تقارير

عيّنة فلسطينية لعلاقة المثقف بسلطة المقاومة.. شهادة للتاريخ

الكاتب الفلسطيني اليساري عبد القادر ياسين: هذه هي علاقة قيادة فتح بالمثقف- (عربي21)

شاهدت، مؤخرًا، التسجيل التليفزيوني للأستاذ إلياس خوري، عن الفترة التي عمل فيها باحثًا في مركز الأبحاث، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، في بيروت (1975- 1979). ولي وقفة عند هذا الحديث، حيث نفى خوري وجود قمع من المستوى السياسي للمقاومة لأي من العاملين في المركز.

 

وردي البسيط هو أن كمال عدوان، رحمه الله، طلب إلى د. أنيس صايغ، مدير مركز الأبحاث (1972)، رحمه الله، أن يفصل صادق جلال العظم من عمله، كباحث في المركز، الأمر الذي رفضه صايغ؛ فكل تهمة العظم أنه أصدر كتابًا، آنذاك، حمل عنوان "نقد فكر المقاومة"، ضمَّنه نقدًا لبعض أفكار وممارسات قيادة "فتح".

ثم ماذا نُسمي ستين رسالة بأرذل العبارات، وجهها الباحث في المركز، صبري جريس، إلى أنيس صايغ؟ وأتى جريس، في اليوم الستين، وطلب إلى صايغ تسليمه الرسائل المشار إليها، فما كان من صايغ إلا أن فعل؛ وأتبع هذا التسليم بإصداره قرارًا، قضى بإلغاء مناصب نواب المدير الأربعة (إبراهيم العابد، محمود درويش، عصام سخنيني، وصبري جريس).

حمل جريس القرار، وانتظر مدةً في مكتب القائد العام، ياسر عرفات، وحين التقاه، قرب منتصف الليل، فإن عرفات أشَّر على قرار الإلغاء: "يُلغى القرار".

في الصباح، وزَّع جريس صورًا من قرار عرفات، بعدد كل العاملين في المركز، بمن فيهم صايغ، الذي ما أن قرأ قرار عرفات، حتى غادر المركز، ورفع استقالته إلى عرفات، باعتبار الأخير رئيس المركز، إلى جانب ترؤسه ما يربو قليلًا على ثلاثين مؤسسة سيادية.

دارت الأيام، وزار صايغ في منزله، العقيد محمود أبو مرزوق، المقرَّب من عرفات، وأخبر صايغ بأن الرئيس يود أن يحادثه، عبر الهاتف، ونهض أبو مرزوق إلى هاتف منزل صايغ، وطلب عرفات، ثم نادى على صايغ، كي يتحدث مع عرفات، الذي أكَّد لصايغ أنه وقَّع قرار الإلغاء ضمن مجموعة من الأوراق، وقد اختلط عليه الأمر. رد عليه صايغ: "إذن، أصدر قرارًا بإلغاء القرار الذي وقَّعته سهوًا!" رفض عرفات، فما كان من صايغ إلا أن أغلق الهاتف، وقد ازداد إصرارًا على الاستقالة.

بعد نحو سنة وأربعة أشهر من تقديم صايغ استقالته (شباط/ فبراير 1976)، أصدر عرفات قرارًا، بصفته رئيسًا للمركز، قضى بقبول استقالة صايغ، وتعيين محمود درويش محله، ولكن كمرحلة انتقالية، إذ انتقلت إدارة المركز، بعد سنة، إلى صبري جريس.

 

 


أذاق جريس العاملين في المركز المُر، فجمعوا توقيعاتهم على مذكرة، احتجَّت على ممارسات جريس في المركز، ولم يُستثن من كل العاملين في المركز، من التوقيع سوى زوجة جريس، وجارته.

ما كان لعرفات إلا أن يُهمل مذكرة العاملين، فسرَّب لي هاني مندس، عضو الأمانة العامة للاتحاد، والباحث في المركز، صورة من المذكِّرة، شاملة التواقيع، فنشرتُها في مجلة "الكاتب الفلسطيني"، التي كان الأمين العام للاتحاد، رئيس التحرير فيها، مطاردًا من حراس أبو عمار "الـ 17"، وأنا الوحيد من سكرتيري تحرير المجلة، المواظب على العمل، رئيسًا، ومديرًا، وسكرتيرًا للتحرير. وحين نُشِرت المذكرة في "الكاتب الفلسطيني"، قامت الدنيا، ولم تقعد. وإن كان الأستاذ خوري، مرَّ على هذه الواقعة، مرور الكرام.

اتصل بي، هاتفيًا، أحمد الأزهري (الاسم الحركي لفاروق القاضي)، وكان مستشارًا لعرفات، وسألني عمن أتى لي بهذه المذكِّرة، وأن عرفات منزعج للغاية من هذا الأمر. رددت عليه: "سلِّم لي على أبو عمار، وقول له، محدش نقل لي هذه المذكِّرة، وأنا الذي أحضرتها، ونشرتها".

عاد الأزهري إلى عرفات، وقال له: "بيقول لك عبد القادر، هو اللي جاب المذكِّرة، وهو اللي نشرها، واللي بدَّك إياه إعمل". الأمر الذي نقله لي أحد الحاضرين في مكتب عرفات، حين انفجرت مشكلة المذكِّرة. نزل الأزهري من عند عرفات، واتصل بي، هاتفيًا، وسألني، عما إذا كنت أُفضِّل زيارته لي، في اليوم التالي، أو أن أزوره أنا. قلت له "أنا أحضر عندك الساعة العاشرة، صباح الغد". 

في صباح اليوم التالي، نهضت من مكتبي، في مقر الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين، في تمام التاسعة وخمسة وأربعين دقيقة. وبينما كنت أرتدي سترتي، وصلت إلى المقر، السيدة/ مي صايغ، الأمينة العامة لاتحاد المرأة الفلسطينية، سألتني، من فورها: "على فين؟!" رددت: "مشوار صغير، وأعود بعد نصف ساعة، على الأكثر". ضحكت، وقالت لي: "أنت ذاهب لمقابلة الأزهري، والجميع في المبنى، من الطابق الأول إلى الطابق العلوي، يشتمون عبد القادر ياسين، ويتهيؤن لاستقباله بالعصي"، شكرتها، وغادرت المقر، بعد أن طلبت إلى الشباب هناك، بأن يُبلغوا الأزهري إذا ما اتصل، بأن هاتفًا وصلني من دمشق، يستدعيني، على وجه السرعة، فتوجَّهت من فوري إلى هناك، ذهبتُ إلى منزلي، في ساقية الجنزير، ببيروت، بالقرب من منازل الشهداء، القادة الثلاثة، رحمهم الله (كمال عدوان، محمد يوسف النجار، وكمال ناصر)، ومن بعدهم علي حسن سلامة (أبو حسن) رحمه الله.

حدث ما كان منتظرًا، إذ اتصل الأزهري بمقر الأمانة العامة، مستهجنًا عدم وصولي إلى مكتبه، وأنا المعروف بدقَّة مواعيدي، أبلغه الشباب بأمر سفري الاضطراري، إلى دمشق، فأرغى، وأزبد، قبل أن يصطجب قوة من الـ 17 (الحراسة الخاصة بعرفات)، ويُطوِّق بها مركز الأبحاث، ويجلس مكان صبري جريس، ويستدعي إلياس خورري، للتحقيق معه، بصفته رئيس جمعية موظفي مركز الأبحاث، هنا، تدخَّل محمود درويش، وهاجم الأزهري، بقوة، وجاء عبد الحفيظ محارب، الباحث في المركز، وقال للأزهري: "مش قادرين على الحمار، نطيتوا على البردعة؟! قدامكم عبد القادر ياسين، المسؤول عن المجلة اللي نشرت المذكِّرة!" تكهرب الجو، فاستنجد الأزهري بعرفات، الذي أوكل معالجة الأمر إلى أحمد عبد الرحمن، رئيس تحرير أسبوعية "فلسطين الثورة"، الناطقة بلسان الثورة الفلسطينية، وتمنى عبد الرحمن على درويش، باسم عرفات، أن يترك الأزهري، يمارس التحقيق، من أجل هيبة عرفات. وقد كان.

في المساء، التأمت الأمانة العامة للاتحاد، في المقر، واتفق أعضاؤها على الذهاب إلى صلاح خلف (أبو إياد)، هذه المرَّة، دون عرفات، لأنه "المتهم"، وعرض الأمر على خلف، وحضر خوري اجتماع الأمانة، وبعد حين غادر الجميع إلى مقر خلف. وحين علمت بالأمر، اتصلت بأبي إياد، فطلب إليَّ سرعة الحضور إلى مكتبه، لكنني أبلغته بأن الطريق إلي غاصَّة بالحواجز الطيارة لقوات "الـ 17". رد أبو إياد: "ما أنت متعوِّد على الإفلات من مثيلاتها". وقد كان.

عرض أعضاء الأمانة العامة الأمر على خلف، الذي بادر بالاتصال بأعضاء اللجنة المركزية "لفتح"، عارضًا عليهم تصرُّف عرفات. ابتدأ أبو إياد بأبي الهول (هايل عبد الحميد)، فأبي اللطف (فاروق القدومي)، ووضعهما خلف في الصورة؛ وحين وصل خلف بهاتفه إلى أبي جهاد (خليل الوزير)، رد عليه الأخير "أبو عمار عندي، خذ كلِّمه!"

بدأ أبو إياد كلامه مع عرفات، بشكل حاسم: "شو اللي عملته مع اتحاد الكتاب؟!" لا أدري بماذا رد عرفات، لكن أبو إياد عاجله، بالقول: "عبد القادر، وإلياس، عندي، تحب أبعتهما لك مخفورين؟ّ!" فهم عرفات الأمر، على النحو الصحيح، ورد على أبي إياد: "خلاص، تُعلَّق قضيتهما، إلى أن نعود من المجلس الوطني"، الذي كان سيعقد دورته في دمشق، بعد عدة أيام.


قبل أن ننصرف، نهض خوري، واتصل بمنزله، فأبلغته أسرته بأن سيارة جيب، عليها مدفع رشاش، مع عناصر قوات "الـ 17"، داهمت البيت، وسألت عن خوري.

بعد حين، علمنا بأن القوى نفسها كانت بدأت بالمرور على مقر الأمانة العامة، وسألت عني، وعن خوري. وانتهت الحكاية، عند هذا الحد، لكن لتبدأ قصَّة أُخرى تستحق الرواية.