هندسة الوعي (34): استراتيجية التلاعب الإحصائي.. مصر وصندوق النقد

مصطفى خضري
"نشوء واقع افتراضي يضع المواطن في حيرة دائمة بين ما يلمسه بيديه وما يتردد على أذنه"- عربي21
"نشوء واقع افتراضي يضع المواطن في حيرة دائمة بين ما يلمسه بيديه وما يتردد على أذنه"- عربي21
شارك الخبر
في عام 2016 وقّعت مصر اتفاقاً للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة اثني عشر مليار دولار، وحينها خرج المسؤولون ليؤكدوا أن الاقتصاد يخطو أولى خطوات الإصلاح. وفي العام نفسه قفز سعر الدولار من ثمانية جنيهات إلى ثمانية عشر جنيهاً في يوم واحد، وتضاعفت أسعار السلع الأساسية، وانكمشت القدرة المالية لملايين المصريين بصورة لم يمر بها جيل كامل. غير أن البيان الرسمي ظل يتحدث عن النمو والنجاح وتجاوز الأزمة.

رقمان في ورقة واحدة يصفان واقعين مختلفين تماماً، وهذه الفجوة بين الرقم والواقع هي موضوع هذا المقال.

استراتيجية التلاعب الإحصائي هي الرابعة في سلسلة هندسة الوعي التي نتابعها. وفكرتها البسيطة تتلخص في توظيف الأرقام والبيانات لإسباغ شرعية على وضع غير طبيعي ليراه الناس أمراً واقعاً وسائغاً؛ فيُقدَّم الفقر المتزايد باعتباره ثمن التكيف الواجب، وتُعرَض الديون المتراكمة بصفتها استثماراً لغد أفضل، ويُسمّى النزيف المالي إصلاحاً هيكلياً. وإذا كانت استراتيجية المصطلحات تستخدم الكلمة، فإن التلاعب الإحصائي يتسلح بالرقم، والرقم أكثر قدرة على خداع العقل، لأنه يرتدي مسوح النزاهة والموضوعية، فيُحيّد الشك التلقائي لدى المواطن.

ولعل أقدم المعالم المعرفية في تحذير الوعي من الانهماك في الرقم المجرد على حساب الواقع تتجلى في القصة القرآنية لأصحاب الكهف؛ حين شغل الناس أنفسهم بالخوض في عددهم والتعامل مع القضية عبر جداول حسابات صماء، فقال تعالى: "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ". لقد أظهر النص القرآني كيف يتحول الشغف بالأرقام والإحصاء إلى رجم بالغيب وضباب يُغشي العقول؛ حيث تحول الفتية وقضيتهم الإنسانية والأخلاقية الكبرى في مواجهة الكفر بالله والظلم؛ إلى مجرد سجال حسابي حول العدد.

الخطورة في هذا المسار أنه يضغط على الوعي من جهتين؛ فهو من جهة يبعث برسائل طمأنة للدوائر الخارجية والمؤسسات الدولية بأن الخطط تتقدم، ومن جهة أخرى يزرع في نفس المواطن -الذي تلاحقه الأرقام الرسمية- أن الضائقة التي يمر بها ليست بسبب خلل في السياسات، بل لقصور في قدرته على الصبر والتكيف

ثم جاء التوجيه الإلهي لحسم هذا التشتيت الإحصائي برد العلم لله أولاً، فقال تعالى: "قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ"، وبمنع الاستغراق في السجال الرقمي الذي لا ينفع، فقال تعالى: "فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً". إنه تنبيه مبكر إلى أن إغراق الوعي في التفاصيل الرقمية وشغله بإحصاء العدد قد يكون وسيلة للتعمية عن الأهم: الحقيقة الإنسانية والجوهر الأخلاقي للواقع.

وللتلاعب الإحصائي تاريخ في الفكر الاقتصادي يسبق استخدامه في السياسة. كان عالم الإحصاء البريطاني داريل هاف قد أصدر عام 1954 كتابه الشهير "كيف تكذب بالإحصاء"، محذراً مما رآه يتكرر في صحافة عصره وسياساته؛ وهو أن الرقم الموثق قد يتحول إلى أداة تضليل حين يُنتزع من سياقه، أو يُنتقى بعناية دون غيره، أو يُقاس بمقياس صُمم ليخدم جهة بعينها.

رقم النمو قد يكون صحيحاً في ذاته، لكنه حين يصمت عن كيفية توزيع هذا النمو بين الطبقات يتحول إلى طمس للحقيقة. والمتوسط الحسابي لدخل مجموعة تضم مليارديراً وعشرة فقراء يعطيك رقماً مريحاً على الورق، لكنه لا يعبر عن حياة أي شخص في هذه المجموعة.

وقد غاص عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي في كتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" إلى عمق أكبر، حين أثبت أن مؤشرات النمو الشامل تستر تفاوتاً طبقياً يزداد سوءاً؛ فاقتصاد ينمو بنسبة 3 في المئة قد يعني عملياً أن الأثرياء زادت ثروتهم بنسبة عشرة في المئة، بينما ازداد الفقراء فقراً. الرقم التجميعي يرسم لوحة لا وجود لها في الحياة اليومية للناس، بينما يعيش المواطن تفاصيل مشكلته التي تضيع وسط الحسابات المركبة. وهذا تحديداً ما يفعله صندوق النقد حين يتغنّى بنمو الناتج المحلي، ويتجاهل من أين جاء ومن استفاد منه.

وقد لاحظ عالم الاجتماع ماكس فيبر في تحليله للبيروقراطية: أن المؤسسات تظاهر دوماً باستخراج أرقام تدل على توفيقها في مهامها، لأن الموظف القائم على الأمر يُقيَّم بهذه الأرقام وحدها. وحين يُطلب من مسؤول حكومي تحقيق مؤشر معين للنمو، فإنه سيلجأ طائعاً إلى مسطرة القياس التي تمنحه الرقم الأفضل، لا التي تعكس واقع الناس بدقة. وفي الغالب لا يكون هذا كذباً فادحاً، بل انتقاءً واعياً لما يُحسب وكيف يُحسب، وهذا الانتقاء كفيل بتحويل الرقم من أداة لشرح الواقع إلى وسائل لإقناع الجماهير بخلافه.

ولم تنشأ هذه الممارسة مع تجربة مصر مع صندوق النقد، بل لها جذور قديمة في تاريخ السيطرة. ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الإدارة الاستعمارية البريطانية تنشر تقارير دورية تفيض بالأرقام عن رخاء الهند تحت راية التاج، وكانت الأرقام صحيحة من مصدرها لكنها خبيثة في اختيارها؛ تُبرز نمو حركة التجارة مع لندن وتغض الطرف عن نهب الثروات، وتفتخر بتمدد خطوط السكك الحديدية وتنسى أنها أُقيمت لنقل جيوش المحتل وبضائعه، وتتباهى بتراجع بعض الأمراض بينما تسكت عن مجاعات أكلت الأخضر واليابس. والمجاعة الكبرى في الهند عام 1943، التي أودت بحياة الملايين، وقعت في بلد كانت سلطاته تُصدّر الغذاء إلى بريطانيا؛ الحسابات الورقية تنطق بالصادرات والنمو، والناس على الأرض يموتون جوعاً.

وفي الاتحاد السوفييتي، قدم جوزيف ستالين نموذجاً آخر لا يختلف في جوهره؛ إذ كانت أرقام الإنتاج الصناعي تتصاعد في الخطابات الرسمية بينما يعاني المواطنون من عجز طاحن في أبسط السلع. وتبيّن للاقتصاديين بعد ذلك أن المصانع كانت تحرص على تطبيق الأرقام المطلوبة منها بغض النظر عن النفع العام؛ فتنتج مسامير ضخمة وشديدة الثقل؛ إذا كانت خطة الإنتاج تُقاس بالوزن، أو تنتج مسامير متناهية الصغر؛ حين يُحسب الإنجاز بالعدد. فالرقم يسود على حساب الواقع، والواقع يُشوّه ليرضي الرقم.

وفي تشيلي بعد انقلاب 1973، اعتمد خبراء مدرسة شيكاغو قراراتهم الاقتصادية، وسجلت المؤشرات العامة تحسناً لافتاً، في الوقت الذي تضاعفت فيه نسب الفقر وتآكلت الطبقة الوسطى. وقد سيق الرقم كحجة جازمة لتجميل الواقع والتغطية على الفقر.

وحين اتجهت مصر إلى صندوق النقد الدولي، لم تكن هذه خطواتها الأولى في هذا الطريق؛ فقد عاشت التجربة نفسها في التسعينيات تحت عنوان برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي. والسيناريو يتكرر في الحالتين: بيانات براقة على الورق، واضطراب معيشي في البيوت.

ففي اتفاق 2016، وعندما خُفضت قيمة الجنيه واستُوفيت شروط الصندوق، خرجت الحكومة تتغنى بنمو الناتج المحلي الذي تجاوز 5 في المئة. لكن ما خفي خلف هذا الرقم كان أكبر؛ فهل نما الاقتصاد في ميادين الإنتاج الحقيقي؟ الواقع أن أكثر هذا النمو جاء من قطاعات العقارات والمقاولات الحكومية المعتمدة على القروض، لا من مصانع تُنتج أو مزارع تُصدر. وفي الوقت ذاته، كانت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تكشف عن ارتفاع نسبة الفقر من 27 في المئة إلى 32 في المئة، مع انحسار الطبقة الوسطى وغلاء الأسعار على نحو غير مسبوق. ولم يقف الأمر عند اختيار المادة المقاسة، بل تعداه إلى طريقة الحساب ذاتها. فمعدل التضخم الذي يُعلن رسمياً يُحسب بناءً على قائمة سلع لا تطابق ما تشتريها الأسرة البسيطة في واقعها؛ إذ إن السلع الأساسية من طعام وغذاء يلتهم الجزء الأكبر من دخل الفقراء ترتفع بأسعار تسبق بكثير الرقم العام المعلن للتضخم. الرقم يحمل سنداً منهجياً رسمياً، لكنه صيغ بحيث يتجاهل المعاناة الفعلية للناس.

ويتكرر الأمر نفسه في التعامل مع قضية الديون، فحديث المسؤولين عن تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي -وهو رقم قد يصادف الصحة في موضع ما- يتجاهل أن أقساط الديون وفوائدها تلتهم وحدها ما يقارب 80 في المئة من إيرادات الدولة. وهذا النزيف لا يظهر في نسب الدين الشاملة، لكنه ينكشف جلياً في الموازنة العامة حين ترى نصيب الصحة والتعليم ضئيلاً للغاية إذا ما قورن بأموال خدمة الدين.

ولعل أكثر ما يكشف آلية التلاعب الإحصائي في المشهد المصري هو ملف الاحتياطي النقدي. فعندما ارتفع الاحتياطي إلى ما يزيد عن خمسين مليار دولار في بعض الفترات، احتفت به الجهات الرسمية كدليل على التعافي، لكن البيان الرسمي أهمل الإشارة إلى أن هذا الاحتياطي تشكّل في أغلبه من قروض جديدة لا من موارد ذاتية مستدامة. وقياس قوة الاقتصاد باحتياطي قام على القروض يشبه قياس صحة رجل بزيادة وزنه بعد تناول وجبة دسمة قبل الفحص مباشرة.

ونرى هذه الاستراتيجية كصورة حية حين ننتقل من ألاعيب القياس إلى حيل التسعير الافتراضي في ملف الدعم، وتحديداً في أرقام دعم المواد البترولية التي تعلنها الحكومة كعبء ثقيل يلتهم الموازنة. فالحقيقة التي تحجبها البيانات الرسمية هي أن قطاعاً واسعاً من المواد البترولية المستخدمة في السوق المحلي هو إنتاج مصري خالص تُستخرج خاماته من الأراضي والمياه المصرية بكلفة إنتاج فعلية محددة. غير أن المنظومة المالية الرسمية تلجأ إلى لعبة قانونية وإحصائية محكمة ابتكرها -كما صرح رئيس الوزراء الأسبق الدكتور كمال الجنزوري- وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي؛ إذ تقوم بتسعير هذا النفط والغاز المحلي الموجه للمواطنين بالأسعار العالمية للدولار والبرميل، ثم تحسب الفارق بين كلفة الشراء الدفتريّة هذه وسعر البيع النهائي للمواطن، وتُدرجه في الموازنة العامة تحت مسمى دعم!

إنها عملية خلق رقمي لدعم وهمي لا وجود له في التدفقات المالية الحقيقية للدولة؛ حيث يتحول الحيز الجغرافي والسيادي للبلاد إلى مجرد مشتري دولي غريب عن أرضه. وبتمرير هذا الرقم إلى وسائل الإعلام، يُزرع في وعي المواطن إحساس دائم بالمديونية والامتنان أمام السلطة، ويُصوّر دعم الوقود كأنه منّة تُقتطع من قوت الدولة، بينما المحاسبة الحقيقية القائمة على كلفة الاستخراج والتكرير الفعلية تكشف أن الرقم المعلن ليس إلا وهْماً حسابياً صُمم لإسباغ الشرعية على الزيادات المتتالية في الأسعار.

ولا يقف تلفيق أرقام الدعم عند حيل التسعير الافتراضي، بل يمتد إلى أساس الموازنة العامة نفسها؛ حيث تُقدَّم نسبة الدعم إلى إجمالي الإنفاق الحكومي في أرقام ضخمة ومصنوعة، نتيجة تعمد اقتطاع أجزاء واسعة من الاقتصاد القومي وإبقائها خارج الموازنة الرسمية. فالحديث عن ضخامة فاتورة الدعم يُبنى على مقارنة الدعم بموازنة مُفرغة من مواردها الحقيقية؛ في ظل وجود آلاف الصناديق الحسابية الخاصة التي تُدار بعيداً عن الرقابة والترشيد، إلى جانب توسع المؤسسات والجهات ذات الطبيعة الخاصة -مثل جهاز مستقبل مصر وغيرها من الأجهزة الاقتصادية والإستراتيجية- التي تدخل في أنشطة زراعية وتجارية وعقارية عملاقة، وتُحصّل إيرادات ضخمة لا تُدرج مطلقاً ضمن الجدول العام للموازنة للدولة. وحين تُستبعد هذه الموارد الهائلة من جانب الإيرادات الموثقة، يظهر حجم الموازنة أضيق بكثير من حجم الاقتصاد الفعلي؛ فتتضخم نسبة الدعم حسابياً وتُعرض كحجم هائل يلتهم الموارد. ولو أُدرجت كافة الإيرادات العامة المتولدة من هذه الأجهزة والصناديق في القوائم الموحدة، لظهرت نسبة الدعم الحقيقية ضئيلة وهامشية لا تبرر هذا التهويل الإحصائي الموجه لإلغائه.

والخطورة في هذا المسار أنه يضغط على الوعي من جهتين؛ فهو من جهة يبعث برسائل طمأنة للدوائر الخارجية والمؤسسات الدولية بأن الخطط تتقدم، ومن جهة أخرى يزرع في نفس المواطن -الذي تلاحقه الأرقام الرسمية- أن الضائقة التي يمر بها ليست بسبب خلل في السياسات، بل لقصور في قدرته على الصبر والتكيف. وبذلك يُرفع الحرج عن السياسات الفاشلة لتصبح الأزمة عبئاً نفسياً فردياً يتحمله المواطن وحده. وهنا تلتقط وسائل الإعلام الرسمية الخيط؛ فتفرد النشرات لأرقام النمو وتطمس بيانات الفقر، ويُطل المسؤول ليشرح لغة الرقم دون أن يجد من يسأله عما يسكت عنه الرقم، وتُعرض شهادات الصندوق وكأنها حكم عدل لا مصلحة لصاحبه فيه. ونتيجة ذلك نشوء واقع افتراضي يضع المواطن في حيرة دائمة بين ما يلمسه بيديه وما يتردد على أذنه.

الخروج من أسر التلاعب الإحصائي لا يكون بإهدار قيمة الأرقام أو رفضها بالكامل، فالبيانات أداة فهم لا غنى عنها، وإنما يكون بطرح سؤالين لازمين أمام كل رقم يُعلن: ماذا يسجل هذا الرقم وماذا يخفي؟ ومن الذي صاغه ولمصلحة من يُنشر؟

على أن هذه الاستراتيجية تحمل في أحشائها عوامل انكسارها، وتظهر عوراتها حين تشتد الضغوط المعيشية إلى حد يعجز الرقم عن تغطيته. والواقع المادي لا يكذب؛ فالأب الذي يقلل من طعام أسرته أو يعجز عن شراء الدواء لا يحتاج إلى بيان رسمي ليقتنع أن الأحوال بخير. المعاناة اليومية تتراكم لتصنع وعياً فطرياً يكذب البيانات الرسمية حتى وإن لم يمتلك المواطن أدوات التحليل المالي.

وأضف على ذلك تناقض البيانات الرسمية نفسها مع مرور الوقت؛ فحين تسرب الإحصاءات الرسمية نسب الفقر المتصاعدة، أو حين تنشر المؤسسات الدولية تقارير تطابق واقع الحال وتخالف الرواية المحلية، يبدأ المزيج الإحصائي في التفكك وتفقد الأرقام قيمتها وسحرها. وزيادة على ذلك ما أتاحه التواصل الرقمي من إمكانية رصد تجارب الناس المباشرة على نطاق واسع. فعندما ينشر آلاف المواطنين شهاداتهم اليومية عن الأسعار والمعيشة على المنصات الفضائية، يتشكل من مجموع هذه الشهادات واقع إحصائي شعبي ينسف الرواية الرسمية ويعريها أمام الجميع.

إن الخروج من أسر التلاعب الإحصائي لا يكون بإهدار قيمة الأرقام أو رفضها بالكامل، فالبيانات أداة فهم لا غنى عنها، وإنما يكون بطرح سؤالين لازمين أمام كل رقم يُعلن: ماذا يسجل هذا الرقم وماذا يخفي؟ ومن الذي صاغه ولمصلحة من يُنشر؟ إن من يستحضر هذين السؤالين يستعصي على الخداع، مهما ملكت المؤسسات من قدرة على التجميل.

وقد وضع القرآن الكريم أيدينا على هذه الظاهرة في أصلها الأخلاقي حين تحدث عن الذين يطففون في الميزان؛ يستوفون المكيال لأنفسهم ويُقصورنه إذا كان لغيرهم. والتطفيف في عصرنا لم يعد يقتصر على المكيال الخشبي، بل امتد إلى المناهج الإحصائية؛ فمن يملك اختيار ما يُقاس وكيف يُقاس ومتى يُعلن، يملك التحكم في الميزان كله. قال الله تعالى: "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ".

إن الوعيد القرآني هنا ينصب على الفعل ونتيجته؛ فمن يستوفي لحسابه ويُخسر حساب الناس لا يحتاج إلى الكذب المباشر، بل يكفيه أن يضع المسطرة التي تلائم غرضه. وصندوق النقد حين يقيس نجاح برنامجه بمؤشرات تخدم نهجه ويسقط المؤشرات التي تكشف كلفته الإنسانية، إنما يمارس هذا التطفيف نفسه: يستوفي لنفسه ويُخسر من يتعامل معهم. وهذا الميزان المائل هو جوهر التطبيع الإحصائي، وهو ما جعل القرآن يفتتح سورة كاملة بالويل لمن يمارسونه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)