كتاب عربي 21

هل يكون البرلمان الليبي القادم فرديا في أدائه؟

السنوسي بسيكري
1300x600
1300x600
بعد ساعات تنطلق انتخابات البرلمان الجديد، والمتوقع أن يكون الإقبال عليها غير كبير وذلك للظروف السياسية والأمنية الصعبة. 

غير أني رغبت أن استبق الانتخابات وما يسفر عنها بالحديث عن قضية كانت الشغل الشاغل لليبيين جميعا عبرت عن نفسها في الموقف من المؤتمر الوطني العام وهي الأحزاب والتكتلات الحزبية. 

فقد شكل الاستقطاب الفكري والسياسي ظاهرة في المؤتمر الوطني العام منذ الأسابيع الأولى من انطلاق أعماله، وأخذت الحالة اتجاها حادا مع مرور الوقت إلى أن أصبحت إحدى أبرز معوقات الجهاز التشريعي ولتنعكس أثار الاستقطاب سلبا على أداء السلطة التنفيذية وتفشل سلطة فبراير بجنحيها الرقابي والتنفيذي في التغلب على تحديات ما بعد الثورة.

لقد  أخذ الاستقطاب منحيين: الأول فكري ما بين أقلية تقترب من النفس الليبرالي، وأغلبية تدفعها بواعث دينية، والثاني، وهو متداخل نسبيا مع الأول، ونقصد به الاستقطاب القائم على الموقف من الثورة بحد ذاتها. وبين المنحيين مساحات للاختلاف واسعة تختلط فيها الأفهام ويصعب التمييز بين فئاتها.

ولأن التجربة كانت مريرة، وبسبب القصور في فهم أسبابها وتحليل مسبباتها، اتجه التشخيص إلى تحميل المسؤولية كاملة للأحزاب، وانعكس ذلك في تبني انتخابات برلمان جديد وفق النظام الفردي وليس القوائم الحزبية.

والسؤال هنا، هل يمكن تجنب ظاهرة الاستقطاب القائمة على أساس فكري وسياسي في البرلمان
الجديد؟

وللإجابة عن السؤال نحيل إلى الحراك الانتخابي السابق الذي سبق يوم الاقتراع، والذي اتجه إلى التكتيل الفكري والسياسي برغم هالة التبرأ من الحزبية والانتساب إلى الأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية من معظم المرشحين تجاوبا مع ما شاع من موقف من الأحزاب.

وبالنظر إلى الحراك الانتخابي يظهر أن حالة الاستقطاب والصراع ظهرت بوضوح من خلال بروز مكون تصالح البعض على تسميته "التيار المدني" الذي ناصر مرشحين بعينهم، وما يمكن أن يطلق عليه "تنسيقية التيار الإسلامي" والذي تدعم ممرشحين محسوبين على التيار الإسلامي.

يتكرر مسمى التيار المدني في العديد من الساحات العربية في لبنان ومصر والعراق وغيرها، حيث تقوم فكرة هذا التيار في تلك الدول على رفض تسييس الدين، أو إبعاده عن الحياة السياسية، فهذا ما نادت به حركة "المجتمع المدني" في لبنان، و"التيار المدني الديمقراطي" الذي ضم أحزاب ورموز ليبرالية متعددة في مصر، وكذلك العراق. ولأن التجربة السياسية في ليبيا حديثة المولد، فلا يشكل التيار المدني الوليد شيئا مشابها في جذوره الفكرية وحضوره السياسي للتيارات المدنية في الدول المشار إليها، إلا أنه يتقاطع معها كونه جاء ردا على تكتل التيار الإسلامي، وثقله في المجتمع ومحاولة لكسر هيمنته السياسية.  

أيضا يمكن القول أن الترويج لفكرة التيار المدني قبيل الانتخابات دعت إليه الحاجة لملء الفراغ بعد تفكك حزب تحالف القوى الوطنية، أو تراجع ثقله السياسي كحزب قاد حملة ناجحة في الانتخابات الماضية وفاز بأكثر المقاعد بين الأحزاب التي شاركت في الانتخابات، وكقوة ناهضت حزب العدالة والبناء ومن ناصره في المؤتمر.

إذاً حالة الاستقطاب مستمرة، وهو ما يعني الدخول إلى البرلمان الجديد باستعداد للتكتل على صورة قريبة مما انتهى إليه المؤتمر الوطني العام، بحيث يكون هناك كتلة التيار المدني، وكتلة التيار الإسلامي، ومجموعة كبيرة من المستقلين ما يلبثون أن يتجهوا للتنسيق أو ربما ينضووا تحت إحدى الكتلتين الرئيسيتين، او يشكلوت كتل ثالثة ورابعة بعيدا عنهما ثم ربما تدفعها المستجدات إلى تقارب أو شكل من أشكال التحالف. 

بالنسبة لحظوظ الكتل في الفوز ننوه فإن الموقف الشعبي الحالي والذي يتحفظ قطاع كبير منه على التيار الإسلامي قد يخدم التيار المدني، فقد تكون حظوظه في الانتخابات المقبلة أفضل بسبب إخفاقات وأخطاء التيار الإسلامي، وكذلك ما خلفته الحملة الإعلامية ضد الأخير. ولكن ومن خلال استقراء انتخابات الهيئة التأسيسية وانتخابات المجالس البلدية يمكن القول أن الشارع لا يسقط موقفه من التيار الإسلامي على المرشحين ذوي الخلفيات الإسلامية عند الانتخاب، فقد كانت حظوظ من يصنفون كإسلاميين في الانتخابات المشار إليها واضحة أشار بعض المراقبين أنها ربما تزيد عن 25%. كما أن اعتقاد شريحة ليست قليلة من الناخبين أن التيار المدني وجه آخر لتحالف القوى الوطنية أو أنه مماثل للقوى السياسية المصرية التي تحالفت مع "الفلول" ليكون في مجموعهم "الثورة المضادة"، قد تساعد في حصول التيار الإسلامي، باعتباره المنافس الوحيد، على نسبة تمكنه من إعاقة التيار الآخر في حال شكل أغلبية البرلمان، وهو ما يعني تكرار إخفاقات المؤتمر الوطني في حال لم يتم إستدراك الوضع من خلال مقاربة توافقية تبعد الخلاف عن ملفات حيوية ليتم الاتفاق على حلول جذرية لها. وما لم يحصل هذا التوافق فإن التجربة البرلمانية الجديدة قد لا تكون بعيدة الشكل والمضمون عن المؤتمر الوطني العام.
التعليقات (0)