كتاب عربي 21

المعارضة العربية في ظل الثورات

1300x600

أصبح اليوم من الضروري بل من الواجب تحليليا قراءة الظواهر العربية في ظل المُتغيّر الأهم الذي حدث في هذه الرقعة الجغرافية منذ عشر سنوات تقريبا. توفّرُ الثورات وما ترتّب عنها من سياق لا يزال يتفاعل إلى اليوم المنوالَ الأمثل لإعادة تقييم حركة الفواعل على الأرض وظيفةً وطبيعةً وخلفياتٍ باعتبارها الحدث الأكثر تأثيرا في السياق الإقليمي على مختلف الأصعدة.

من بين أكثر الفواعل السياسية في المنطقة إثارة للجدل والتساؤل ما يُسمّى أحزاب المعارضة وهي مكوّن أساسي في الجسد السياسي العربي. قد تختلف هذه الأحزاب أو المكونات السياسية من دولة إلى أخرى ومن نظام إلى آخر لكنها تجتمع في نقطة واحدة وهو إعلانها معارضة النظام القائم. لكنّ سقوط بعض الأنظمة خلال العشرية الأخيرة ودخول الأحزاب المعارضة حلبة السلطة السياسية أعاد إلى الواجهة شرعية السؤال عن حقيقة هذه الأحزاب ودورها. 

بنية المعارضة وألوانها

نشأت المعارضة العربية منذ تسلّم الأنظمة السلطةَ في المنطقة سواء كانت أنظمة عسكرية أو مدنية جمهورية فهي بذلك قديمة النشأة قدم الأنظمة ذاتها. لكنها تطورت بعد ذلك وعرفت اتجاهات وخلفيات وألوانا مختلفة باختلاف الطيف السياسي نفسه فمنها اللبرالي ومنها القومي ومنها اليساري ومنها الإسلامي المحافظ. بناء على اختلاف المرجعيات اختلفت المطالب والمشاريع وتباينت ووصل بها الأمر إلى التنافر وحتى التناحر فيما بينها خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حيث استفاد النظام من تصادم الأحزاب المعارضة لمزيد ترسيخ قدمه في أعلى هرم السلطة.  

في مصر وسوريا والعراق ودول المغرب كانت أهم التيارات المعارضة ممثلة في التيارات اليسارية والإسلامية خاصة بسبب وصول التيار القومي إلى السلطة ولم تكن للمعارضة اللبرالية أهمية كبيرة في المشهد السياسي خلال هذه الفترة. واجه النظام القائم هذه الأحزاب بقمع كبير وزُجّ بقيادات الأحزاب والحركات المعارضة في السجون والمعتقلات وتشكلت حينها نواة المعارضة العربية في المهجر.
 
إن أهم ما يُميز منطق المعارضة العربية هو اتفاقها على رفض النظام القائم من ناحية لكنها فشلت في تحقيق ما به تستطيع مواجهة هذا النظام وهو التحالف الموضوعي فيما بينها ولو كان ذلك بشكل مؤقت. من جهة أخرى تمكّن النظام من اختراق صفوف المعارضة في الداخل والخارج ونجح في تطويع عدد هام من قيادييها كما حدث في تونس ومصر وسوريا وتحوّل الصراع من مواجهة النظام إلى تناحر المعارضة نفسها. غلبت الأيديولوجيات والخلفيات الفكرية على المشروع الوطني وفشلت أغلب الأحزاب المعارضة في الإقناع وفي الإطاحة بالنظام وصياغة مشروع سياسي بديل يكون فوق الأحزاب وفوق الأيديولوجيا.

الثورات والسياق الجديد 

لم تكن الثورات العربية نتيجة فعل المعارضة ولم يكن إسقاط النظام إنجازا من إنجازاتها بعد أن فشلت في مشروع المعارضة وفي تقديم نفسها بديلا عن السلطة. صحيح أن بعض هذه المعارضة قد دفع ثمنا باهظا في عدد المعتقلين في المنافي والسجون لكنها خسرت معركة الحسم مع السلطة القائمة حتى جاءت الثورات.

يرى كثيرون أنّ من أهم أسباب سقوط الأنظمة العربية هو غياب المعارضة عن المظاهرات والاحتجاجات إذ فقد النظام الشماعة التي يُبرر بها عمليات القمع في مثل هذه الحالات. لم تنفع كل الاتهامات التي ساقها إعلام النظام للمتظاهرين بأنهم متآمرون أو إرهابيون أو متطرفون لأن العالم بأسره كان شاهدا على سلمية الاحتجاجات وعلى وصول النظام الرسمي العربي إلى نقطة النهاية. لم تكن أمواج المتظاهرين تحت قيادة الإسلاميين أو اليساريين أو القوميين بل كانت هبّة شعبية جماعية تلقائية أسقطت في وقت قياسي عددا من أشد الأنظمة قمعا واستبدادا.

 

يشكّل ضمور الفعل السياسي المعارض مكسبا هاما نحو التأسيس لوعي سياسي جديد قائم على تغييب الأيديولوجيا والاصطفاف مع القدرة على الفعل والإنجاز بقطع النظر عن الخلفية السياسية والفكرية. وهو الأمر الذي يعني تراجع جاذبية الأحزاب الكلاسيكية المؤسسة على خلفيات أيديولوجية وظهور تشكيلات وبُنى جديدة قائمة على الواقعية السياسية

 



لكن من جهة أخرى كان فراغ الساحة السياسية في الداخل من المعارضة الفاعلة كارثيا على مآل الثورات نفسها. فكان وصول هذه الأحزاب إلى السلطة في تونس ومصر وليبيا دليلا على انعدام المشروع السياسي والرؤية الاستراتيجية والقدرة على المناورة. كان نصيب الإخوان والأحزاب الإسلامية المحافظة من هذا الفشل كبيرا جدا خاصة في مصر وليبيا وحتى في سوريا.
 
لا يعني هذا الإقرار نجاح المعارضة التونسية فقد تحوّل الصراع هناك من صراع ضد النظام وبقاياه إلى صراع على السلطة بين حلفاء الأمس وهو الأمر الذي مكّن الدولة العميقة من العودة إلى المشهد بقوّة وإرباك المسار الانتقالي. ليس سبب الأزمة في تونس متعلقا بالتدخلات الخارجية فحسب بل هو كامن أساسا في عجز النخب التونسية عن تجاوز أحقادها التاريخية والتأسيس لمشروع وطني جامع.
 
هذا الفشل الذريع في تأمين أخطر المنعطفات التاريخية حساسية يطرح السؤال حول جدوى المعارضة العربية وقدرتها على الإنجاز خاصة أنها لم تقدّم إلى اليوم قراءات في النقد الذاتي بشكل تعيد عبره تقييم أدائها وتكشف مواطن الخلل في ممارستها السياسية خلال العقد الأخير. 

لكنّ الخسارة الأكبر إنما تتمثل في الأثر السلبي الذي تركه هذا الأداء السياسي الضعيف على وعي المواطن بشكل خلق عند جمهور عريض من العرب نفورا شديدا من الأحزاب السياسية التي صار يرى فيها دكاكين للإثراء السريع ووسيلة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعارات التي عاشت طويلا تنادي بها. 

من جهة أخرى يشكّل ضمور الفعل السياسي المعارض مكسبا هاما نحو التأسيس لوعي سياسي جديد قائم على تغييب الأيديولوجيا والاصطفاف مع القدرة على الفعل والإنجاز بقطع النظر عن الخلفية السياسية والفكرية. وهو الأمر الذي يعني تراجع جاذبية الأحزاب الكلاسيكية المؤسسة على خلفيات أيديولوجية وظهور تشكيلات وبُنى جديدة قائمة على الواقعية السياسية والقدرة على المناورة والتأقلم وردّ الفعل خارج الأطر الكلاسيكية التي صارت حواجز مُعيقة للفعل السياسي في سياق شديد التغيّر والتحوّل.
 
بناء على ما تقدّم تكون المنطقة العربية قد خرجت من طور سياسي قديم قائم على التضاد الثابت بين النظام والمعارضة وهي تُدشّن اليوم طورا جديدا قائما على التداخل البراغماتي بين مختلف الفواعل السياسية على رقعة واحدة. إن الوعي بهذا الشرط الجديد وإدراك أهميته قادر على أن يوفّر على الأمة كثيرا من الوقت ومن الطاقات التي تحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى لتحقيق نقلتها الحضارية التي طال انتظارها.