كتاب عربي 21

المواطنة بين الأمن القومي وسد النهضة.. المواطنة من جديد (47)

1300x600
من القضايا الأساسية التي تربط بين مفهوم المواطن والوطن وبين أمن المواطن وأمن الوطن؛ الاعتبار الذي يؤكد أن مفهوم الأمن القومي المتعلق بالوطن والدولة ليس إلا امتدادا لمفهوم "الأمن الإنساني للمواطن".

وبهذا الاعتبار يجب على الجميع أن يتعرف على القدر الذي تحمله الدولة لتوفير أمن المواطن، بل إن هذا الربط هو الذي يعمق الإدراك وتصور المواطن والمواطنة ضمن أصول حقوق كلية تأسيسية ترتبط بالمواطن عبر الوطن.

ومن هنا وجب علينا أن ننظر للقضية المتعلقة بسد النهضة والموقف العام المرتبط بها، وكيف أن شخصا من دولاب الدولة أراد وبشكل مهين أن يكمم الأفواه عن الحديث في القضية، فقال إن على الجميع أن يصمتوا، وأن يتوقف عن الكلام لأن في كلامهم ما يضر بالأمن القومي. فهذا القول لا يجد سندا إذا ما ربطنا بين ثلاثية مهمة: الأمن القومي، وأمن الوطن، وأمن المواطن. إن هذه الأضلاع الثلاثة ترتكز على قاعدة واحدة لا يمكن أن تنفك عن بعضها البعض أو يتطور مفهوم الأمن الإنساني الشامل إلا من خلال هذا التصور الكلي العميق، ومن ثم فإن الربط بين هذا وذاك إنما يشكل رؤية أولية وأساسية لفهم أصل القضية التي تتعلق بسد النهضة والموقف منها.

فإنه لا يمكن النظر إلى مفهوم الأمن الإنساني على أنه جاء ليحل محل مفهوم الأمن القومي، فما زال مفهوم الأمن القومي هو الإطار الحاكم للعلاقات الأمنية الدولية، وذلك في ما يتعلق بهيمنة المنظور الواقعي على طبيعة القضايا الأمنية. وبوجه عام، فإنه يمكن النظر إلى العلاقة بين مفهوم الأمن الإنساني ومفهوم الأمن القومي على أساس كون كل منهما يكمل الآخر، وذلك لأكثر من سبب؛ ففي أحيان كثيرة تكون الدولة ذاتها مصدر لتهديد أمن مواطنيها، كما إن الدولة ما زالت هي المسئولة إلى حد كبير عن تحقيق أمن الأفراد، كما أن أمن الأفراد في أحيان كثيرة يصبح مرهونا بتحقيق أمن الدولة مسبقا.

مفهوم الأمن القومي ليس مفهوما تقليديا أو كلاسيكيا يتعلق بـ"العسكري"، ولكنه أبعد من ذلك ويتعلق بكيان الوطن والمواطن على حد سواء، ومن ثم فإن البعد الإنساني الكامن في الأمن القومي لا يستبعده ولكن يستوعبه. هكذا يعلمنا أستاذنا الدكتور حامد ربيع حينما يتحدث عن الأمن القومي، ويعتبر أن صياغة مفاهيم الأمن القومي يجب أن تستجيب لكل هذه العناصر من التصور والإدراك الحركي.. إنها إطار كامل للتعامل وليست مجرد مثالية لذلك الذي يجب أن يكون..

إن تقنين مفهوم الأمن القومي هو في جوهره تفاعل بين إدراك سياسي للنخبة القيادية وتحليل استراتيجي لتحديد مواقع الضعف في الإقليم القومي.. إذا كان الأمن القومي يرتبط بالإقليم القومي فليس للدفاع عن الاقليم في ذاته إنما للدفاع عن الكيان القومي، أي الشعب أو الأمة التي ترتبط بذلك الإقليم.

والواقع أن أي سياسة أمنية تفترض لقاء بين مجموعتين من العناصر: أهداف وصياغة لمخرجات؛ فإذا كانت الجماعة تملك القدرة على تحديد أهدافها ولكنها لا تملك الكفاءة لتشكيل المخرجات المتوافقة والمعبرة عن تلك الأهداف، فإننا نصير إزاء أمل ولسنا إزاء سياسة. وإذا كان الموقف يرتبط بجماعة قادرة على إنتاج مخرجات دون أن تحدد لها أهدافا وغايات فإن هذا يصير تعبيرا عن قوة وليس سياسة. كلا البعدين يجب أن يتفاعلا في انسجام تام وتوافق مستمر لنستطيع أن نخلق سياسة حقيقية.

ومن هنا، فإن الفهم المتعلق بضرورات الأمن القومي يتأتى من قيام الدولة بوظيفتها الأساسية والجوهرية وهو ما يستقر به وجودها، حتى وإن غالت في الاستبداد وطغت وجاوزت الحدود. هذه الوظيفة الأساسية هي حفظ أمن الجماعة الوطنية من المخاطر التي تواجه الجماعة وتواجه الدولة ذاتها من الخارج، أي في مواجهة العدوان الخارجي، وهي أيضا تتمثل في صيانة قوى التماسك في الجماعة السياسية، وضمان ألا تختل صيغة التوازن الاجتماعي والسياسي والثقافي التي تحفظ للجماعة السياسية وحدتها وترابطها.

إن واحدا مما يضمن بقاء الدولة أمينة على هذين الأمرين، حفظ الأمن الخارجي، وصيانة صيغة التوازن الداخلية الحافظة لقوى التماسك. إن واحدا مما يضمن بقائها أمينة في هذا الأداء هو هذا الشكل الذي أشرت إليه من قبل، أي تشكل أجهزة الدولة من التيار السياسي الثقافي الاجتماعي الأساسي الذي تتكون منه الجماعة السياسية، ولا يكاد يهدد هذا الأمر إلا أن تكون شخصية الدولة قد حدث لها اختراق من قوى خارجية طامعة للسيطرة، بما يؤثر في القرارات التي يمكن أن تصدر متعلقة بقيام الدولة بواجب الحراسة المطلوب لأمن الجماعة ولصيانة تماسكها..

إن مسألة الأمن القومي وكفالته وتأمينه هي لب مسألة الاستقرار الوطني.. وأن الوضع الذي انتهينا إليه في هذه المرحلة قد آلت إليه هذه المسألة الجوهرية من مسائل دعم الاستقلال الوطني وكفالة الأمن الجماعي، إلى أن تصير هي ذاتها مسألة تتصل بالأنشطة الشعبية وكفالة وجودها. وصار موقف الدولة من إتاحة التحركات الشعبية الساعية في هذا النشاط أو عرقلته؛ موقفا يمس صميم موقفها الوطني وصميم أدائها الوظيفي الرئيسي في هذا الشأن الوطني، وعلى ما يرى الحكيم البشري في قوله: "كل ما أخشاه أن يكون من حكوماتنا من صار أخوف على نفسه من شعبه منه على نفسه وشعبه من قوى العدوان الخارجي، فيصير أمن الدولة والنظام عنده مقدما على الأمن القومي وأمن الجماعة السياسية كلها، وهو منها".

وفق هذا الفهم والتصور الذي أكدنا عليه من حكيمين كبيرين يتفهمان معنى الأمن القومي والأمن الإنساني، مثل "ربيع" و"البشري" رحمهما الله، يتولد ذلك الموقف الذي يشير إلى كيف أن مفهوم الأمن القومي هو مفهوم مستقل في تأسيسه عن بعض هؤلاء الذين يتصدرون سدة الحكم، خاصة حينما يعبثون بمفهوم الأمن القومي ويفرطون في مقتضياته والعمل بالتزاماته والحرص على مستلزماته. هذه الأمور جميعا إنما تؤكد كيف أن هذا المؤتمن على الأمن القومي للبلاد هو الذي فرط وباع، وهو الذي تنازل وخان لأسباب عدة؛ بعضها أكدته الأحداث وبعض من هذا ستؤكده مسارات قادمة حول قضية سد النهضة. فالأمر المؤكد أن السيسي بعد انقلابه وموقف الاتحاد الأفريقي السلبي من حال الانقلاب في مصر أراد أن يقوم بأعمال تمرر شرعنة نظامه، ضمن مقايضة رخيصة أقرب ما تكون إلى التفريط والخيانة.

كذلك فإن هذا الذي يشاع حول أن القضية تسير في مسارات معقدة حتى يتم ابتزاز مصر والنيل من مقدراتها المائية، حتى يمكن تمرير اتفاق قادم حول توصيل المياه للكيان الصهيوني. والشواهد والقرائن على ذلك كثيرة، سنقوم بعرض تفاصيل لها ضمن رؤى واضحة تؤكد كيف أن تلك المواقف التي اتخذت لم تكن عفو الخاطر، وأن الحديث عن التعنت الإثيوبي الآن ليس في المقام الذي يؤكد على فشل للدبلوماسية المصرية، وكل الذين اضطلعوا بالسياسات المائية في مصر.

ثم أتى المنقلب السيسي ليؤكد في آذار/ مارس من عام 2015 باتفاق مبادئ فيه من عائم الكلام الذي يستعصي على الضبط، وكان من المهم ألا يعقد اتفاق المبادئ ذلك إلا مقترنا ومشفوعا باتفاق إجرائي وفني على كل الخطوات التي تتعلق بحفظ حقوق مصر المائية، ولا يترك مجالا لإثيوبيا أو غيرها للاستناد إلى نص فضفاض هنا أو هناك يمكن أن ينال من أمن مصر المائي؛ الذي يتعلق بأمن الوطن القومي ويتعلق بأمن المواطن المباشر الذي ارتبط بالنيل ارتباطا حياتيا وجوهريا في معاشه وفي نمائه وفي نهوضه وارتقائه.. وللحديث بقية.

twitter.com/Saif_abdelfatah