كتب

معالم الواقعية المكيافيلية في مواجهة صعود التيارات الشمولية

مكيافيلي كفيلسوف سياسي، خلق المعنى الذي ارتبط بالدولة في الاستعمال السياسي الحديث
الكتاب: "مكيافيلي في النزاع والحرية"
الكاتب: سيرج أودييه
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2015، (عدد الصفحات 375صفحة من القطع الكبير)


يُعَدُّ مكيافيلي أول فيلسوف للتاريخ ومفكر سياسي ورائد للمجتمع البرجوازي الصاعد مع بدايات النهضة الأوروبية، حيث أنه استطاع أن يحرر السياسة من اللاهوت، واللاهوت من السياسة، ويؤسس علم السياسة، الذي أسهم إسهاماً حقيقياً في تطور وازدهار ذلك المجتمع البرجوازي. وهذا العلم السياسي الحديث المؤسس في عصر النهضة، هو ملازم منذ نشأته بتطور علوم الفيزياء والكيمياء، وإدخال الأساليب الرياضية في هذه العلوم، وبتطور العلوم الميكانيكية التي تستخدم الرياضيات، وعلم النفس الجديد، وبتطور التقنية والصناعة، وابتكار وسائل جديدة للإنتاج، حيث أنَّ مكيافيلي اعترف بمسألة التماثل بين وجود علم للسياسة وبين المحرزات الايجابية والتقدمية للعصر البرجوازي الجديد، وحيث أنَّ المجتمع البرجوازي الوليد يسعى إلى السيطرة على الطبيعة، مثلما كان يقوم أيضاً على سيطرة بعض الناس على أناس آخرين.

في كتابه الأساس "خطب حول عشرية تيت ليف الأولى، تصاغ هوية طبيعة البشر على النحو التالي: "كل البشر يولدون يعيشون ويموتون دائماً حسب القوانين ذاتها". وتعتبر نظرية ثبات طبيعية البشر مرتكزاً ومحور أساساً لكل أعمال ميكافيلي السياسية. فهو يقول "من يقارن بين الحاضر والماضي يجد أن كل المدن كل الشعوب، كانت دائماً ولا تزال تحركهم نفس الرغبات والأهواء. وهكذا يسهل بدراسة دقيقة ومتبصره للماضي، التنبؤ بما يحدث في جمهورية ما، عندئذ ينبغي استخدام الوسائل التي اعتمدها الأقدمون، أو في حالة عدم اعتمادها ينبغي تصور وسائل أخرى جديدة انطلاقاً من تشابه الأحداث". ويستطرد ميكافيلي مضيفاً "الحكماء بحق أنه ينبغي استشارة الماضي للتنبؤ للمستقبل، لأنَّ أحداث العالم الحالي تجد دائماً مثيلها الصحيح في الماضي. ولأنَّ تلك الأحداث أنجزت من قبل أناس حركتهم ولا تزال تحركهم دائماً نفس الأهواء فمن الضروري أن تكون لها نفس النتائج".

ليس من شك أنَّ مكيافيلي كفيلسوف سياسي، قد خلق المعنى الذي ارتبط بالدولة في الاستعمال السياسي الحديث، ألا وهو سيادة الدولة، أو الكيان السياسي ذي السيادة، "فالدولة كقوة منظمة لها التفوق على أرضها وتنهج سياسة واسعة من التوسع في علاقاتها مع الدول الأخرى، لم تصبح المؤسسة السياسية الحديثة والنموذجية فحسب، ولكنها أصبحت بصورة متزايدة أقوى مؤسسة في المجتمع الحديث".

ولقد كانت الميكافيلية "ميزة كل البلدان التي تحتاج مجتمعاتها لحكومة مركزية قوية قادرة على الغاء حدود الاقتصاد العائدة إلى القرون الوسطى، وآثار الاقطاع معها . لقد أنشأ ريشليو الدولة القومية الموحدة في فرنسا انطلاقاً من مبادىء مكيافيلية.

كما أن فختة، الذي نادى بالحرية وبأنماط التفكير البرجوازي، وهو مؤلف مرافعة عن ميكافيلي. أما هيغل، الذي عبرت فلسفته أوضح تعبير ايديولوجي عن البرجوازية الألمانية ما قبل /1848/، والتي كانت متعثرة في تطورها الاقتصادي والسياسي من كل الجوانب، فإنه لم يقاسم مكيافيلي عدة أفكاره فعلاً فحسب، بل إنه أبدى تقديراً عالياً لها".

إن الخلل المنهجي في تفكير مكيافيلي يكمن في تصوره للتاريخ، باعتباره نمطاً من التفكير والاحساس قائم على عوامل طبيعية ثابتة تاريخياً، دون أخذ بعين الاعتبار العوامل والمتغيرات الاجتماعية، وانعكاساتها على الطبيعة البشرية ذاتها- فعناصر النفس البشرية، كالغرائز، والأهواء، التي تشكل مكونات الطبيعة البشرية، تظل ثابتة عند مكيافيلي، في حين أن منطق العلم الجديد، يقر بأن ما هو ثابت هو نسبي، وإن هذه العناصر عينها النفسية والفيزيقية الطبيعية، تتطلب دراستها، ورؤيتها ضمن الشروط المحددة من الواقع التاريخي، في إطاره الزماني والمكاني وفي تعاقب أطواره ومراحله.

في هذا الكتاب، الذي يحمل العنوان التالي: مكيافيلي  في النزاع والحرية، الذي يتكون من مقدمة طويلة، وثلاثة فصول، وخاتمة ، ويتضمن 375 صفحة من القطع الكبير، والصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون،يسعى  مؤلفه الدكتور سيرج  أودييه، أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون باريس 4، من خلال هذه الدراسة  إلى تفحص معنى ما يسميه  اللحظة المكيافيلية الفرنسية وأبعادها. فهو يهدف من خلال هذه التسمية إلى إظهار تفرد المساهمة الفرنسية في إعادة تقييم مكيافيلي الذي شق طريقًا أصيلة من أجل تجديد الفلسفة السياسية.

إنًّها اللحظة التي تشكلت في الفلسفة الإنجليزية، بدءًا من السبعينيات من القرن الماضي. فقد عُرِفَ ما يسمى بالتيار الجهوري الجديد بمساهمته في إعادة اكتشاف الفكر السياسي الحديث، وكذلك ضمن النقاشات  حول فكرة الحرية السياسية.

الواقعية المكيافيلية في مواجهة صعود التيارات الشمولية:

لم تلفت مساهمة آرون في التجديد المكيافيلي الفرنسي، بأهميتها وأبعادها، الأنظار بشكل أساسي، ومع ذلك، فلولا أن الحرب قد حالت دون ذلك، لكان آرون قد نشر كتابه حول مكيافيلي بكل تأكيد، كان الهدف من هذه الدراسة ـ وهي الأولى من نوعها التي تقدم تفسيراً عاماً للمذهب الشمولي ـ الربط بين فكر مكيافيلي وعلم اجتماع فيلفريدو باريتو (V. Pareto) والمبادئ الأساسية "لأنظمة الطغيان الحديثة"، من المهم، من أجل توضيح أبعاد هذا التفسير، أن نذكر أن مسألة المكيافيلية بقيت مركزية خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولم يكن الشاب آرون، في الواقع، الفيلسوف الوحيد في فرنسا الذي تساءل عن العلاقة بين فكر مكيافيلي وممارسات الأنظمة السلطوية والشمولية التي فرضت نفسها خلال فترة ما بين الحربين، وكُثراً كان المراقبون الذين ظنوا أن باستطاعتهم تفسير التغييرات السياسية في أوروبا، من خلال العودة إلى تعليمات كتاب (الأمير)، سواء أكان هؤلاء المراقبون مختصين بمكيافيلي أم غير مختصين به، وسواء أحكموا بإيجابية أم بعدم إيجابية على صعود الفاشية أو النازية.

لم تركز جميع التفسيرات حول مكيافيلي، في تلك الفترة، بالطبع على مسألة المكيافيلية وأنظمة الطغيان الحديثة (الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، والستالينية في روسيا السوفييتية)، ويكفي أن نذكر بالقراءة التي اقترحها ألكساندر كوري (A. Koryé) عام 1930، لنقتنع بذلك. يصنف هذا الكتاب أعمال مكيافيلي ضمن تاريخ الفكر العلمي الحديث، كما يتصوره، بعيداً عن أن يوحي بأي تشابه بين مواقف السكرتير الفلورنساوي والممارسات الفاشية الإيطالية، من هنا جاء حكمه الذي يعبر عن الإعجاب "كم هو جميل خطاب المنهج المستتر في أعمال السكرتير الفلورنساوي"، أضف إلى ذلك اهتمام بعض المؤلفين بالتمييز بين مكيافيلية مكيافيلي ومكيافيلية الطغيان الحديث، في دراستهم للمسألة المكيافيلية، ذلك كان حال جوليان بندا (J. Benda) في كتابه (خيانة الرهبان) الذي يشير إلى أن "الرهبنة" القومية القائمة في أوروبا ظاهرة جديدة لا تشبه المكيافيلية الكلاسيكية.

يقول المؤلف سيرج أودييه: "يجب أن نذكر هنا، بشكل خاص، ظهور دراستين موسعتين في تلك الفترة، كان لهما أثر دائم على الدراسات المكيافيلية: دراسة بيار مسنار (P. Mesnard) التي تركت أثراً لدى سكينّر في موضوع المذهب الجمهوري ودراسة رونوديه، ويبقى أنّ مكيافيلي يظهر، في حالات كثيرة، وكأنه الرائد الحقيقي للفاشية والنازية، وتلك هي الفكرة التي يعرضها كل من لويس ده فيلفوس (L. de. Villefosse) وهنري بيرّ (H. Berr) ومارك دوكونسيّ (M. Duconseil)، تحت صيغ مختلفة، انطلاقاً من خيارات سياسية غير ملائمة في الغالب.

ليس مكيافيلي في الواقع من مؤسسي "مذهب" أو "مدرسة" بالمعنى الدقيق للكلمة، يمكن لمكيافيلية مكيافيلي أن تُعرف في الحقيقة، بالطريقة التي عُرفت بها "النزعة الوضعية"، أي باعتبارها "منهجاً"
ويبدو هذا النوع من القراءة لمؤلف (الأمير) مقبولاً في تلك الحقبة، لدرجة أن موسوليني نفسه قد نشر في إيطاليا عام 1924، وفي فرنسا عام 1929 نصاً يمتدح مكيافيلي والمكيافيلية، لقد رفض الفيلسوف الليبرالي بييرو غوبيتي في إيطاليا، هذا النص الذي نشر في صحيفة جيرارشيا (Gerarchia)، وبرهن من خلال اقتباسات من (الأحاديث) على الطابع الخادع والشامل لقراءة موسوليني، يلح غوبيتي، من جانبه، على مذهب مكيافيلي الجمهوري وخياراته الشعبية ودفاعه عن خصوبة النزاع، فاتحاً بذلك أمام الليبرالية السياسية أحد الأبواب الواعدة جداً كي تضم إليها جزءاً من الإرث المكيافيلي، وبالمقابل، لا يبدو أن فرنسا قد أنجبت شخصاً بمستوى غوبيتي: فقد أخذ التفسير الذي قدمه موسوليني عن مكيافيلي على محمل الجد. حتى أن الكتّاب المعروفين مثل سيمون فيل (S. Weil) قد وقعوا في الفخ: لقد قرأ موسوليني مكيافيلي وحلله وفهمه، ولم يبقَ عليه سوى أن يطبقه. ولم يألَف ليون بلوم (Léon Blum) بالطبع مكيافيلي، فيزيائي السلطة هذا، فلربما منعه هذا النوع من التأهيل عن إهمال بعض المبادئ الملائمة التي تقوم في ممارسة السلطة بما يقوم به السلم الموسيقي بالنسبة إلى الغناء"(ص319).

هل بإمكان اللحظة المكيافيلية الفرنسية "أن تساهم في النقاشات التي تسود في الفلسفة السياسية الحديثة، على المستوى التاريخي والمعياري؟ علينا أن نشير أولاً إلى أنه ليس بالإمكان الخلط بين النماذج المختلفة للتجديد المكيافيلي الفرنسي، حتى لو كانت تتلاقى جميعاً عند إبراز أهمية النزاع باعتباره كاملاً كامناً للحرية السياسية، وذلك مفهوم قام بورنهام بتلخيصه، مسبقاً، من خلال التأكيد على أنَّ "الحرية في العالم بما هو عليه، هي نتيجة للنزاع والاختلاف، وليست نتيجة للوحدة والانسجام"، ومع ذلك، يشير فهم آرون لكتاب (المكيافيليون) إلى أنموذجين ممكنين لليبرالية التعددية ــ النزاعية، ويرى بورنهام أن الموضوعة المكيافيلية للنزاع تندرج ضمن مشروع ليبرالي يمنح دوراً أساسياً للتوازن النزاع تندرج ضمن مشروع ليبرالي يمنح دوراً أساسياً للتوازن النزاعي للقوى الاجتماعية، في المحافظة على الحرية التي تمثل معياراً للاختلاف بين الديمقراطية الليبرالية القائمة على الاعتراف بعدم التوافق من جهة، والنزعة الشمولية من جهة أخرى، والتي يقوم مشروعها على إلغاء التقسيم الاجتماعي، ومع ذلك، تبقى متطلبات قراءة بورنهام محافظة جداً، لقد توصل بورنهام إلى إضفاء الشرعية على مفهوم متشائم جداً يقوم على المحافظة على الحرية الفردية، وذلك من خلال إلحاحه على تهشيم المبدأ الديمقراطي الكلاسيكي الذي ينادي "بحكم الشعب من الشعب"، تحت شعار مقاربة مكيافيلية تكرس لفهم "الحقيقة الفعلية للأشياء" .

وإذا توصل بورنهام، كما سوريل إلى زرع الشك في فكرة الخيرة العام نفسه، تحت شعار نقد عادل لانحرافاته، وإلى رفض الخيارات التقدمية لفلسفة ديوي الترابطية لدرجة انتهى معها بالحديث عن (انتحار الغرب) كي يهاجم "الليبراليين"، أي "اليسار" الأمريكي، ويدعم انحرافه الشخصي باتجاه مواقف محافظة متطرفة، فهذا ما يؤكد حدود إعادة قراءته لمكيافيلي، يعمل آرون، على العكس من ذلك، على استرجاع مسألة النزاع من خلال متابعة المقاربة الواقعية للظاهرة الأقلوية، وذلك من منظور يعتمد الأفكار الديمقراطية بجدية، ويرفض المظاهر "العلموية" لعلم اجتماع باريتو، ولا يبتعد، هنا، التساؤل عن الدور التحريري المحتمل للشغب عن التفكير في الطريقة التي يمكن فيها لحركات الاحتجاج التعبير عن متطلبات العدالة الاجتماعية، تجد ليبرالية آرون نفسها، في الواقع، في نقطة تلاقي نوعين من التقاليد: النوع الأول ذو اتجاه "واقعي" قائم على موضوع "السيطرة"، والثاني ذو طابع ديمقراطي متمسك بإظهار "القوة التغييرية" لأفكار المساواة، وهو يجسد أفضل تعبير له لدى الكتّــاب الجمهوريين، بعد توكفيل، مثل ميشيل وبوغليه (Michel et Bouglè)، وبذلك تبقى التعددية النزاعية المكيافيلية لدى آرون ليبرالية وديمقراطية في آن، وذلك لأن المجموعات الفقيرة تستطيع من خلال النضال أن تأمل بالاعتراف بشرعية مطالبها.

وتعتبر قراءة آرون لمكيافيلي أكثر ملاءمة من قراءة بورنهام، إلاّ أنها ربما، لا تتمايز بشكل كافٍ، حول نقطتين: دور الرغبة الشعبية في تجنب الاضطهاد، والبعد المخيالي للسياسة، ويفتح التفسير الذي قدمه مكيافيلي ولوفور، بهذا الصدد، طريقاً خصبة توضح الخيار الشعبي لدى مكيافيلي، تتميز هذه المقاربة، التي تنسجم بشكل أفضل مع النص المكيافيلي، بالإدماج بين الروح النزاعية الاجتماعية والرغبة الشعبية في تجنب الاضطهاد، وبالتوازي مع ذلك، تكمن أهمية القراءات الفينومينولوجية في كشف البعد المخيالي للسلطة، وفي البحث في السياسة باعتبارها مغامرة "تعبيرية": إنها إخراج النزاعات كي تصبح منتجة من أجل إغناء العيش المشترك بين المجموعات المتخاصمة، بشكل إيجابي، وذلك لأنه إذا كان لدى مكيافيلي (نزاع صالح) ـ النزاع الذي يولد الحرية ويوسع الجمهورية الرومانية ـ فإن هناك (نزاعاً سيئاً)، يتحول إلى صراع عقيم بين الأفراد، كما يشهد بذلك تاريخ فلورنسا العبثي، وهكذا لا يقود النزاع بالضرورة إلى الخير المشترك وإلى الحرية السياسية، إن فهم "الانقسام" باعتباره عاملاً داعماً للحرية، يعني إذاً فهم ضرورة السلطة السياسية، باعتبارها وسيطاً ـ تحت صيغة سواء ارتبط الأمر بإمارة أو جمهورية ـ قادراً على إيجاد مخرج لنزاع الأمزجة، ونصل هنا إلى مقاربة مجددة للشأن السياسي، تحوله إلى لحظة لا يمكن تجاوزها في حركة المجتمعات الحديثة، بدل أن نجعل منه مقاماً ثانوياً.

إذا وافقنا بونوا الرأي، لم يظهر مكيافيلي إلاّ لأن ظهور المكيافيلية قد حل موعده، وتشير التلميحات الأخيرة لـ"الوحش المرن والرائع" و"الإنسان الفائق" إلى أن بونوا لا يصنَّف فقط ضمن تطور التقاليد الوضعية الفرنسية، ونكشف في الواقع في بلاغة نيتشه بالغة الفظاظة هذه، إحدى الخصائص الرئيسة لخطاب اليمين المتطرف في النصف الأول من القرن العشرين،
يتطرق المؤلف  سيرجي في معرض استعراضه لأهم الدراسات التي ظهرت في مرحلة ما بين الحربين، وتناولت المكيافيلية إلى كتاب منسي اليوم ألفه شارل بونوا (Ch. Benoist): المكيافيلية قبل مكيافيلي وبعده، يمثل هذا الكتاب، الذي استغرق تأليفه ثلاثين عاماً تقريباً ـ من 1907 إلى 1936 ـ أحد أهم المراجع التي كرّست لمكيافيلي في فترة ما بين الحربين العالميتين، بوصفه أحد المصادر الأكثر وضوحاً للفكر الذي طوّره آرون مع ذلك، وكذلك ماريتان، حول مسألة مكيافيلية مكيافيلي، وكان الكاتب قد نبّه منذ الجزء الأول من ثلاثيته إلى أن عمله لن يتناول مؤلَّف مكيافيلي ذاته بل المكيافيلية: مكيافيلية مكيافيلي ومكيافيلية بعض تلاميذه (المكيافيليون)، ومكيافيلية "المعادين للمكيافيليين"، وأخيراً المكيافيلية التي يعبر عنها "أناس لم يقرؤوا سطراً واحداً مما كتبه مكيافيلي".

 كانت المكيافيلية الأولى موضع الاهتمام الحقيقي لبونوا، أي "مكيافيلية مكيافيلي في مصادرها المباشرة، أي في مكيافيلي نفسه"، إن هذه العبارة الأخيرة خادعة، لأن بونوا حين يتحدث هكذا عن مكيافيلية مكيافيلي، لا يقصد الإشارة إلى مذهب أصيل بكليته، وهنا تكمن المفارقة، ليس مكيافيلي في الواقع من مؤسسي "مذهب" أو "مدرسة" بالمعنى الدقيق للكلمة، يمكن لمكيافيلية مكيافيلي أن تُعرف في الحقيقة، بالطريقة التي عُرفت بها "النزعة الوضعية"، أي باعتبارها "منهجاً"، وتوضح الإشارة إلى النزعة الوضعية أقوال بونوا بشموليتها، وكما أن كونت (Comte) يعرف العصر الوضعي، في الواقع، من خلال الرفض الجذري لكل (الشروح) القائمة على الكيانات الميتافيزيقية، ومن خلال الأولية الممنوحة أخيراً (للتوصيف) البحث للظواهر، كذلك، قد أهمل مكيافيلي كل مضمون عقائدي، واقتصر على تسجيل الوقائع: "لا نعرف كاتباً كان أكثر (موضوعية) وأكثر تمسكاً بالملاحظة و(التسجيل) من مؤلِّف كتاب (الأمير) و(أحاديث حول العقد الأول من حكم تيت ليف) على الرغم من توق خياله، فهو لم (يخترع) عناصر سياسته أكثر مما يخترع عالِم الرياضيات معطيات المسألة التي يحلها، أو يخترع عالِم الكيمياء عناصر الجسم الذي يحلله، وهو يحلل مثل الكيميائي، ومثله يسجل ويصوغ".

وإذا كان بونوا مهتماً بشكل أساسي بمكيافيلية مكيافيلي، فلا يعني هذا إذاً على الإطلاق أن على دراسته أن تركز حصرياً على أعماله نفسها، وبالقدر الذي يعتبر فيه مكيافيلي "عيناً صافية جداً مثل مرآة تعكس كل شيء ولا تشوه شيئاً"، من المناسب أن نركز الاستقصاء على الوقائع التي تعكسها بأمانة، أي على المكيافيلية الدائمة، ذلك هو بدقة، موضوع الجزء الأول من ثلاثية بونوا الذي يحمل عنوان (ما قبل مكيافيلي): يسعى الكاتب إلى إظهار ما يسميه "مواد المكيافيلية"، وبكلمات أخرى، إنه يسعى إلى أن يحدد بوضوح "ما راكمه الزمن وما يحتويه الحاضر من مكيافيلية معلقة"، في اللحظة نفسها التي ظهر فيها مكيافيلي أخيراً.

لا يعتري الخاتمة النهائية لهذا التحليل أي غموض، لقد اكتفى مكيافيلي بإعادة ترتيب وقائع عصر بالدقة الممكنة، بدل أن ينقل مضموناً فلسفياً مهما كان نوعه: "لم تخرج المكيافيلية من رحم الأرسطية، بل من المحيط والزمان، لقد رأيناها في (الأمير) وفي المؤامرات والطغيان وقاتل الطاغية. الفرد الحر المتفلت من أي قيد، المندفع تحت ضربات القدر، والوحش المرن والرائع، تارة ذئب وتارة أسد، المتربص بفريسة دوماً أو المنقض عليها، هذا الإنسان الفائق وُلِد حين أُلِّف هذا الكتاب".

وباختصار، إذا وافقنا بونوا الرأي، لم يظهر مكيافيلي إلاّ لأن ظهور المكيافيلية قد حل موعده، وتشير التلميحات الأخيرة لـ"الوحش المرن والرائع" و"الإنسان الفائق" إلى أن بونوا لا يصنَّف فقط ضمن تطور التقاليد الوضعية الفرنسية، ونكشف في الواقع في بلاغة نيتشه بالغة الفظاظة هذه، إحدى الخصائص الرئيسة لخطاب اليمين المتطرف في النصف الأول من القرن العشرين، في الواقع، يشكل الكتاب في مجموعه نشيداً من أجل مكيافيلية "الرجال العظام"، نابليون وكافور وبسمارك بخاصة، كما يحمل نقداً ـ ضمنياً جداً ـ للأفكار الديمقراطية، مع ذلك، يجب أن نشير إلى أن بونوا يرجع في الجزء الأخير من ثلاثيته، وبطريقة مادحة، إلى مقدمة موسوليني لكتاب (الأمير)، وفيها، يعلن (الدوتشي) "هذا المعلم الحديث في العمل"، أن "مذهب مكيافيلي أكثر حيوية اليوم مما كان عليه منذ أربعة قرون، لأنه إذا كانت الأشكال الخارجية لوجودنا قد تغيرت جداً، فإننا لا نلاحظ تغييرات جذرية في فكر الأفراد والشعوب".

يعتقد بونوا أنه بذلك يقدم تأكيداً نهائياً لفكرته العامة بثبات المكيافيلية باعتبارها منهجاً وليست مذهباً، أضف إلى ذلك أنه يعلن بوضوح تقاطعه مع ما يسمى "العبقرية الإيطالية" وكذلك كرهه للديمقراطية، يوضح بونوا، في الواقع، أن مكيافيلي كما غيشاردان، قد أوحى إليه "بالقرف من السياسة التي يديرها أناس لا يعرفون شيئاً عنها، وبالاحتقار لرجال السياسة الذين يصرون على ممارستها من دون أن يعرفوا ما يقولون وما يفعلون"، لقد اكتشف أيضاً، وهو يسير على خطى مكيافيلي وغيشاردان، "قبح الأشياء التي تخلص منها زمانها ـ مثل عبثية الاقتراع العام وجنون العدد ـ والتي تسمم دولنا جميعاً، تلك الشرور المستوطنة أحياناً، والوبائية أحياناً أخرى، والتي تبقى فيها الدولة ممزقة بين جميع درجات الديمقراطية وجميع أشكال الديماغوجية"، بذلك تحدد خلاصة ثلاثية بونوا، المكرسة لميكافيلي أيضاً، غاية مساره السياسي الشخصي الذي عليه أن يقوده تدريجياً إلى رفض غريزي للاستفتاء العام والأفكار الديمقراطية.

يقول المؤلف: "تسمح دراسة كتاب بونوا بإظهار أبعاد قراءة آرون لمكيافيلي، فقد تأثر تحليل آرون بعمق، وبشكل مباشر، أو غير مباشر، بالتحليل الذي قدمه كتاب (المكيافيلية قبل مكيافيلي، ومعه، وبعده)، يُبرز بونوا أولاً، وقبل آرون ـ كي يرضي نفسه بذلك ـ الروابط العميقة بين الممارسة الفاشية ومذهب مكيافيلي، ولقد رأينا أنه لم يكن الوحيد في ذلك، فقد خصص ألبير شِرِل نفسه (A. Chérel) مثلاً، في كتابه (فكر مكيافيلي في فرنسا) عام 1935، دراسة للمسألة المكيافيلية، وقدم بالطريقة نفسها، حكماً يعبر عن الإعجاب بمكيافيلية موسوليني: "لقد لفتتنا حصافة المقدمة التي كتبها الديكتاتور الإيطالي في بداية إعادة الطباعة الفخمة لـ (الأمير) "يقول موسوليني في العموم: "لم يقع مكيافيلي في الوهم الذي يرى الطبيعة البشرية طيبة، فقد كان حكيماً، وكم كانت الفاشية كذلك فآمنت بذلك، وتصرفت بمقتضاه"، غير أنه يمكن الاعتقاد أن آرون وجد في كتاب بونوا وليس في كتاب شِرِل، مصدراً مميزاً للتفكير، وعلينا أن نشير، في الواقع، إلى أن بونوا يلتقي في قراءته لمكيافيلي، بوضوح مع علم اجتماع باريتو، ومن جهة أخرى، يُعد بونوا خبيراً جيداً بتقاليد علم الاجتماع القائمة على مفهوم النخب، باعتباره من المطلعين على أعمال مويزي أوستروغورسكي (M. Ostrogorski) الذي استبق ـ في بعض المجالات كما سنرى ذلك لاحقاً ـ بعض أوجه نظرية باريتو.

والحال هذه، إن هذا الربط بين بونوا وباريتو جدير بالاهتمام، في ما يخص موضوعنا، وبالفعل، يظهر شرح آرون التقارب بين الإشكالية التي عرضها مكيافيلي وتلك التي كان على عالم الاجتماع الإيطالي أن يبحث فيها، وبخاصة وأننا نجد في كتاب بونوا ثنائية واضحة توحي، وفقاً لآرون، بإحدى خصائص علم اجتماع باريتو، ومن بعده بخصائص أنظمة الطغيان الحديثة؛ أي نزعة وضعية جامدة من جهة، ونزعة نيتشوية جذرية من جهة أخرى، سيسعى آرون بشكل أساسي إلى إظهار (التكامل) الذي يوحد، بشكل ضمني، النزعة الوضعية الأكثر علمية والمذهب النيتشوي الأكثر فوضوية، وبكلمات أخرى، نحن هنا بصدد إظهار أن المذهب العدمي المطلق لأنظمة الطغيان الحديثة ليس سوى (الوجه الآخر) لمفهوم علموي للمجتمع والتاريخ"(ص 34 ـ 35).