مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (47)

علي شيخون
"تنتقل الطاقة المتجددة من موقعها كملف قائم بذاته إلى موقعها الحقيقي كأرضية تقوم عليها سائر ملفات النهضة"- الأناضول
"تنتقل الطاقة المتجددة من موقعها كملف قائم بذاته إلى موقعها الحقيقي كأرضية تقوم عليها سائر ملفات النهضة"- الأناضول
شارك الخبر
47- الطاقة المتجددة واقتصاديات المستقبل

استكمالا لاستراتيجيات التمكين من الطاقة المتجددة:

- ربط الطاقة النظيفة بالقطاعات الإنتاجية: لا تكتمل قيمة الطاقة النظيفة بمقدار ما تُصدَّر إنما بمقدار ما تتسرب إلى شرايين الاقتصاد الوطني فتُحرّك مصانعه وتُروي أرضه وتُحلّي مياهه. ففي الصناعة تمنح الكهرباء الرخيصة النظيفة المصانع كثيفة الاستهلاك كالحديد والألومنيوم والأسمدة ميزة تنافسية تخفض تكلفة الإنتاج وتفتح أمام صادراتها أسواقا كانت بعيدة المنال. وفي الزراعة تُشغّل ألواح الشمس مضخات الري في الصحراء وتحوّل الأراضي القاحلة إلى حقول خضراء. وفي ملف المياه تُغذّي الطاقة النظيفة محطات تحلية مياه البحر بتكلفة معقولة فيتعانق أمن الطاقة مع أمن الغذاء والماء. وفي النقل تتحول موانئ مصر ومحاورها اللوجستية إلى ممرات تعمل بالكهرباء النظيفة والهيدروجين. وتستلزم هذه الاستراتيجية تسعيرا ذكيا يمنح القطاعات الإنتاجية نصيبا عادلا من وفرة الطاقة ومناطق صناعية وزراعية مخصصة تُبنى قرب محطات التوليد فتقلل الفاقد وتعظم الأثر الاقتصادي لكل كيلوواط. وبهذا الربط تنتقل الطاقة المتجددة من موقعها كملف قائم بذاته إلى موقعها الحقيقي كأرضية تقوم عليها سائر ملفات النهضة.

- التصنيع والتوطين التقني: استيراد الألواح الشمسية والتوربينات جاهزة الصنع يُبقي مصر مستهلكة لتقنية غيرها مهما بلغت شمسها ورياحها من وفرة؛ فالثروة الحقيقية لا تكمن في تركيب المعدات فحسب إنما في امتلاك القدرة على صناعتها، وتبدأ الاستراتيجية بمصانع تُنتج مكونات الألواح الشمسية على أرض مصرية، تليها خطوط تصنيع لشفرات وأبراج توربينات الرياح تستثمر خبرة صناعة الحديد والصلب المتراكمة في الوادي منذ عقود، وتمتد سلسلة القيمة إلى صناعات مغذية دقيقة مثل كابلات وبطاريات ومحولات ومنظومات تحكم ذكية، تُبنى حولها شركات صغيرة ومتوسطة فتتحول منطقة قناة السويس الاقتصادية من ممر شحن عابر إلى قاعدة صناعية تصدّر معدات الطاقة كما تصدّر عبورها البحري. ويحمل هذا التوطين نقل معرفة لا مجرد نقل مصانع؛ فكل خط إنتاج جديد يفتح بابا لتدريب مهندسين وفنيين مصريين، ويؤسس شراكات بحثية مع كبرى الشركات العالمية تُراكم للبلاد خبرة هندسية تبقى بعد رحيل أي مستثمر أجنبي. وبهذا لا تكتفي مصر بامتلاك الشمس والريح إنما تمتلك أيضا القدرة على تحويلهما إلى معدات وتقنيات تحمل توقيعها الصناعي.

بهذا البناء تضمن مصر أن تبقى معرفة الطاقة النظيفة إرثا متراكما لا يرحل برحيل خبير أجنبي، ليكون العقل المصري شريكا في صناعة المستقبل لا مجرد مستهلك لتقنياته

- التمويل الإسلامي المبتكر: تحتاج محطات الطاقة النظيفة تمويلا ضخما، وهنا يجد التمويل الإسلامي أرضا خصبة تتلاقى فيها أصالة الصيغة الشرعية مع حداثة المشروع؛ فمحطة الطاقة أصل منتج ملموس يدرّ عائدا حقيقيا، وهذا بعينه ما تقوم عليه فلسفة التمويل الإسلامي القائم على المشاركة في الأصل لا على إقراض المال بفائدة. فالصكوك الخضراء تفتح الباب أمام رؤوس أموال الخليج وماليزيا وجنوب شرق آسيا للمشاركة في تمويل حقول الشمس ومزارع الرياح المصرية، إذ يملك حامل الصك حصة في أصل المحطة وعائدها الفعلي لا دَينا مضمونا بفائدة ثابتة، فيتحول التمويل من علاقة دائن ومدين إلى شراكة في الإنتاج والربح والمخاطرة معا. وإلى جانب الصكوك يُفتح باب الوقف الاستثماري الأخضر الذي يمول محطات صغيرة تُضيء المساجد والمدارس والمستشفيات، وصناديق المشاركة والمضاربة عبر منصات تمويل جماعي متوافقة مع الشريعة تتيح للمستثمر الصغير امتلاك حصة في محطة كبرى، فيشارك المواطن العادي بمدخراته الصغيرة كما يشارك كبار الملاك برؤوس أموالهم الضخمة. وبهذا التمويل تكتب مصر نموذجا يثبت أن أدوات التمويل الإسلامي ليست بديلا محليا فحسب إنما قوة جذب عالمية لرؤوس الأموال الباحثة عن استثمار عادل ومستدام.

- الشبكات الذكية وتخزين الطاقة: تهب الرياح حين يشاء الله تعالى وتغيب الشمس حين يحل الليل، وبين وفرة النهار وسكون الليل يكمن التحدي الأكبر أمام كل اقتصاد يراهن على الطاقة المتجددة. هنا تصبح منظومات التخزين الشريان الذي يصل بين لحظة الإنتاج ولحظة الاستهلاك، فتحوّل فائض الظهيرة المشمسة إلى إضاءة لسهرة مسائية، وعصف الرياح الليلي إلى طاقة تُشغّل مصنعا في صباح هادئ الطقس. وتتعدد صور هذا التخزين بين بطاريات كبرى تُلحق بالمحطات لتراكم الفائض وتطلقه عند الحاجة، ومحطات ضخ مائي تخزن الطاقة على هيئة مياه مرفوعة تولّد الكهرباء عند الطلب، وتقنيات ناشئة كالهيدروجين المخزَّن الذي يحمل طاقة الصيف ليطلقها في الشتاء. وفوق هذه الأصول تُبنى شبكة رقمية ذكية تراقب كل كيلووات من لحظة توليده حتى لحظة استهلاكه، وتتنبأ بالطلب قبل حدوثه، وتوازن بين المصادر باستخدام الذكاء الاصطناعي حارسا على توازن العرض والطلب. وبهذه الاستراتيجية يثق المستثمر في استمرارية الإمداد، ويطمئن المواطن إلى ديمومة الإضاءة.

- بناء الكوادر البشرية والبحث العلمي: لا تُدار محطات الشمس والريح بالمعدات وحدها إنما بعقول تفهم أسرارها وتطوّر أداءها؛ فوراء كل توربين يدور وكل لوح يلتقط الضوء يقف مهندس درس وباحث جرّب وفني أتقن، وهؤلاء جميعا هم الثروة الحقيقية التي لا تنضب ولا تُستورد. تبدأ هذه الرؤية بكليات هندسة تُحدّث مناهجها لتواكب علوم الطاقة المتجددة، ومعاهد تقنية تُخرّج فنيين قادرين على تركيب المعدات وصيانتها بأيدٍ وطنية، ومراكز بحثية تُشرك الجامعات المصرية مع كبرى المؤسسات العالمية في تطوير خلايا شمسية أكثر كفاءة وتوربينات أقل تكلفة، وبرامج ابتعاث وتبادل معرفي تعيد أبناء مصر من أعرق الجامعات حاملين علما يُغرس في أرضهم. وتحتضن حاضنات الأعمال والمسرّعات التقنية جيلا من الشباب المصري يحوّل شغفه بالطاقة النظيفة إلى شركات ناشئة تبتكر حلولا محلية، تطبيقات لإدارة استهلاك الطاقة في المنازل، وحلول تخزين مصغّرة للقرى النائية، وبراءات اختراع تحمل توقيعا مصريا. وبهذا البناء تضمن مصر أن تبقى معرفة الطاقة النظيفة إرثا متراكما لا يرحل برحيل خبير أجنبي، ليكون العقل المصري شريكا في صناعة المستقبل لا مجرد مستهلك لتقنياته.

- الحوكمة والتشريع الداعم للاستثمار الأخضر: مهما بلغت وفرة الشمس وقوة الريح، تبقى رهينة القانون الذي يحكم استثمارها؛ فالمستثمر الذي يضع رأسماله في محطة تُبنى على مدى عشرين عاما يبحث أولا عن يقين القاعدة قبل يقين الشمس. تقوم هذه الاستراتيجية على تشريع واضح يحدد حقوق المستثمر وواجباته من اللحظة الأولى، وإجراءات ترخيص مبسّطة تختصر رحلة المشروع من الفكرة إلى التشغيل، وهيئة تنظيمية مستقلة تفصل بين دور الدولة المُنظِّم ودورها المُنافِس في السوق، وتنسيق محكم بين الوزارات والهيئات المعنية بالطاقة والاستثمار والبيئة بحيث تتحدث بلسان واحد أمام المستثمر. ويحمل هذا الملف بُعدا يتجاوز الكفاءة الإدارية إلى الأمانة بمعناها الأشمل؛ فمن استُخلف على تدبير شؤون الرعية مسؤول عن عدله في توزيع الموارد وشفافية قراراته، وكل ثغرة في الحوكمة أو التشريع تفتح بابا لتبديد نعمة استُؤمنت عليها الدولة. وحين تُصان هذه الأمانة بقوانين عادلة ورقابة صارمة تتحول ثقة المستثمر إلى ثقة راسخة لا تتزعزع بتغير الأشخاص أو الظروف، وتكتسب استراتيجيات الطاقة النظيفة كلها حصانة تحميها من التعثر.

- ترشيد الاستهلاك وبناء ثقافة مجتمعية رشيدة للطاقة: قد تُنتج الأرض شمسا لا تنضب ورياحا لا تهدأ، لكن يد الإنسان قادرة على تبديد أعظم النِعم إن غاب عنها الوعي بقيمتها؛ فالطاقة النظيفة مهما بلغت وفرتها تظل أمانة يُحاسب عليها المستهلك كما يُحاسب عليها المنتج، وهنا يعود المقصد الشرعي الذي أُسِّس له في مطلع المقال –"وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"- ليتحول من مبدأ يُتلى إلى سلوك يُمارَس. تبدأ هذه الثقافة من المدرسة حيث يتعلم الطفل أن إطفاء مصباح لا حاجة إليه عبادة صغيرة قبل أن تكون توفيرا اقتصاديا، وتمتد إلى المسجد الذي يستطيع أن يكون نموذجا عمليا للكفاءة الطاقوية بألواحه الشمسية وإنارته الرشيدة، وتُعزَّز بعدادات ذكية وتطبيقات رقمية تُطلع كل أسرة على استهلاكها لحظة بلحظة. وتحمل المؤسسات نصيبها عبر معايير كفاءة إلزامية للمباني الجديدة، وحوافز تشجع المصانع على ترشيد استهلاكها قبل أن تُلزمها القوانين بذلك، فيتحول الترشيد من عبء تنظيمي إلى ميزة تنافسية تخفض التكلفة وتحسّن السمعة معا.

- التكامل العربي الإسلامي لأسواق الطاقة النظيفة: لم يكن موقع مصر يوما حدودا تفصل إنما كان دوما جسرا يصل أفريقيا بآسيا والمشرق بالمغرب عبر قناتها الخالدة، واليوم تستدعي الطاقة النظيفة هذا الدور التاريخي نفسه فتتحول خطوط الكهرباء العابرة للحدود إلى قوافل جديدة تحمل النور بدل البضائع. فمن الجنوب تمتد كابلات الربط الكهربائي نحو عمق أفريقيا لتحمل فائض الطاقة المصرية إلى شبكات مجاورة متعطشة للكهرباء النظيفة. ومن الشرق يتعمق الربط مع دول الخليج ليُنسج نسيج طاقة عربي موحد تتبادل فيه الدول فوائض إنتاجها. ومن الشمال، تمتد كوابل بحرية تحت مياه المتوسط لتصل حقول الشمس المصرية بأسواق أوروبا الظمأى للطاقة النظيفة فتُصدَّر الكهرباء كما تُصدَّر السلعة. ويستلزم هذا التكامل توحيد المعايير الفنية بين الشبكات، واتفاقيات تجارة طاقة عادلة تحفظ لكل طرف حقه، ومنصات إقليمية تنسّق بين الدول المتشاركة، فيتحول التبادل الطاقوي من علاقات ثنائية متفرقة إلى منظومة إقليمية متماسكة تعزز الاستقرار السياسي كما تعزز الاستقرار الاقتصادي. وبهذا التكامل تستعيد مصر دورها التاريخي كصلة وصل بين القارات لتكتمل به آخر حلقات الركيزة التي تحمل نهضة مصر الاقتصادية نحو مصاف العشر الكبار.

التحديات
التزامات بعض الاقتصادات الكبرى تجاه تمويل التحول الأخضر بتغيّر حكوماتها وأولوياتها السياسية، ويُصعّب ذلك التخطيط طويل المدى لمشروعات تعتمد على استثمار أجنبي وشراكات دولية مستمرة. وهذا يُدار بتنويع مصادر التمويل بين الشرق والغرب، والتوسع في أدوات التمويل الإسلامي

استثمار هبة الله لمصر من مورد الطاقة المتجددة تقابلها عقبات وتحديات تحتاج وعي ودراسة، وأهما ما يلي:

- نقص الماء: حيث إن إنتاج طن الهيدروجين الأخضر الواحد يستهلك كميات كبيرة من المياه عبر التحليل الكهربائي، ومصر من أفقر دول العالم في نصيب الفرد من المياه، فيهدد هذا التوسع بمنافسة الزراعة والشرب على موردٍ شحيح أصلا. يمكن تجاوز هذا التحدي بربط كل مصنع هيدروجين بمحطة تحلية مياه بحر مخصصة تعمل بالطاقة النظيفة ذاتها، دون مساس بحصة المياه العذبة القائمة.

- تعارض استخدام الأراضي الصحراوية مع البيئة والمجتمعات المحلية: تحتاج المحطات الكبرى مساحات شاسعة قد تتقاطع مع ممرات هجرة الطيور أو أراضي رعي بدوية تقليدية، والتوسع العشوائي فيها يُنتج نزاعات مجتمعية ويعرّض المشروعات لضغوط بيئية دولية تُعطّل التمويل والتراخيص. يمكن تجاوز هذا التحدي عبر دراسات أثر بيئي واجتماعي مسبقة لكل موقع، وإشراك المجتمعات المحلية في التعويض وملكية جزئية للمشروعات القريبة منها.

- تقلبات المناخ الصحراوي وأثرها التقني: حيث إن تراكم الغبار على الألواح الشمسية يخفّض كفاءتها، وتغيّر أنماط الرياح الموسمية يربك التخطيط الإنتاجي، وهذا يهدد دقة التوقعات والعائد الاقتصادي المرجو من كل محطة. يمكن تجاوز هذا التحدي بتقنيات تنظيف ذاتي للألواح، ونماذج تنبؤ مناخي محلية دقيقة تُدرج ضمن تصميم المحطات من البداية.

- معايير الاعتماد الدولية لتصنيف الهيدروجين: حيث تشترط أسواق التصدير الكبرى معايير صارمة لإثبات أن الهيدروجين "إضافي" فعلا ومصدره متجدد خالص، وعدم الالتزام المبكر بها يُقصي المنتج المصري من أهم أسواقه المستهدفة. يمكن تجاوز هذا التحدي بمواءمة مبكرة للمعايير الوطنية مع اللوائح الدولية، وهيئة اعتماد وطنية معترف بها عالميا.

- الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس: حيث يقوم المنطق التصديري للهيدروجين على عبور آمن ومستمر عبر قناة السويس نحو أوروبا وآسيا، وأي اضطراب أمني في البحر الأحمر يُعطّل خطوط الشحن ويرفع تكاليف التأمين ويُضعف ثقة المستثمر. وهذا يُدار بتنويع مسارات وموانئ التصدير البديلة، وتعزيز التنسيق الأمني الإقليمي لحماية الممرات الحيوية.

- تراجع الزخم العالمي لتمويل المناخ وتقلب أولويات الدول الكبرى تتغير: التزامات بعض الاقتصادات الكبرى تجاه تمويل التحول الأخضر بتغيّر حكوماتها وأولوياتها السياسية، ويُصعّب ذلك التخطيط طويل المدى لمشروعات تعتمد على استثمار أجنبي وشراكات دولية مستمرة. وهذا يُدار بتنويع مصادر التمويل بين الشرق والغرب، والتوسع في أدوات التمويل الإسلامي الذاتية التي لا ترتهن لأولويات سياسية متغيرة.

وفي الختام، فإن التحديات المصاحبة لهذا المسار هي شرط لواقعيتها؛ فالرؤية الرصينة هي التي تكشف عوائقها بقدر ما تعد بتجاوزها، وحين تُدار هذه الملفات كلها بمنطق واحد يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والأمانة الشرعية في التصرف بالموارد، تتحول شمس مصر ورياحها من موارد طبيعية إلى رافعة اقتصادية حقيقية تسهم في نقل البلاد خطوة أخرى نحو مصاف الاقتصادات العشرة الكبرى عالميا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)