقرأ الواقع دون أن يفقد مرجعيته الأخلاقية.. وبقدر
ما يبدو هذا النموذج متماسكا في مستوى النظرية، فإن قيمته الحقيقية لا تظهر إلا عندما
يوضع أمام اختبار التاريخ: تاريخ تونس، وتجربة النهضة، وتحولات المثقف الإسلامي بين
الدعوة والسياسة، وبين المعارضة والسلطة، وبين الانتماء والحاجة الدائمة إلى النقد.
إشكالية المثقف
لا
تُطرح إشكالية المثقف في الفكر الحديث والمعاصر باعتبارها سؤالًا عن صاحب المعرفة
فحسب، وإنما باعتبارها سؤالًا عن العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين الفكر والسلطة، وبين
الانتماء والاستقلال، وبين إنتاج المعنى وتحويله إلى فعل تاريخي. فالمثقف
لا يعيش خارج شبكة المصالح والمؤسسات والصراعات التي يتشكل داخلها المجتمع، كما أن
المعرفة التي ينتجها لا تبقى محايدة عندما تدخل المجال العام وتتحول إلى خطاب
وهوية وبرنامج وتنظيم.
يمثّل الدكتور عبد المجيد النجار أحد المفكرين الإسلاميين التونسيين المعاصرين الذين سعوا إلى نقل الفكر الإسلامي من الدفاع العقدي عن الإسلام إلى بناء منهج حضاري قادر على فهم الدين وتنزيله في الواقع. وقد تشكل مشروعه عند تقاطع العقيدة والفلسفة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة وفقه الحضارة، وتوزعت أفكاره بين مؤلفات من أبرزها خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، وفي فقه التدين فهمًا وتنزيلًا، والشهود الحضاري للأمة الإسلامية، وفصول في منهجية الفكر الإسلامي، ومقاصد الشريعة بأبعاد جديدة.
وتزداد
هذه الإشكالية تعقيدًا في المجال العربي الإسلامي، حيث يتقاطع المثقف الحديث مع
سلطة معرفية أقدم يمثلها الفقيه والعالِم، ومع فاعل حديث آخر هو المناضل الحزبي
والسياسي. ومن هنا يصبح السؤال عن المثقف سؤالًا متعدد الأبعاد: ما الذي يميزه عن
الفقيه؟ ومتى يتحول من منتج للأفكار إلى مناضل؟ وكيف يكون «عضويًا» في مجتمعه من
دون أن يصبح تابعًا لجماعته؟ وكيف يحتفظ بالقدرة على النقد والاختلاف من دون أن
يتحول إلى فرد معزول عن قضايا التاريخ والمجتمع؟
تنطلق
هذه الدراسة من هذه الأسئلة لبناء قراءة مقارنة بين الدكتور عبد المجيد النجار، و
العراقي يحيى محمد، وجيل كيبيل، وأنطونيو غرامشي، وجوليا كريستيفا،
بوصفهم يقدمون، من مواقع فكرية ومنهجية مختلفة، مداخل متقاطعة لفهم وظيفة المثقف.
فمن النجار نستخلص صورة "المثقف الشاهد"الذي
يصل المعرفة بالقيم والعمران؛ ومن يحيى محمد إشكالية القطيعة وإعادة الوصل بين الفقيه والمثقف والنص
والواقع؛ ومن كيبيل صورة المثقف ـ المناضل الذي ينتج المعنى الذي
تحمله الحركة الاجتماعية والسياسية؛ ومن غرامشي مفهوم المثقف العضوي الذي يشارك في بناء الوعي والهيمنة والكتلة التاريخية؛ بينما تتيح كريستيفا بناء
صورة تأويلية للمثقف المنشق أو المتمرد الذي يحتفظ بمسافة نقدية
تجاه السلطة والجماعة والأيديولوجيا. ولا تقف الدراسة عند المقارنة النظرية بين
هذه النماذج، بل تختبر قدرتها التفسيرية في الحالة التونسية، وبصورة خاصة في مسار المثقف الإسلامي وحركة
النهضة بين 1981 و2026، بحثًا عن نموذج تركيبي يمكن تسميته "المثقف العضوي
النقدي الشاهد": مثقف ينتمي دون أن يستسلم، ويناضل دون أن
يتحول إلى موظف أيديولوجي، ويقرأ النص دون أن يغفل التاريخ، ويقرأ الواقع دون أن
يفقد المرجعية الأخلاقية.
يمثّل الدكتور عبد المجيد النجار أحد المفكرين الإسلاميين التونسيين
المعاصرين الذين سعوا إلى نقل الفكر الإسلامي من الدفاع العقدي عن الإسلام إلى
بناء منهج حضاري قادر على فهم الدين وتنزيله في الواقع. وقد تشكل مشروعه عند تقاطع
العقيدة والفلسفة وأصول
الفقه ومقاصد الشريعة وفقه الحضارة، وتوزعت أفكاره بين
مؤلفات من أبرزها خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، وفي فقه التدين فهمًا وتنزيلًا،
والشهود الحضاري للأمة الإسلامية، وفصول في منهجية الفكر الإسلامي، ومقاصد الشريعة
بأبعاد جديدة.
لا يقدم النجار نظرية مستقلة في العقل والعقلانية والثقافة والمثقف في كتاب
واحد، بل تتوزع هذه القضايا على مشروعه الفكري كله. ولذلك يمكن إعادة بناء أطروحته
بوصفها محاولة لإقامة علاقة منهجية بين أربعة أقطاب مترابطة: الوحي، والعقل،
والواقع، والفعل الحضاري. والمشكلة المركزية التي يعالجها ليست امتلاك المسلمين
للنصوص والقيم، وإنما كيفية تحويل هذه النصوص والقيم إلى وعي ومؤسسات وممارسات
تاريخية.
ومن هنا يأتي تمييزه الأساسي بين "الدين" و"التدين".
فالدين وحي إلهي يتضمن الحقائق والقيم والمقاصد والهدايات، أما التدين فهو الفهم
البشري لهذا الوحي وكيفية تمثله وتنزيله في الحياة. وإذا كان الدين في مصدره
متعاليًا عن الخطأ، فإن التدين فعل تاريخي يمكن أن يصيب ويخطئ، وهو ما يسمح بالفصل
بين قداسة المرجعية ونسبية الاجتهادات البشرية.
يترتب عن ذلك أن الآراء الفقهية والتفسيرات التاريخية والتجارب السياسية
التي ينتجها المسلمون لا تكتسب العصمة بمجرد انتسابها إلى الإسلام. فهي اجتهادات
قابلة للنقد والمراجعة والتجاوز. وبهذا يفتح النجار مجالًا واسعًا للتجديد من داخل
المرجعية الإسلامية نفسها، دون الوقوع في تقديس التراث أو القطيعة معه.
ويحتل العقل موقعًا مركزيًا في هذا البناء. فهو ليس خصمًا للوحي، وإنما
الأداة التي يُفهم بها الوحي ويُدرك بها الواقع وتُكتشف العلاقة بينهما. فلا يتحول
الوحي إلى معرفة إنسانية إلا بواسطة العقل، ولا يصبح موجهًا للحياة الاجتماعية إلا
عبر عمليات الفهم والاستنباط والصياغة والتنزيل.
لكن العقل ليس، في المقابل، سلطة مطلقة مكتفية بذاتها؛ فهو قدرة بشرية
محدودة تتأثر باللغة والثقافة والتاريخ والمصلحة ومستوى المعرفة المتاح. لذلك يقيم
النجار العلاقة بين الوحي والعقل على التكامل: يقدم الوحي الهداية والقيم والغايات
الكبرى، ويمارس العقل الفهم والاستدلال والترجيح، بينما يمثل الواقع مجال المعرفة
والاختبار والتنزيل.
ومن هنا تتشكل "جدلية النص والعقل والواقع". وهي لا تعني إخضاع النص لكل
تحول تاريخي، ولا إخضاع الواقع لصيغ تاريخية جامدة، وإنما حركة متواصلة يُفهم فيها
النص بالعقل والمقاصد، ويُقرأ الواقع بالعلم والخبرة، ثم تُصاغ الوسائل الملائمة
لتحقيق المقاصد في الظروف المتعينة.
وتتجاوز وظيفة العقل إثبات أصول الاعتقاد إلى فهم النص وتمييز القطعي من
الظني، والكلي من الجزئي، والثابت من المتغير، والمقصد من الوسيلة. كما تشمل ترتيب
المصالح، وتقدير المآلات، والموازنة بين البدائل، واختيار الصيغ المؤسسية الأكثر
قدرة على تحقيق القيم.
العقلانية الإسلامية عند النجار، لذلك، ليست مجرد الاحتفاء بالعقل، وإنما
منهج في التفكير يقوم على البرهان، وربط المقدمات بالنتائج، والتمييز بين اليقين
والظن، والاستعداد للمراجعة والتصحيح. وهي عقلانية تحاول تجاوز طرفين متقابلين:
عقلانية مادية تستبعد الوحي والقيم المتعالية، ونصانية جامدة تلغي الاجتهاد وتحول
الفهم التاريخي إلى حقيقة مطلقة.
وهي كذلك عقلانية غائية؛ لأن كفاءة الوسائل لا تكفي من دون تحديد الغايات
الأخلاقية التي توجهها. فالعلم والتقنية قد يرفعان قدرة الإنسان على الفعل، لكنهما
لا يحددان وحدهما ما ينبغي فعله. ومن هنا تأتي وظيفة الوحي والقيم في توجيه
المعرفة نحو العدل والرحمة والعمران وصيانة كرامة الإنسان.
وترتبط هذه العقلانية بمفهوم "الخلافة". فالإنسان في تصور النجار
مسؤول عن تعمير الأرض، والخلافة ليست تفويضًا بالاستبداد أو السيطرة المطلقة،
وإنما أمانة تستلزم العلم والحرية والمسؤولية وحسن التدبير. ولذلك يصبح العقل
شرطًا للاستخلاف لأنه أداة اكتشاف السنن وتقدير النتائج واختيار الوسائل.
العقلانية الإسلامية عند النجار، لذلك، ليست مجرد الاحتفاء بالعقل، وإنما منهج في التفكير يقوم على البرهان، وربط المقدمات بالنتائج، والتمييز بين اليقين والظن، والاستعداد للمراجعة والتصحيح. وهي عقلانية تحاول تجاوز طرفين متقابلين: عقلانية مادية تستبعد الوحي والقيم المتعالية، ونصانية جامدة تلغي الاجتهاد وتحول الفهم التاريخي إلى حقيقة مطلقة.
ويولي النجار أهمية خاصة لفكرة السنن؛ فالإيمان والحماسة وحسن المقاصد لا
تكفي لتغيير الواقع إذا لم تقترن بمعرفة قوانين الاجتماع والاقتصاد والسياسة. وقد
يحمل الفاعل مقصدًا صحيحًا، لكنه يفشل بسبب سوء تشخيص الواقع، أو تجاهل موازين
القوى أو ضعف الوسائل أو سوء تقدير المآلات. وهنا تتحول العقلانية إلى قدرة على
وصل صحة المقصد بفعالية الإنجاز.
في قلب هذا المشروع يظهر مفهوم "فقه التدين"، وهو منهج لدراسة
انتقال الدين من النص إلى الحياة. ويمكن اختزال مساره في ثلاث عمليات مترابطة: فهم
الدين، وصياغة مقتضياته بما يناسب الواقع، ثم إنجازها عمليًا في الحياة.
فقه الفهم يبحث عن المراد من النصوص مستعينًا باللغة والسياق والمقاصد
والمعارف العقلية. وهو لا يعني تكرار اجتهادات السابقين، وإنما الإفادة من التراث
مع إبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا أمام الأسئلة الجديدة.
أما فقه الصياغة فيتعلق بتحويل القيمة العامة إلى صورة مؤسسية قابلة
للتطبيق. فالشورى مثلًا لا تصبح واقعًا بمجرد إعلانها قيمة إسلامية، وإنما تحتاج
إلى مؤسسات تمثيلية وقواعد دستورية وضمانات للمحاسبة وآليات للمشاركة وتداول
السلطة.
ويأتي فقه الإنجاز ليعالج شروط نقل الفكرة من المستوى النظري إلى الواقع،
بما يتطلب معرفة الإمكانات والعوائق والأولويات والتدرج والنتائج المتوقعة. وهكذا
يتوسع الاجتهاد من مجرد استنباط الحكم إلى التفكير في كيفية تحوله إلى ممارسة
اجتماعية ناجحة.
ولهذا يلح النجار على ضرورة معرفة الواقع في خصوصيته التاريخية. فالوقائع
ليست نسخًا متطابقة، ولكل مجتمع شروطه ومؤسساته وثقافته وموازين القوى فيه. ومن ثم
لا يمكن تنزيل القيم والأحكام بصورة رشيدة دون معرفة دقيقة بالمجتمع الذي يراد
إصلاحه.
وتصبح العلوم الاجتماعية والإنسانية، بناء على ذلك، ضرورية للفكر الإسلامي.
فمعرفة الاقتصاد والسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا ليست
ترفًا معرفيًا، لأن المفكر الذي يعرف النص ويجهل الواقع قد ينتج حلولًا سليمة في
التجريد لكنها عاجزة أو ضارة عند التطبيق.
ومن هذا المنظور يتعامل النجار مع التراث تعاملاً نقديًا. فهو خبرة تاريخية
ضخمة ينبغي استيعابها والاستفادة منها، لكنه ليس النموذج النهائي لكل زمان ومكان.
ولذلك يقوم التجديد على الاستيعاب والتمييز والتقويم، لا على تقديس الماضي ولا على
القطيعة المطلقة معه.
يمكن، تبعًا لذلك، وصف مشروع النجار بأنه "تجديد من داخل المرجعية".
فالنهضة لا تتحقق باستنساخ الحداثة الغربية ولا باستعادة صور الماضي، وإنما بإعادة
تشغيل آليات الاجتهاد والمقاصد مع استيعاب المعرفة الإنسانية الحديثة والاستفادة
النقدية من منجزاتها.
وتحتل
الثقافة موقعًا محوريًا في هذا المشروع. فهي ليست مجرد تراكم
للمعلومات والآداب والفنون، وإنما المنظومة التي تشكل رؤية الإنسان إلى الله
والكون والذات والمجتمع والتاريخ، وتحدد منظومة قيمه ورموزه وأنماط سلوكه.
ولهذا لا يفسر النجار التخلف بالعوامل الخارجية أو الاقتصادية والسياسية
وحدها، وإنما يربطه أيضًا بأزمة ثقافية تتمثل في انفصال الاعتقاد عن العمل، والعلم
عن الأخلاق، والدين عن العمران، والقيم عن الوسائل والمؤسسات القادرة على تجسيدها.
والثقافة الإسلامية المنشودة ليست ثقافة هوية مغلقة ينحصر دورها في حماية
الحدود بين "نحن" و"هم". فالهوية شرط لاستمرار الذات، لكنها لا تحقق
الشهود الحضاري ما لم تتحول إلى قدرة على الإبداع والإنتاج والمشاركة في معالجة
مشكلات الإنسان.
وهنا يمكن التمييز بين "ثقافة الانتساب" و"ثقافة الإنجاز".
فقد يحتفظ المجتمع بالرموز والشعائر والهوية الإسلامية، بينما تعجز مؤسساته عن
إنتاج العدل والعلم والحرية والإتقان. أما الثقافة الحضارية الفاعلة فهي التي تحول
الاعتقاد والقيم إلى سلوك ومؤسسات ومنجزات.
ويبدأ الإصلاح الثقافي بإعادة بناء صورة الإنسان عن نفسه. فالإنسان المسلم
ليس مستهلكًا لمنجزات الآخرين ولا فردًا منشغلًا بالنجاة الأخروية بمعزل عن
التاريخ، وإنما هو حامل أمانة ومسؤول عن الإصلاح وإنتاج العلم، والمنفعة والجمال
والعدل.
الثقافة الإسلامية المنشودة ليست ثقافة هوية مغلقة ينحصر دورها في حماية الحدود بين "نحن" و"هم". فالهوية شرط لاستمرار الذات، لكنها لا تحقق الشهود الحضاري ما لم تتحول إلى قدرة على الإبداع والإنتاج والمشاركة في معالجة مشكلات الإنسان.
ومن هنا يرفض النجار الفصل الحاد بين الدين والدنيا؛ لأن التدين في معناه
الحضاري لا يبعد الإنسان عن التاريخ، بل يدفعه إلى المشاركة في إعمار الأرض. ويغدو
العمل العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي جزءًا من المسؤولية الأخلاقية
والحضارية للإنسان.
ويحتل التعليم مكانة أساسية في هذا التحول. فالمشكلة ليست في كمية
المعلومات وحدها، وإنما في نمط تكوين العقل. والتعليم القائم على التلقين والحفظ
وإلغاء السؤال يعيد إنتاج التبعية، بينما يتطلب الاستخلاف تعليمًا ينمي النقد
والبحث والتجريب والمبادرة والعمل الجماعي.
لكن التعليم المطلوب ليس تقنيًا صرفًا؛ إذ يمكن للمعرفة المنفصلة عن
الأخلاق أن تزيد قدرة الإنسان على الهيمنة والإضرار بالآخرين. ولذلك ينبغي الجمع
بين الكفاءة العلمية والمسؤولية الأخلاقية، وبين الاقتدار المهني والوعي بقيمة
الإنسان.
وفي هذا الإطار تتحدد وظيفة المثقف الإسلامي. فهو ليس مجرد حامل شهادة أو
منتج خطاب، وإنما صاحب معرفة مركبة بالمرجعية والواقع والمعارف الإنسانية، وقادر
على بناء الجسور بين هذه المستويات وتحويلها إلى رؤية توجه الفعل الاجتماعي.
ولا يتطابق المثقف مع الفقيه التقليدي؛ لأن مهمته تتجاوز بيان الأحكام
الجزئية إلى تحليل المجتمع، واستشراف التحولات، ونقد الثقافة، وإنتاج المفاهيم
والمشروعات. كما أنه لا ينبغي أن يتحول إلى مثقف أيديولوجي يبرر بصورة دائمة
خيارات السلطة أو الحزب أو الجماعة.
ويقوم تكوينه على كفاءة مزدوجة: التأصيل في المرجعية والقدرة على تحليل
الواقع. فمن يعرف النص دون الواقع قد يقدم حلولًا صحيحة في التجريد وغير مناسبة في
التطبيق، ومن يعرف الواقع دون امتلاك مرجعية قيمية واضحة قد يمتلك أدوات الفعل دون
القدرة على تحديد وجهته.
ولهذا يحتاج المثقف إلى استقلال نقدي عن السلطة السياسية والمؤسسة الدينية
والتنظيم الحزبي وضغط الجمهور. وظيفته ليست منح الشرعية للقوي أو تكرار خطاب
الجماعة، وإنما ممارسة النقد، وكشف الاختلالات، ومراجعة المسلمات، والمساهمة في
إنتاج البدائل.
لكن الاستقلال لا يعني الانسحاب من المجتمع. فالمثقف عند النجار ملتزم
بالإصلاح، ويعمل على تحويل المعرفة إلى وعي عام ومشروعات قابلة للإنجاز. وهو يقترب
بذلك من صورة «العالم العامل» ومن بعض وظائف "المثقف العضوي"، مع
احتفاظه بمرجعية أخلاقية تتجاوز الحزب والطبقة والسلطة.
ومن وظائفه أيضًا تجديد اللغة التي يقدم بها الفكر الإسلامي نفسه.
فالمفاهيم الدينية إذا بقيت حبيسة لغة وعظية أو تاريخية قد تفقد قدرتها على
التواصل مع الإنسان المعاصر. والمطلوب ليس تغيير أصول الدين، وإنما إعادة صياغة
خطابها بما يكشف علاقتها بأسئلة الحرية والعدالة والكرامة، والتنمية والبيئة
والمعرفة.
ويرتبط بذلك واجب النقد الذاتي. فاختزال أسباب التخلف في الاستعمار أو
الهيمنة الخارجية يحجب الاختلالات الداخلية في الثقافة والعقل والمؤسسات. ولا يعني
الاعتراف بالعوامل الداخلية إنكار آثار الهيمنة الخارجية، وإنما رفض تحويلها إلى
تفسير شامل يعفي الذات من مسؤوليتها.
وتتوج هذه العناصر جميعًا بمفهوم "الشهود الحضاري". فالشهود ليس
مجرد الدعوة اللفظية إلى الإسلام، وإنما حضور الأمة في التاريخ من خلال العلم
والعمل والقيم والمؤسسات والمنجزات التي تقدم نفعًا للإنسانية.
ويجمع الشهود الحضاري بين المعرفة والفعل والبلاغ: معرفة العالم في ضوء
الوحي والعقل، وتحويل المعرفة والقيم إلى منجز تاريخي، ثم تقديم هذا المنجز
للإنسانية باعتباره مساهمة في الخير العام لا مشروعًا للهيمنة عليها.
وبهذا المعيار لا يقاس نجاح الفكر الإسلامي بكثرة الكتب والخطب والشعارات،
وإنما بقدرته على إنتاج الإنسان الحر والمسؤول، والمؤسسة العادلة، والمعرفة
النافعة، والاقتصاد الحافظ للكرامة، والسياسة القائمة على المشاركة والمحاسبة،
والثقافة القادرة على الإبداع.
ومن هنا لا يحصر النجار مشروع الإصلاح في الوصول إلى الدولة أو السيطرة
عليها. فالدولة عنصر من عناصر التغيير، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج النهضة إذا
ظلت الثقافة والتعليم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية عاجزة عن التجدد. والتحول
الحضاري أوسع من التغيير السياسي لأنه يتعلق ببناء الإنسان، والمؤسسات ومنظومة
القيم والمعرفة.
وفي هذا المستوى يمكن قراءة مشروع النجار بوصفه نقدًا ضمنيًا للنزعة
الحركية التي اختزلت المشروع الإسلامي أحيانًا في التنظيم والتعبئة والصراع
السياسي. فالمشكلة ليست فقط في امتلاك المشروع الصحيح، وإنما في امتلاك المنهج
الذي يسمح بتحويله إلى واقع بطريقة تراعي السنن والظروف والمآلات.
وتتمثل إحدى أهم إضافاته في نقل السؤال من «ما حكم الإسلام؟» إلى سلسلة
أكثر تركيبًا من الأسئلة: كيف نفهم الحكم؟ وكيف نصوغه في مؤسسة معاصرة؟ وكيف ننزله
في الواقع؟ وما شروط نجاحه؟ وما النتائج التي قد تترتب عليه؟ وبذلك ينتقل الفكر من
فقه النص وحده إلى فقه الفعل والمآل والحضارة.
ومع ذلك تظل في المشروع مساحات تحتاج إلى مزيد من التفصيل. فمفاهيم الخلافة
والعمران والشهود الحضاري ذات قدرة توجيهية كبيرة، لكنها تحتاج إلى ترجمة أكثر
تحديدًا في قضايا الدولة الحديثة، والديمقراطية، والحريات، وتوزيع السلطة،
والمساواة، والاقتصاد السياسي، والعلاقة بين المؤسسات الدينية والسياسية.
كما يثير التكامل بين الوحي والعقل والواقع سؤالًا منهجيًا مستمرًا: من
يحدد حدود كل عنصر عندما تظهر قراءات متعارضة؟ وكيف يمكن التمييز بين القطعي
والظني، وبين المقصد والتأويل الأيديولوجي، وبين مراعاة الواقع والخضوع له؟ وتكشف
هذه الأسئلة أهمية الاجتهاد الجماعي والمؤسسات العلمية التعددية التي تمنع احتكار
تفسير الدين.
وخلاصة
أطروحة عبد المجيد النجار أن تجديد الفكر الإسلامي يقوم على إعادة
بناء العلاقة بين الوحي والعقل والواقع. فالعقل أداة للفهم والنقد والاكتشاف،
والعقلانية منهج للبرهان والتقدير والتنزيل، وفقه التدين هو الجسر الذي يصل النص
بالحياة، والثقافة هي المجال الذي تتحول فيه القيم إلى سلوك، والمثقف هو الوسيط
النقدي بين المرجعية والتاريخ.
أما "الشهود الحضاري" فهو الأفق الذي تلتقي عنده هذه العناصر كلها؛ إذ لا
تكون الغاية مجرد المحافظة على الإسلام في النص والذاكرة والهوية، وإنما تحويل
قيمه إلى إنسان فاعل، ومعرفة نافعة، ومؤسسات عادلة، وعمران قادر على الإسهام في
الحضارة الإنسانية. وبهذا المعنى يمكن تلخيص مشروع النجار بأنه محاولة لإعادة وصل
الوحي بالعقل، والعقل بالواقع، والتدين بالعمران، والإيمان بالفاعلية الحضارية.
*إعلامي
وباحث في الشؤون السياسية