50- الاقتصاد الدائري والصناعات الخضراء
مرّ النبي ﷺ بشاة ميتة مطروحة كانت قد أُعطيت لمولاةٍ
لميمونة من الصدقة، فاستوقفه مشهد مورد يُلقى في العراء وفيه منفعة قائمة، فقال:
"هلّا انتفعتم بجلدها؟"، فلما قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حَرُم
أكلُها" (البخاري). سؤال نبوي قصير يرسم حداً دقيقاً بين شيء سقطت منفعته فعلاً
وشيء سقط من حسابات الناس ومنفعته باقية. ويضع بذلك قاعدة اقتصادية سابقة لعصرها:
كثير مما يُسمّى مخلّفاً مورد ينتظر من يُحسن تحويله، فالجلد الملقى في الطريق
يصير بالدباغة سقاءً ونعلاً ووعاءً.
وبين هذا المشهد وواقعنا اليوم مسافة تستحق التأمل.
تُنتج
مصر كل عام عشرات الملايين من الأطنان من المخلّفات البلدية والزراعية
والصناعية، يُعاد
تدوير نصيب محدود منها، ويذهب أغلبها إلى مقالب مكشوفة، أو يُحرق
في الحقول فتختنق به سماء الدلتا كل خريف. وفي الوقت نفسه تستورد البلاد بالعملة
الصعبة خامات من البلاستيك والورق والمعادن والأسمدة كان يمكن أن تعوّضها تلك
المخلّفات.
وعلى الضفة الأخرى من المتوسط دخلت آلية تعديل حدود
الكربون الأوروبية مرحلتها الإلزامية مع مطلع 2026، فصار الأسمنت والحديد والأسمدة
والألومنيوم، وهي من أعمدة الصادرات
الصناعية المصرية، تُسأل عند الحدود عن بصمتها
الكربونية قبل أن يُنظر في سعرها. وهكذا تجتمع على مصر ضغطتان، هدر في الداخل
وشروط في الخارج، وكلتاهما فرصة لمن يقرؤها مبكراً.
والاقتصاد الدائري يعيد تصميم دورة الإنتاج
والاستهلاك، فتعود المواد إلى السوق مرة بعد مرة بدل أن تنتهي في المقالب.
والصناعات الخضراء هي الوجه الإنتاجي لهذا التحول: مصانع أقل استهلاكاً للخامات
والطاقة وأقل انبعاثاً، ومنتجات أطول عمراً وأيسر إصلاحاً وتدويراً.
أهمية الاقتصاد الدائري والصناعات الخضراء
للنهضة الاقتصادية
الاقتصاد الدائري يعيد تصميم دورة الإنتاج والاستهلاك، فتعود المواد إلى السوق مرة بعد مرة بدل أن تنتهي في المقالب. والصناعات الخضراء هي الوجه الإنتاجي لهذا التحول: مصانع أقل استهلاكاً للخامات والطاقة وأقل انبعاثاً، ومنتجات أطول عمراً وأيسر إصلاحاً وتدويراً
تُقاس قوة الاقتصادات الكبرى اليوم بقدرتها على
استخراج أكبر قيمة من كل طن من المواد يدخل دورتها. فالاقتصاد الخطي الذي يستخرج
ويصنّع ويستهلك ثم يرمي؛ يدفع ثمن المادة الخام مرة، ويدفع ثمن التخلص منها مرة
ثانية، ويخسر قيمتها الكامنة مرة ثالثة. والاقتصاد الدائري يحوّل هذه الخسائر
الثلاث إلى مكاسب، وهذا المنطق حاضر في البيان القرآني للموارد. فحين عدّد القرآن
نعمة الأنعام فصّل منافعها طبقة بعد طبقة: "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ
لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ"، ثم بسّط ما
يُستخرج من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها: "وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ
الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ
إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً
وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ". فالمورد الواحد في هذا البيان سلسلة منافع متتابعة
وهو ما يسميه الاقتصاد المعاصر الاستخدام المتتالي للمورد، أي استخراج أكبر قيمة
ممكنة من كل وحدة قبل أن تخرج من دورة الانتفاع.
وتتجلى أهميته لنهضة مصر في عدة أبعاد:
أول هذه الأبعاد الأمن الموردي. فمصر بلد محدود
الخامات قياساً بحجم سكانه وطموحه الصناعي، ويتراجع نصيب الفرد فيه من الماء
والأرض عاماً بعد عام، ويستورد كثيراً من المعادن والخامات الوسيطة التي تقوم
عليها صناعته. والاقتصاد الدائري يفتح أمامه مصدراً ثالثاً للخامات إلى جانب باطن
الأرض والاستيراد، هو المواد المتداولة في الاقتصاد نفسه. فكل مدينة كبرى منجم
متجدد تتضاعف ثروته مع نمو السكان والاستهلاك، وتحويل هذا المنجم إلى مورد منتظم
يخفف قيد الندرة عن خطط التصنيع.
ويتصل بذلك البعد الثاني، وهو الميزان التجاري.
فالفجوة الدولارية أخطر قيود الاقتصاد المصري، ويذهب جزء معتبر منها إلى استيراد
خامات ومدخلات إنتاج يمكن استعادة نظائرها محلياً من المعادن والورق والبلاستيك
إلى الأسمدة والأعلاف. وكل طن يُستعاد من الدورة المحلية يخفف الطلب على العملة
الصعبة، فيغدو الاقتصاد الدائري أداة لحماية الجنيه بقدر ما هو أداة لحماية البيئة.
والبعد الثالث هو النفاذ إلى الأسواق. فالاتحاد
الأوروبي أكبر شريك تجاري لمصر، والشروط البيئية فيه صارت معياراً لدخول السوق
يتقدم على السعر والجودة. والمنتج العاجز عن إثبات بصمته الكربونية ومحتواه المعاد
تدويره يخسر موقعه تدريجياً لصالح منافس يملك هذا الإثبات. ويتحول قرب مصر
الجغرافي من أوروبا إلى ميزة حقيقية حين تقترن به قاعدة صناعية خضراء، تجعلها مقصداً
للشركات التي تعيد توطين سلاسل توريدها قرب أسواقها.
أما البعد الرابع فهو التنافسية الصناعية. فالمصنع
الذي ينتج الوحدة بخامات أقل وطاقة أقل ومخلفات أقل؛ يملك هامش ربح أوسع وقدرة
أكبر على المنافسة السعرية، فالاقتصادات التي تصدّرت مؤشرات الإنتاجية في العقود
الأخيرة رفعت إنتاجية المادة والطاقة بالتوازي مع إنتاجية العمل ورأس المال.
والصناعة المصرية التي تعمل بهوامش ضيقة أمام المنافسة الآسيوية تجد في هذا الباب
مصدراً للتنافسية أقل كلفة من التوسع الرأسمالي.
والبعد الخامس هو التشغيل. فسلاسل الجمع والفرز
والتدوير والإصلاح وإعادة التصنيع من أكثر الأنشطة الاقتصادية كثافة في العمالة،
وتستوعب شرائح يصعب على الصناعات الحديثة استيعابها. وفي بلد يدخل سوق العمل فيه
مئات الآلاف كل عام يمثل هذا القطاع مخزوناً واسعاً لفرص العمل والمشروعات الصغيرة
ينمو بنمو الاستهلاك نفسه.
ويكتمل المشهد بالبعد السادس، وهو الكلفة الخفية على
الموازنة والصحة العامة. فالمقالب المكشوفة وحرق المخلفات يحمّلان الدولة فاتورة
متفرقة على بنود شتى، ومن صورها أمراض الجهاز التنفسي، وتلوث المجاري المائية،
وتراجع قيمة الأراضي المحيطة بالمقالب، وخسائر السياحة في المناطق الملوثة.
والاقتصاد الدائري ينقل هذا الإنفاق من علاج الأضرار إلى بناء أصول منتجة.
الأصل الشرعي والتجربة الحضارية
حين تُقرأ نصوص الفقه وكتب الحسبة بعين الاقتصادي يظهر
أن الحضارة الإسلامية تعاملت مع الفضلات والمستعمل من السلع بمنظومة متكاملة.
حين تُقرأ نصوص الفقه وكتب الحسبة بعين الاقتصادي يظهر أن الحضارة الإسلامية تعاملت مع الفضلات والمستعمل من السلع بمنظومة متكاملة
وأول أركان هذه المنظومة أن الفضلة مال له مالك. فقد
نصّ ابن بسام المحتسب في "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" على أن الخيّاطين
والقلانسيين "يحلفون أنهم إذا فصّلوا لأحد شيئاً فضل عندهم منه شيء يردّونه
لأربابه". فقصاصة القماش المتبقية بعد التفصيل تبقى على ملك صاحب الثوب،
وتبقى لها قيمة يُستحلف الصانع على ردّها. وتثبيت ملكية البقايا هو الشرط الأول
لقيام سوق لها، فالمورد الذي يُعرف مالكه يُتداول ويُسعَّر ويُستثمر، والمورد الذي
يضيع مالكه يذهب إلى المقلب.
والركن الثاني، إطالة عمر السلعة بالإصلاح. فقد سُئلت
عائشة رضي الله عنها عمّا كان النبي ﷺ يصنع في بيته، فقالت: "ما يفعل أحدكم
في مهنة أهله: يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويرقع دلوه". فالنعل والثوب والدلو،
وهي من أدوات الحياة اليومية، كانت تُصلح وتُعاد إلى الخدمة. وهذا عين ما يسميه
الاقتصاد الدائري اليوم اقتصاد الإصلاح، الذي يُبقي السلعة في دورة الانتفاع أطول
مدة ممكنة، ويحوّل الصيانة إلى نشاط اقتصادي قائم بذاته.
والركن الثالث، سوق المستعمل المنضبطة بالإفصاح. فقد
أجاز المحتسبون تداول المستعمل وإعادة تصنيعه، واشترطوا لذلك الشفافية الكاملة مع
المشتري. ونصّ ابن بسام على أن صنّاع القلانس "لا يخيطوا عتيقاً إلا أن يكون
فتيقاً مقلوباً"، أي معاد التصنيع، ثم يُكتب "على بطانة الجديد: جديداً،
والعتيق: عتيقاً، بخط المحتسب". ونصّ أبو حامد المقدسي في "بذل النصائح
الشرعية" على منع القطّانين من خلط جديد القطن بعتيقه. فهذه بطاقة بيان رسمية
تميّز المنتج الجديد من المعاد تصنيعه، تسبق بقرون معايير الاقتصاد الدائري
المعاصر في توسيم السلع المجدَّدة ونسب المحتوى المعاد تدويره. وهي تكشف أن ثقة
المشتري شرط قيام سوق الخامات الثانوية وأن الإفصاح أداة بنائها.
والركن الرابع، مسؤولية مُحدِث الفضلات. فقد قرر فقهاء
الحنفية أن من كنس الطريق لا يضمن ما عطب في موضع كنسه، لأنه قصد رفع الأذى، أما
من "جمع الكناسة في الطريق وتعقّل بها إنسان كان ضامناً لتعدّيه بشغله".
فالفضلة إذا تُركت في الحيّز العام انتقلت تبعتها إلى من وضعها، ولزمه ضمان ما
تُحدثه من ضرر. وهذا أصل فقهي واضح لما تسميه التشريعات الحديثة مسؤولية المنتج
الممتدة ومبدأ تحميل الملوِّث كلفة تلوثه.
وقد ترجمت الصناعة الإسلامية هذه الأصول إلى واقع
إنتاجي واسع. فصناعة الورق التي انتقلت من سمرقند إلى بغداد فالقاهرة فالأندلس
قامت في خامها الأساسي على الخِرَق البالية من الكتان والحبال القديمة، فكانت أول
صناعة كبرى في التاريخ تتخذ من المستعمل مادتها الأولى، وتحوّل ما يُلقى من الثياب
والحبال إلى ورق تقوم عليه دواوين الدولة وأسواق العلم والتجارة.
نماذج ملهمة
قبل أن تعرف أوروبا مصطلح الاقتصاد الدائري بقرون،
أدارت القاهرة ودمشق واحدة من أذكى منظوماته في مرفق يومي هو الحمّام العمومي. فقد
كان مستوقد الحمّام يُغذّى بما تطرحه المدينة من زبل الدواب وجِلّتها وفضلاتها
القابلة للاشتعال، فتتحول فضلات الشوارع إلى وقود يسخّن ماء الحمّام لعامة الناس.
ولا تنتهي الدورة عند الاحتراق، فجمر المستوقد ورماده الحار كانا يُستثمران في
إنضاج قدور الفول طوال الليل، ومنه جاءت تسمية الفول المدمَّس. أما السخام
المتكاثف من دخان هذا الوقود فكان يُجمع ويُصعَّد ليُستخرج منه النوشادر، وهو ملح
صناعي ثمين تحتاجه صناعات المعادن والصباغة والتبييض، وقد عُرفت مصر طويلاً
بإنتاجه وتصديره.
وبلغت هذه الصناعة من الرسوخ حداً استدعى الفقه إلى
مواكبتها، فأفرد لها الفقيه الدمشقي عبد الغني النابلسي رسالة مستقلة في حكم
النوشادر المستخرج من دخان الزبل في الحمّامات. فتكاملت حلقات المنظومة: فضلات
المدينة وقود، والحرارة خدمة عامة، والجمر طعام، والسخام سلعة صناعية، والفقه ينظم
تداولها.
وفي مدينة كالوندبورغ الدنماركية الصغيرة نشأ منذ مطلع
السبعينيات أشهر نموذج للتكافل الصناعي في العالم، نشأ النموذج من صفقات ثنائية
بين جيران صناعيين ولم يأتِ بقرار حكومي. فمحطة الكهرباء تبيع بخارها الفائض لمصنع
الأدوية ومصفاة النفط المجاورين، وتمد المدينة بالتدفئة، والجبس المستخلص من تنقية
مداخنها يذهب إلى مصنع الألواح الجبسية بديلاً عن الجبس المستخرج من المناجم،
ورمادها يدخل صناعة الأسمنت. وحمأة مصنع الأدوية تُسمّد الحقول المحيطة، وحرارة
مياه التبريد تغذي مزرعة سمكية. فصارت مخلفات كل منشأة خاماً لجارتها، وتراكمت
الشبكة عبر عقود حتى ضمّت أكثر من عشرين تبادلاً للمياه والطاقة والمواد.
وفي تايوان كانت الجزيرة في مطلع التسعينيات تُلقَّب
بجزيرة القمامة؛ امتلأت مقالبها واشتعلت الاحتجاجات ضد إنشاء مقالب ومحارق جديدة،
فأطلقت عام 1997 منظومة رباعية تجمع الأُسر وجامعي المخلفات والبلديات وصندوقاً
للتدوير يموّله المصنّعون والمستوردون، برسوم على كل منتج يطرحونه في السوق. ثم
فرضت تايبيه رسماً على أكياس القمامة غير المفروزة يدفعه المواطن بقدر ما يرمي،
وأُعفيت المواد القابلة للتدوير من الرسم، فانخفض حجم القمامة سريعاً. وجعلت
شاحنات الجمع تمر في مواعيد ثابتة على أنغام موسيقية معروفة، فيسلّمها السكان
مخلفاتهم مفروزة يداً بيد. وارتفعت نسبة التدوير حتى تجاوزت نصف المخلفات، لتصير
تايوان من أعلى دول العالم في هذا المؤشر.
وفي بوغوتا عاصمة كولومبيا واجهت المدينة السؤال الذي
تواجهه القاهرة اليوم: ماذا تفعل بآلاف الجامعين غير الرسميين الذين يعيشون من فرز
المخلفات حين تتجه إلى التعاقد مع شركات النظافة الكبرى؟ وجاءت الإجابة من المحكمة
الدستورية الكولومبية التي ألزمت المدينة عام 2011 بإدماجهم في منظومة الخدمة
العامة. فبدأت بوغوتا منذ 2013 تدفع لجامعي المخلفات المسجلين أجراً عن كل طن
يجمعونه ويوجّهونه إلى التدوير، كما تدفع لشركات الجمع. فتحول الجامع من عامل
مطارَد على الهامش إلى مقدِّم خدمة معترف به، يتلقى أجراً ويخضع للتسجيل
والمحاسبة.
وفي تركيا أُطلقت عام 2017 مبادرة "صفر
نفايات"، وهو مشروع وطني بدأ بالمباني الحكومية، ثم امتد إلى المدارس
والمستشفيات والمطارات والمساجد والمجمعات السكنية. وتُلزم المبادرة كل مؤسسة بفرز
مخلفاتها من المصدر وفق معايير موحدة، وتربط ذلك بشهادة رسمية تمنحها وزارة
البيئة. وتشير البيانات الرسمية التركية إلى ارتفاع نسبة التدوير من نحو ثُمن
المخلفات عند الإطلاق إلى قرابة ثلثها خلال ست سنوات. وحملت تركيا المبادرة إلى
الأمم المتحدة، فاعتمدت الجمعية العامة يوم الثلاثين من آذار/مارس يوماً دولياً
لصفر النفايات. وأهمية هذا النموذج لمصر أنه يأتي من مجتمع قريب في ثقافته ومرحلة
نموه، ويُثبت أن القيادة بالقدوة المؤسسية تعمل أسرع من التشريع وحده، فالدولة
التي تبدأ بمبانيها ومدارسها ومساجدها تصنع السلوك المجتمعي قبل أن تفرضه.
في المقال التالي نتابع الاستراتيجيات والتحديات إن
شاء الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.