بعد
7 عقود من حكم العسكر، هل بدأت
المعارضة المصريَّة في الخارج أخيراً تسأل السؤال
الصحيح؟
في
16 من أيلول/ سبتمبر 2026، ستجتمع في لاهاي مجموعةٌ من المفكرين وقادة الرأي
والمؤثرين
المصريين؛ لن تشغلهم، لأوَّل مرَّة منذ سنوات، مهمَّة إدانة النظام
العسكريِّ فقط، سيجلسون ليسألوا سؤالاً أصعب بكثير، وأكثر إلحاحاً: ماذا نفعل في
اليوم التالي؟
هذا
الفارق يبدو بسيطاً، لكنَّه في الحقيقة يفصل بين عقودٍ من المعارضة المصريَّة
الخطابيَّة، وبين مشروعٍ يحاول، ولو للمرَّة الأولى بجدِّيَّة، أن يُجيب على
السؤال الذي هرب منه الجميع: إذا رحل الحكم العسكريُّ غداً، فمن سيحكم؟ وكيف؟
وبأيِّ قوانين؟ وبأيِّ اقتصاد؟
أكتب
هذا المقال بصفتي جزءاً من هذا
المؤتمر، متحدِّثاً إعلامياً باسم مؤسَّسة جاستيس
ماترز، إحدى الجهات المنظِّمة. لن أدَّعي حياداً لا أملكه؛ لكنِّي سأكتب بالصدق
نفسه الذي كتبتُ به عن القضيَّة رقم 1282 التي فُتحت باسمي، وعن مذبحة رابعة، وعن
كلِّ ما وثَّقته من قمعٍ عابرٍ للحدود. هذا المؤتمر ليس معجزة، وليس ضمانة لأيِّ
شيء، لكنَّه محاولةٌ جادَّة، وربَّما الأكثر جدِّيَّةً حتَّى الآن، للخروج من حلقة
الإدانة العقيمة إلى فعل التخطيط الفعليِّ.
أوَّلاً:
7 عقودٍ من انتظار سؤالٍ لم يُطرَح
طوال هذه العقود، أنتجت المعارضة المصريَّة آلاف البيانات، ومئات المؤتمرات الصحفيَّة، وعشرات التحالفات التي تشكَّلت وتفكَّكت. لكنَّ سؤالاً واحداً ظلَّ غائباً بشكلٍ شبه كامل عن هذا الحراك: ماذا بعد؟
منذ
23 من تموز/يوليو 1952، تحكم مصر مؤسَّسةٌ عسكريَّةٌ واحدة، بأسماء رؤساء مختلفة
وخطابٍ سياسيٍّ متغيِّر الشكل، لكن بجوهرٍ واحدٍ لا يتبدَّل: من يملك البندقيَّة
يملك القرار. عبد الناصر، السادات، مبارك، ثمَّ السيسي بعد فاصلٍ ديمقراطيٍّ قصيرٍ
أُجهض بانقلاب 2013 أربعة أسماء، عقيدةٌ واحدة.
طوال
هذه العقود، أنتجت المعارضة المصريَّة آلاف البيانات، ومئات المؤتمرات الصحفيَّة،
وعشرات التحالفات التي تشكَّلت وتفكَّكت. لكنَّ سؤالاً واحداً ظلَّ غائباً بشكلٍ
شبه كامل عن هذا الحراك: ماذا بعد؟ ليس "ماذا بعد" بالمعنى الشعاراتيِّ "الحرِّيَّة"،
"العدالة الاجتماعيَّة"، بل "ماذا بعد" بالمعنى التقنيِّ
الصارم: من يدير وزارة الداخليَّة في اليوم التالي؟ ماذا يحدث لجيشٍ يملك
إمبراطوريَّةً اقتصاديَّةً تمتدُّ من الإسمنت إلى المياه المعدنيَّة؟ كيف يُعاد
بناء قضاءٍ فقد استقلاله؟ من يحكم سيناء التي تحوَّلت لعقودٍ إلى منطقةٍ عسكريَّةٍ
مغلقة؟
غياب
هذا السؤال لم يكن صدفة. فالإجابة عليه تتطلَّب شيئاً صعباً: التخلِّي عن رفاهيَّة
المعارضة الخطابيَّة، والانتقال إلى عملٍ تقنيٍّ شاقٍّ، تفصيليٍّ، غير مُغرٍ
إعلامياً.
من
الأسهل بكثيرٍ أن تصدر بياناً يدين مجزرة رابعة في ذكراها كلَّ عام، من أن تجلس
لأشهرٍ تكتب ورقةً بحثيَّةً عن آليَّات إصلاح جهاز الشرطة. المؤتمر الوطنيُّ
الأوَّل يحاول، ولو جزئياً، كسر هذا النمط.
ثانياً:
كيف بدأ المؤتمر من الورقة البحثيَّة إلى القاعة
أُعلن
عن المبادرة في 8 من نيسان/أبريل 2026، بصيغةٍ غير معتادة في تاريخ المعارضة
المصريَّة؛ لم تبدأ ببيانٍ سياسيٍّ أو دعوةٍ لتظاهرة، بل بدعوةٍ لتقديم أوراقٍ
بحثيَّة. حُدِّد منتصف حزيران/يونيو 2026 كموعدٍ نهائيٍّ لاستقبال الأبحاث
الكاملة، وأُتيحت المشاركة للكفاءات والخبرات المصريَّة، سواءً بشروطٍ أكاديميَّةٍ
رسميَّة أو بالاعتماد على مصادر مفتوحةٍ ومعرفةٍ ميدانيَّة، مع تخصيص جوائز
ماليَّة لأفضل الأبحاث تشجيعاً على الجدِّيَّة والعمق.
الأبحاث
المطلوبة لم تكن عامَّةً أو إنشائيَّة؛ بل غطَّت ثمانية مجالاتٍ حيويَّة محدَّدة:
النظام السياسيُّ، والاقتصاد، والقضاء، والأجهزة الأمنيَّة، والإعلام، وسيناء، إلى
جانب مجالاتٍ أخرى تمسُّ بنية الدولة العميقة. هذه ليست قائمة شعاراتٍ؛ إنَّها
خريطة كلِّ مؤسَّسةٍ يحتاج أيُّ انتقالٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ أن يعيد صياغة علاقته بها
من الصفر.
بعد
أشهرٍ من جمع هذه الأبحاث وتحليلها، تأتي القاعة في لاهاي كمحطَّةٍ ختاميَّة: ليست
بداية النقاش، بل ثمرة شهورٍ من العمل التحضيريِّ الهادئ، غير المرئي إعلامياً،
الذي جرى بعيداً عن الأضواء بينما كان الجميع يظنُّ أنَّ المعارضة المصريَّة لا
تزال حبيسة دائرة الإدانة نفسها.
ثالثاً:
لماذا لاهاي تحديداً؟
اختيار
لاهاي ليس محض صدفةٍ جغرافيَّة؛ هذه المدينة تحمل رمزيَّةً قانونيَّةً ودوليَّةً
يصعب تجاهلها: هي مقرُّ محكمة العدل الدوليَّة، ومقرُّ المحكمة الجنائيَّة
الدوليَّة، والمدينة التي شهدت كما وثَّقتُ في مقالاتٍ سابقة محاكمة مجرمي حربٍ
ظنُّوا أنفسهم بمنأى عن المساءلة لعقود، من رادوفان كارادزيتش إلى غيره.
عقد
مؤتمرٍ يبحث "اليوم التالي" لحكم العسكر في هذه المدينة تحديداً يحمل
رسالةً مزدوجة: رسالة للداخل المصريِّ بأنَّ العمل بدأ يتجاوز حدود الخطاب إلى
التخطيط الفعليِّ، ورسالة للمجتمع الدوليِّ بأنَّ هذا المشروع يريد أن يُقرأ
بمعايير القانون والمؤسَّسات، لا بمعايير الصراع السياسيِّ التقليديِّ فقط.
وهذا
يتقاطع مباشرةً مع كلِّ ما وثَّقناه في مقالاتٍ سابقة عن آليَّات الاختصاص
القضائيِّ العالميِّ، وعن تجربة سوريا بعد سقوط الأسد، حين تحوَّلت ملفَّاتٌ
ظُنَّت مستحيلةً إلى قضايا فعليَّة أمام محاكم أوروبيَّة. مؤتمرٌ يُعقَد في قلب
النظام القانونيِّ الدوليِّ ليس مجرَّد اختيارٍ لوجستيٍّ؛ إنَّه تموضعٌ
استراتيجيٌّ.
رابعاً:
من يجلس على الطاولة تحالفٌ غير مسبوق
القوَّة
الحقيقيَّة لهذا المؤتمر لا تكمن في مكانه وحده، بل في طبيعة من ينظِّمه. فبدلاً
من أن تقوده جهةٌ واحدة حزبٌ بعينه، أو تيَّارٌ أيديولوجيٌّ واحد، كما جرت العادة
في تاريخ المعارضة المصريَّة الممزَّق، يجتمع تحت مظلَّة المؤتمر تحالفٌ يضمُّ
مؤسَّسة ميدان، ومؤسَّسة جاستيس ماترز، وحزب أمل مصر، وتكنوقراط مصر، إلى جانب
أصواتٍ من جيل "Gen Z" المصريِّ في الخارج.
هذا
التنوُّع ليس تفصيلاً شكلياً؛ إنَّه يعالج تحديداً الداء الذي شلَّ المعارضة
المصريَّة لسنوات: الانقسام الأيديولوجيُّ الذي حوَّل كلَّ تجمُّعٍ معارضٍ إلى
ساحة صراعٍ داخليٍّ على الزعامة والتمثيل بدل التركيز على الجريمة الأصليَّة
والحلِّ العمليِّ. حين يجتمع تكنوقراط إلى جانب ناشطين حقوقيِّين، وجيلٌ شابٌّ لا
ينتمي لأحزاب الماضي إلى جانب مؤسَّساتٍ سياسيَّةٍ تقليديَّة، فإنَّ المؤتمر يحاول
أن يبني شرعيَّته لا على تمثيل تيَّارٍ واحد، بل على تمثيل قاسمٍ مشتركٍ واحد:
ضرورة التخطيط الجادِّ لمرحلة ما بعد العسكر.
خامساً:
خطَّة اليوم التالي: لماذا هذا التوصيف تحديداً؟
لأكن
واضحاً تماماً: هذا المؤتمر لا يكتفي بالحديث عن "إصلاحٍ" مبهمٍ أو
تدريجيٍّ داخل بنية الحكم العسكريِّ القائمة. الهدف المُعلَن، وما يجمع الأوراق
البحثيَّة الثماني التي أُعدَّت على مدى أشهر، هو وضع خطَّة اليوم التالي لرحيل
الحكم العسكريِّ، أي التخطيط الجادُّ لما يجب أن يحدث في اللحظة التي تنتهي فيها
سبعة عقودٍ من احتكار المؤسَّسة العسكريَّة للسلطة.
هذا
تمايزٌ حاسمٌ يستحقُّ التوقُّف عنده. فالفارق بين "الدعوة للإصلاح"
و"التخطيط لليوم التالي" ليس فارقاً لغوياً، بل فارقٌ في جوهر المشروع
نفسه: الإصلاح يفترض أنَّ البنية الحاكمة قد تتغيَّر تدريجياً من الداخل؛ أمَّا
التخطيط لليوم التالي فيفترض أنَّ هذه البنية سترحل عاجلاً أو آجلاً، بفعل انهيارٍ
داخليٍّ أو ضغطٍ شعبيٍّ أو تحوُّلٍ جيوسياسيٍّ كالذي شهدناه في تجارب أخرى، وأنَّ
المهمَّة الأهمَّ الآن هي ألَّا يجد المصريُّون أنفسهم، في تلك اللحظة، بلا خطَّةٍ
جاهزة، كما حدث في تجارب انتقاليَّةٍ عربيَّةٍ أخرى انتهت بفوضى أو بعودة
الاستبداد بثوبٍ جديد. لا تنتظر اللحظة لتبدأ التخطيط؛ ابدأ التخطيط
الآن، حتَّى تكون جاهزاً حين تأتي اللحظة.
الفارق بين "الدعوة للإصلاح" و"التخطيط لليوم التالي" ليس فارقاً لغوياً، بل فارقٌ في جوهر المشروع نفسه: الإصلاح يفترض أنَّ البنية الحاكمة قد تتغيَّر تدريجياً من الداخل؛ أمَّا التخطيط لليوم التالي فيفترض أنَّ هذه البنية سترحل عاجلاً أو آجلاً
هذا
هو الدرس الذي يجب أن نستخلصه من فشل يناير 2011: الثورة استطاعت أن تُسقط رأس
النظام، لكنَّها لم تكن تملك خطَّةً جاهزةً لإدارة الدولة في اليوم التالي، فامتلأ
الفراغ بمن كان جاهزاً فعلياً المؤسَّسة العسكريَّة نفسها. المؤتمر الوطنيُّ
الأوَّل يحاول أن يتعلَّم من هذا الدرس بالتحديد.
سادساً:
هل هذه مجرَّد كلماتٍ جديدة على مؤتمرٍ قديم؟
هذا
السؤال مشروعٌ تماماً، ويستحقُّ إجابةً صادقة لا دفاعيَّة. فقد شهدت المعارضة
المصريَّة في المنفى عشرات المؤتمرات على مدى ثلاثة عشر عاماً، أغلبها انتهى
ببيانٍ ختاميٍّ، وصورةٍ جماعيَّة، وصمتٍ طويلٍ بعدها.
الفارق
الذي يحاول هذا المؤتمر تأكيده يكمن في ثلاثة عناصر:
أوَّلاً:
الأساس البحثيُّ المسبق: ثمانية مجالاتٍ دُرست لأشهرٍ قبل أن يجلس أحدٌ في قاعة،
لا نقاشٌ ارتجاليٌّ في يومٍ واحد.
ثانياً:
التنوُّع المؤسَّسيُّ الذي يتجاوز منطق الحزب الواحد أو التيَّار الواحد الذي أنتج
انقساماتٍ متكرِّرة في كلِّ محاولةٍ سابقة.
ثالثاً:
ربط المشروع بمكانٍ يحمل ثقلاً قانونياً دولياً، لا مجرَّد فندقٍ في عاصمةٍ
أوروبيَّة.
هل
يكفي هذا لضمان النجاح؟ بالطبع لا. النجاح الحقيقيُّ لن يُقاس بيوم 16 أيلول/ سبتمبر
نفسه، بل بما يحدث بعده: هل تتحوَّل هذه الأبحاث الثمانية إلى وثيقةٍ سياسيَّةٍ
متماسكة؟
هل
يستمرُّ التحالف الذي جمع هذه المؤسَّسات المتنوِّعة، أم ينهار كما انهارت
تحالفاتٌ سابقة عند أوَّل خلافٍ حول من يمثِّل من؟ هذه أسئلةٌ لا يملك أحدٌ
إجابتها اليوم، بمن فيهم منظِّمو المؤتمر أنفسهم.
سابعاً:
لماذا أشارك رغم كلِّ هذا الشكِّ؟
كتبتُ
في مقالاتٍ سابقة عن جيلٍ مصريٍّ فقد ثقته في الأداء التقليديِّ لمن يصفون أنفسهم
بالمعارضة، وعن قناعةٍ متزايدةٍ بأنَّ الاعتماد على الذات هو المسار الوحيد
المتبقِّي. لم أكن أتحدَّث حينها عن نظريَّةٍ مجرَّدة؛ كنتُ أصف، دون أن أُسمِّيها
بعد، الحالة التي أعيشها الآن كمشاركٍ في هذا المؤتمر تحديداً.
أشارك
لأنِّي أرى فيه، رغم كلِّ هشاشته المحتملة، أوَّل محاولةٍ جادَّةٍ تنقل السؤال من
"متى سيرحل العسكر؟"، وهو سؤالٌ لا يملك أحدٌ إجابته إلى "ماذا
سنفعل حين يرحلون؟"، وهو سؤالٌ نملك، لأوَّل مرَّة، بداية إجابةٍ عليه،
موثَّقةً في ثمانية أبحاثٍ جاهزة.
هذا
لا يعني أنِّي أطلب من القارئ ثقةً عمياء، أطلب منه فقط أن يراقب: ماذا سيصدر عن
هذا المؤتمر فعلياً؟ هل ستُنشَر الأبحاث الثمانية للعلن، قابلةً للنقد والتفنيد؟
هل سيستمرُّ هذا التحالف بعد يوم 16 أيلول/سبتمبر، أم يتبخَّر كسابقيه؟
خاتمة:
اختبارٌ لم يبدأ بعد
المؤتمر
الوطنيُّ الأوَّل ليس ثورة، وليس إعلان دولةٍ بديلة، وليس حتَّى ضماناً لأيِّ
نتيجةٍ ملموسة. إنَّه محاولةٌ بشرِّيَّة، ناقصة، معرَّضةٌ للفشل كما تعرَّضت كلُّ
المحاولات السابقة لسدِّ فجوةٍ ظلَّت مفتوحةً منذ سبعة عقود: فجوة التخطيط لما بعد
الاستبداد، لا الاكتفاء بإدانته.
تستحق
7 عقودٍ من حكم العسكر أكثر من بيانٍ آخر يُقرأ في مؤتمرٍ صحفيٍّ ثمَّ يُنسى؛
تستحقُّ خطَّةً، حتَّى لو كانت أوَّل مسوَّدةٍ منها ناقصة. في السادس عشر من أيلول/سبتمبر،
سنكتشف سوياً، أنا كمشاركٍ وأنتم كقرَّاء، ما إذا كان هذا المؤتمر بداية شيءٍ
حقيقيٍّ، أم مجرَّد فصلٍ إضافيٍّ في تاريخٍ طويلٍ من المحاولات التي لم تكتمل.
الوطن
الذي سُرق منذ أكثر من 7 عقودٍ لا يُستعاد بالحنين، ولا بالخطابة؛ يُستعاد بخطَّةٍ. وهذا المؤتمر رهانٌ محفوفٌ بالشكِّ، لكنَّه رهانٌ على الأقلِّ يحاول أن
يُجيب على السؤال الذي هرب منه المؤتمر70 سنة: ماذا بعد؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.